قضايا وآراء

لماذا يرتعد السيسي من اعتذار إسرائيل لتركيا؟

1300x600
رغم تحفظي على التقارب التركي-الإسرائيلي اتساقا مع موقفي السياسي الرافض لأي تطبيع مع المحتل الإسرائيلي إلا إنني فوجئت بحجم الرعب الذي أصاب نظام عبد الفتاح السيسي بسبب ذاك التقارب، والسبب ليس رفضا للتطبيع كما هو موقف الحكومات والشعوب المحترمة، لكنه نوع من المكايدة الذي يشبه كيد النسا.

فالنظام المصري الذي وصل إلى تلك الحظوة البالغة لدى الكيان الصهيوني إلى درجة وصفه بالبطل والأخ لإسرائيل والرجل الحديدي، إلخ، لايريد لغيره أن ينافسه على هذه الحظوة أو يقتطع جزءا منها. الأخطر من ذلك هو أن سبب "الرعب" السيساوي من التقارب التركي-الإسرائيلي هو انعكاسه الإيجابي على قطاع غزة.

واحتمال أن يسمح هذا التقارب بكسر الحصار الذي فرضه نظام السيسي على القطاع لخنقه، وقد وصل هذا الحصار إلى حد غلق معبر رفح طوال العام 2015 باستثناء 21 يوما فقط، وهو ما تسبب في مآس عظيمة لأهل غزة سواء للمرضى الذين ماتوا بسبب حرمانهم من السفر للعلاج أم للطلاب الذين حرموا من مواصلة دراستهم في الخارج، أم للعاملين في الخارج الذين فقدوا أعمالهم بسبب تغيبهم لفترات طويلة، إلخ.

الرعب السيساوي من التقارب التركي-الإسرئيلي يمكن النظر إليه من زاوية أخرى باعتباره نوعا من التحرش أو "جر شكل تركيا" لفتح الكلام و"افتعال قصة" تنتهي ببحث جدي لدعوة السيسي للمشاركة في القمة الإسلامية التي ستعقد في تركيا في نيسان/ إبريل المقبل، فعلى الرغم من أن مشاركة مصر هي أمر بروتوكولي لا يحتاج لأي مقدمات باعتبار أن مصر هي رئيس القمة الحالية وعليها أن تسلم رئاسة القمة لتركيا.

لكن تسمم العلاقة بين الدولتين بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013، وعدم اعتراف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالسيسي رئيسا حتى اللحظة جعل مسالة مشاركته الشخصية في القمة أمرا صعبا خاصة أن أردوعان لم يتراجع عن موقفه بل يؤكده بإصرار يوما بعد يوم.

ويسعى رجال السيسي من خلال عملية التحرش الأخيرة إلى دفع بعض الدول الصديقة صاحبة التأثير على أردوغان لدفعه لتغيير موقفه وقبول فكرة دعوة السيسي للمشاركة في القمة، وإذا حدث ذلك فإن رجال السيسي سيسوقون ذلك للشعب المصري باعتباره فتحا مبينا وانتصارا كاسحا على أردوغان وإجباره على الاعتراف بالرئيس السيسي، وبالتالي زوال إحدى العقبات الرئيسة أمام نظام السيسي الذي يستشعر دوما أزمة الشرعية.

قد تضطر تركيا بروتوكوليا لدعوة مصر للمشاركة في القمة، وهناك معلومات غير مؤكدة بذلك، لكنها لن تبدي حماسا لشخص السيسي الذي قد يجد نفسه معزولا لو قرر المشاركة، وقد يجد نفسه في حرج سياسي بالغ بسبب عدم الترحيب به وتجاهل أردوغان له في الحديث، أو ترك القاعة خلال كلمته كما فعل معه من قبل في نيويوروك، أو لربما تعمد الرئيس أردوغان إحراجه علنا وبشكل مباشر بتأكيد رفضه لانقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013 وما نتج عنه من تطورات.

الهرولة المصرية نحو اسرائيل لحثها على رفض أي دور تركي لمساعدة قطاع غزة تعتمد على خدمات كبيرة قدمها نظام السيسي لاسرائيل، وقناعة بأن إسرائيل لا يمكنها الاستغناء عنه لصالح تركيا، برغم تجذر علاقة هذه الأخيرة باسرائيل.

