مقالات مختارة

على ماذا يتفاوض السوريون مع النظام؟

1300x600
لعل القرار الدولي الأخير حول المسألة السورية يحمل ملامح تنازلات فظيعة وغير مقبولة قدمها المجتمع الدولي لأبشع نظام إرهابي مجرم في تاريخ الشرق الحافل بالطغاة و المجرمين و القتلة من الحكام.

فبعد خمسة أعوام عجاف على مسيرة دموية مرعبة خاضها النظام السوري في مواجهة شعبه الثائر المنتفض الذي تعرض لأبشع حملات إبادة وتدمير ممنهجة في التاريخ المعاصر، يبدو الحديث عن حلول تفاوضية بينه وبين قوى المعارضة السورية المختلفة و المتباينة الآراء والتوجهات أشبه بحديث الخرافة.

فللمرة الأولى في تاريخ العرب الحديث تبرز هذه المعضلة.، فتجارب التاريخ والسياسة العربية المعاصرة لم يسبق لها أبدا أن مرت بتجربة دموية صعبة كما هو الحال القائم حاليا في الوضع السوري، وحيث الانقسام والتدمير وآفاق الصراع قد وصلت لحدود خرافية لم يكن من الممكن تصورها ولا قياس أبعادها وتأثيراتها المستقبلية، الثورة السورية الشعبية أثبتت أمورا وأفرزت حقائقا كانت غائبة بالكامل عن المشهد وهي أن النظام الدولي القائم لم يعد ملتزما بالدفاع التضامني عن حقوق الإنسان الكونية، بل إن ذلك أضحى أمرا مزاجيا ومصلحيا و مرتبطا بمصالح الدول الكواسر وصراعاتها البينية. فمثلا يدور في الإعلام الدولي حديث كبير وطويل وممل عن الأنظمة الاستبدادية في العالم وتفرض العقوبات الدولية التي تصيب نتائجها المريرة والمدمرة الشعوب الضعيفة المبتلاة أصلا بأمراض الدكتاتورية والاستبداد بينما تتقوى تلك الأنظمة الفاشية ويشتد عودها ويكون بطشها على شعوبها أقوى وبمباركة من المنظومة الدولية للأسف التي تكتفي بالبيانات المنددة وبفرض مزيد من العقوبات الظالمة على الشعوب والتي تدمرها من الداخل بشكل رهيب.

الحالة في سوريا اليوم تجاوزت الكارثة بمراحل ودخلت ضمن مفهوم وتصنيف الإبادة الشاملة بل أن النظام السوري الحاكم بعد خمسة أعوام من الصراع وبعد أن فقد الكثير من ركائزه وأعمدته الأمنية وتحول جيشه لمجرد جزر مقطعة وأشبه بميليشيات ممزقة عاد وأحتمى بتحالفاته الدولية وخصوصا الحليف الروسي القديم الذي ورث الحليف السوفياتي الراحل الذي كان مستشاروه العسكريون و الأمنيون يلعبون أكبر الأدوار في مساندة نظام الأب حافظ الأسد!.. خلفاء السوفيات الروس وجل قياداتهم من زعامات المخابرات السوفياتية القديمة كي جي بي هم اليوم بمثابة العمود الحافظ للنظام السوري الذي خرجت من بين أياديه أزمة قيادة الأزمة وبات عاريا بعد أن فشل حلفائه الإقليميون في تعويمه، ودخل الروس معركة إنقاذ النظام وتدارك مواقعه قبل انهياره الذي كان وشيكا بأقوى أنواع الأسلحة التدميرية التي تمت تجربتها للأسف بأجساد الشعب السوري المحروم والمظلوم، وما زال الروس يهددون وينشرون الرعب الشامل بتصريحاتهم حول الأسلحة النوعية الجديدة التي لم يستخدموها بعد والتي ستستخدم لاحقا كما قالوا.

 أي أنهم يرسلون رسائل إرهاب دولة مبرمجة لمحاولة كسر إرادة الثوار السوريين وإجبارهم على الدخول في مفاوضات عقيمة لن تفضي لشيء ولن تحقق المراد ولن تلبي الحد الأدنى من مطالب الجماهير السورية التي قدمت حتى اليوم أكثر من نصف مليون ضحية تعرضت خلالها المدن والحواضر السورية لدمار رهيب وغير مسبوق في ظل عقلية أمنية استئصالية سلطوية ترفض التعامل مع الواقع المعاش ومازالت تتصرف بأسلوب مرحلة الحرب الكونية الباردة ، فمثلا في اضطرابات الثمانينات قتل عشرين ألف سوري في مدينة حماة العام 1982 وقبلها قتل مئات عدة من السجناء في سجن تدمر عام 1980 وسلط أجهزة وفروع مخابراته لكتم أنفاس السوريين في مرحلة إقليمية ودولية صعبة كانت كل أوراق الصراع مختلطة فيها، فوقتها كانت رياح الحرب العراقية/الإيرانية المشتعلة تشغل العالم، كما كان الغزو الإسرائيلي لبيروت العام 1982 قد أثار الانتباه عن مشكلات عدة أخرى، وحيث تمكن النظام السوري في تلك الفترة من ترميم موقفه وإعادة إنتاج ذاته من خلال حزمة الأزمات الكبرى المشتعلة أما اليوم فالظروف مختلفة بالكامل، ومع ذلك فالنظام السوري يتصرف بنفس أسلوب وعقلية السلف الطالح.

 المفاوضات بين النظام السوري وبعض من المعارضة ليست سوى مضيعة للوقت، فالأزمة الإنسانية تتطلب معالجات جديدة و مختلفة ولا علاقة لها بمساومات مائدة التفاوض ومناوراتها… فهل تحترم خيارات الشعوب التحررية؟. تلك هي المسألة و المعضلة.

عن صحيفة السياسة الكويتية