وبمناسبة تجذر العلاقات التركية الإسرائيلية وجب التنبيه غلى أن هذه العلاقات تعود للعام 1949 أي  بعد إعلان الكيان الصهويني بـ4 سنوات فقط  حيث كانت تركيا ثاني اكبر دولة إسلامية بعد إيران تعترف باسرائيل رسميا وتقيم معها علاقات كاملة ظلت تنمو حتى وصلت إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية.

ومنذ ذلك الوقت، أصبحت إسرائيل هي المورد الرئيس للسلاح لتركيا، وحققت حكومتا البلدين تعاونًا مهمًا في المجالات العسكرية، الدبلوماسية، الاستراتيجية، لكن هذه العلاقات أصيبت بأعطاب متتالية منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا في العام 2002، ووصلت إلى أدنى حالاتها بعد اعتداء إسرائيل على أسطول الحرية التركي قبالة شواطئ غزة وقتل 9 نشطاء أتراك على متنه أواخر أيار/ مايو 2010، حيث قامت تركيا بطرد سفير إسرائيل لديها، وأعلنت تجميد الاتفاقيات العسكرية مع إسرائيل، ثم أعلن رجب طيب أردوغان تعليق العلاقات التجارية والعسكرية في مجال الصناعات الدفاعية، وهدد بعقوبات أخرى إذا لم تعتذر إسرائيل عن مقتل المواطنين الأتراك.

ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهوا قدم في 22 آذار/ مارس 2013 اعتذارا رسميا لنظيره التركي رجب طيب أردوغان خلال مكالمة هاتفية واعترف بحدوث بعض الأخطاء العملية وتعهد بدفع التعويضات لأسر الضحايا، إلا أن ذلك لم يقنع الجانب التركي الذي أصر على إعتذار دولة بشكل كامل وهو ما قبلت به إسرائيل مؤخرا ومعه بدأت العلاقات التركية الإسرائيلية تستعيد دفئها ومعه أيضا تصاعد القلق المصري من تطورها.

فارق بين التملق المصري لإسرائيل وتقديم الخدمات بالمجان وبين التمنع التركي والإصرار على الاعتذار الإسرائيلي الكامل (وهو طلب يبدو مستحيل التنفيذ في ظل النفسية الصهيونية التي لم يسبق لها الاعتذار لأحد) فما الذي دفعها لقبول الاعتذار لتركيا؟ خاصة بعد التصريحات النارية للرئيس التركي أردوغان التي وصف فيها الصهيونية بأنها جريمة ضد الإنسانية؟

وفقا للباحث الفلسطيني صالح النعامي حاولت إسرائيل الرسمية حصر الأسباب التي دفعتها لتقديم الاعتذار لتركيا في القول إن هذه الخطوة تحسن من قدرتها على مواجهة التداعيات "الخطيرة" المحتملة للثورة السورية؛ لكن النخبة الحاكمة في تل أبيب تعمدت عدم الإشارة إلى جملة أخرى من الأسباب.

ففي ما يتعلق بالمخاوف مما قد تؤول إليه الأمور في سوريا، فإن السيناريو الذي تخشاه إسرائيل يتمثل في إمكانية وصول السلاح غير التقليدي والصواريخ بعيدة المدى إلى أيدي جماعات يكون من المستحيل على الماكينة العسكرية الإسرائيلية مراكمة الردع إزائها، على اعتبار أنها جماعات لا تحكمها اعتبارات الدولة.

وقد أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صراحة بأن الاعتذار لتركيا جاء في إطار السعي لتوفير الأرضية لتعاون إقليمي شامل يضمن معالجة المخاطر الناجمة عن السلاح السوري في أقل قدر من الخسائر وقد كان مستشار الأمن القومي لنتنياهو يعكوف عامي درور أكثر صراحة عندما قال إن إصلاح العلاقة مع تركيا يمكن إسرائيل من معالجة خطر وصول السلاح الكيماوي للجماعات الجهادية المتطرفة
لكن هذه المبررات الرسمية لتقديم الاعتذار ليست هي كل الحقيقة.. فبحسب النعامي هناك مسوغات وظروف أخرى أسهمت في دفع القيادة الإسرائيلية إلى تقديم الاعتذار لتركيا، من أهمها:

أولاً: الحرص على توفير الظروف لتحقيق أفضل تعاون عسكري وأمني بين إسرائيل وحلف الناتو، حيث تبين للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحديداً إن الأزمة مع تركيا تشكل عائقا رئيسا يحول دون تمتع إسرائيل بمزايا العلاقة مع الناتو؛ حيث إنه منذ أحداث أسطول الحرية، ترفض تركيا المشاركة في أية مناورات لحلف الناتو تشارك فيها إسرائيل؛ وهذا ما يفسر الحماس الكبير وغير المتحفظ لرئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي غانتس لخطوة الاعتذار لتركيا.

ثانيا: هناك إجماع داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على إن التوجه لتحسين العلاقة مع دول البلقان كآلية لتلافي الخسائر الناجمة عن تدهور العلاقة مع تركيا كان مخيبا للآمال؛ حيث إن هذه الدول التي تمر في أزمات اقتصادية خانقة غير مؤهلة لتقديم مستوى الخدمات الأمنية والاستراتيجية التي كانت توفرها العلاقة مع تركيا.

ثالثا: الخشية الحقيقية من حدوث احتكاكات غير مقصودة، تؤدي إلى مواجهة عسكرية مع تركيا. ويشار في هذا الصدد إلى ما حدث خلال شهر يونيو حزيران 2011 عندما تصدت طائرات وسفن حربية تركيا لطائرات وسفن حربية إسرائيلية وأجبرتها على مغادرة الأجواء والمياه الإقليمية التركية أثناء تدريبات في حوض البحر الأبيض المتوسط.

رابعاً: لقد أصبحت تركيا، بعد تولي أردوغان الحكم، ضمن دائرة الاعتبارات الاستراتيجية التي تأخذها إسرائيل بعين الاعتبار عندما تخطط لتنفيذ حملات عسكرية ضد هذا الطرف العربي أو ذاك خشية تأثيرها على العلاقة مع أنقرة. بمعنى أنه عندما تخطط إسرائيل لتنفيذ عملية كبيرة ضد حركة حماس، على سبيل المثال، فإنه صناع القرار في تل أبيب يحرصون على استشراف السلوك التركي المتوقع في أعقاب هذه الحملة من هنا، فإن استقرار العلاقة مع تركيا يحسن من الظروف والشروط اللازمة لقيام إسرائيل بمواجهة التحديات الإقليمية.

في الوقت ذاته هناك إحساس متزايد لدى صناع القرار في إسرائيل إنه على الرغم من خطاب أردوغان المتشدد، إلا إن تركيا يمكن أن تلعب دور الوسيط " الأفضل " لدى تفجر المواجهات مع الفلسطينيين، سيما مع حركة حماس، مقارنة بمصر.

خامسا: دلل الاعتذار على التغيير في موازين القوى الداخلية في إسرائيل، حيث إنه مثل تحرر نتنياهو من التأثير الطاغي لشريكه ووزير خارجيته المستقيل أفيغدور ليبرمان، الذي أحبط كل المحاولات التي جرت للتوصل لتسوية مع تركيا. لقد ظل قادة الجيش والموساد، بالإضافة إلى وزير الدفاع السابق إيهود براك يضغطون على نتنياهو لتقديم الاعتذار، لكنه تردد، حيث خشي أن يفك ليبرمان الشراكة معه، مما يؤدي إلى الإطاحة بحكومته.

شرح التبريرات الإسرائيلية لتقديم الإعتذار لتركيا لا يعني قبولا من ناحيتنا بتطور هذه العلاقات، ولكنه يكشف الفارق في تعامل إسرائيل  مع الدولتين، بين مصر السيسي التي تهرول لنيل رضا تل أبيب وبين تركيا أردوغان التي تهرول إليها إسرائيل معتذرة. 

لو كان الفيتو المصري على تحسن العلاقات التركية الإسرائيلية نابعا من غضبة قومية أو إسلامية لكان محل تقدير واحترام، أما أن يكون نابعا من حرص على مواصلة خنق الأشقاء في غزة والمزايدة على الموقف الإسرائيلي ذاته فهذا ما يستحق اللعنة في الدنيا والآخرة.