مقالات مختارة

يا للمفاجأة! أباعود ليس في سوريا

1300x600
كتب عمر قدور: من دلائل التقصير الأمني، وفق ما تسرّب من جهات أمنية أوروبية، أن الأخيرة لم تكن تعلم بعودة عبدالحميد أباعود إلى أوروبا، وكانت تعتقد طوال فترة هروبه من المراقبة، أنه في سوريا.

أباعود، الملقب بأبي عمر البلجيكي، وفق إعلام "داعش"، تنقل ذهابا وعودة بين أوروبا وسوريا، بعد مغادرته الأولى قبل سنتين، وربما لا يكون حالة متفردة بين أقرانه من الإرهابيين. فكما هو معلوم، هناك حوالى خمسة آلاف داعشي أوروبي، بموجب إحصائية نشرتها "سي أن أن" في آب (أغسطس) الماضي. الإحصائية ذاتها تشير إلى معدل متقارب في ما صدّرته مناطق جغرافية أساسية من مقاتلين: فالكتلة الشرقية سابقا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، صدّر كل منها حوالى خمسة آلاف مقاتل أيضا.

في المحصلة، نحن أمام ما يزيد على عشرين ألف مقاتل "أممي"، لن يكونوا مشكلة سوريا فيما لو قُضي على دولة التنظيم.

صياغة الخبر المُشار إليه في الاستهلال تكشف، مع الأسف، عن تراخٍ غربي في التعامل مع مغادرة عناصر "داعش" أوروبا، على عكس التحذيرات التي تخصّ عودتهم إليها. وإذا كانت قدرات الحكومات الأوروبية محدودة في مرحلة يُراد تصويرها كأنها خاضعة لتجاذب القطبين الأميركي والروسي وتوافقهما، فاللوم الذي تستحقه هو عدم التحرك بفعالية، مع تضررها الواضح من السياستين الأميركية والروسية، وفي ملفين برزا على التوالي واستُغلا أبشع استغلال.

الملف الأول ملف اللاجئين، وكما هو معلوم طغى على فورة الاهتمام العالمي به الجانب الإنساني، وكان مثيرا للسخرية أن تطالب إدارة أوباما الأوروبيين باستيعاب المشكلة، بينما لم تتبرع هي سوى باستقبال عدد بسيط راحت حكومات الولايات تتنصّل منه بعد اعتداءات باريس. الأمرّ من ذلك، خضوع الحكومات الأوروبية للابتزاز، وبحثها عن معالجة أزمة اللاجئين داخل حدود الاتحاد الأوروبي، من دون أن تلاقي الأصوات القليلة الداعية إلى معالجة جذور المشكلة في سوريا والعراق سندا عاما.

في ملف الإرهاب، يظهر سريعا الإذعان الأوروبي للرؤية الأميركية الروسية، عبر تراجع الموقف الفرنسي إزاء بشار الأسد، وأكثر من هذا عبر عدم طرح أفكار أوروبية متمايزة في موضوع مكافحة الإرهاب. التمايز الأوروبي المطلوب هنا، يُفترض أن يأتي من واقع عدد الإرهابيين الذين يحملون جنسيات أوروبية، ومن انتمائهم إلى أسر أوروبية على الصعيد الحقوقي، وأيضا من التضرر المباشر الناجم عن أوضاع مشجّعة للإرهاب في الجوار الجغرافي، وفي الداخل.

لن يكون هناك "داعش" في سوريا أو غيرها دائما، ليذهب إلى هناك أمثال أباعود، هذا ما يخص الجانب المحلي من مشكلة الإرهاب. لكننا، عندما نتحدث عن إرهاب أممي، لا نستطيع تجزئة الحلول على النحو السائد حتى الآن. على الصعيد الأمني مثلا، لن يبدو منسجما إطلاقا ذلك السلوك الذي يُبقي أباعود وأمثاله طلقاء لأن القوانين المحلية تحمي حقوقهم، ثم يتم استهدافهم بالقصف الجوي تحت طائلة قتل مدنيين آخرين في سوريا، لأنهم أصبحوا خارج القوانين المحلية، أي كأنهم أصبحوا مع أولئك المدنيين الأبرياء مستباحين، لوجودهم في رقعة جغرافية مستباحة أصلا. طبعا، النكوص عن السوية الحقوقية الغربية ليس هو الحل.

لقد برع الإرهاب القاعدي، ومن ثم الداعشي، في تجيير مظلومية لمصلحة أخرى، هذا ما يجعل منه إرهابا عالميا فاعلا. ولا ينبغي إغفال حقيقة تركيز الخطاب القاعدي والداعشي على الغرب بوصفه منبع الشرور. فهذا الخطاب هو الذي يستقطب المجاهدين من الغرب أكثر مما تستقطبهم أي قضية محلية أو وطنية. إذا جاز التعبير، هذه هي قضيتهم الوطنية. والنقد السطحي السائد في المنطقة يتوجه إلى إغفال القاعدة و "داعش" قضايا مثل فلسطين ونظام الأسد، أو عدم إعطائهما أولوية حقيقية، وهو نقد لا يتفهّم تكتيكات الإرهاب الدولي الذي يتغذى أساسا على عداءين للغرب، عداء لدى أولئك المقيمين فيه، لأسباب مركّبة تجتمع لتتخذ طابعا هوياتيا، وعداء لدى شريحة من أبناء المنطقة العربية، بعضه موروث من حركات التحرر وحركات اليسار.

المظلومية السورية، أو العراقية، لا تعدو كونها مناسبة أو جولة من جولات الحرب الأم، وهي ليست مقصودة بذاتها، غير أن استمرارها يقدّم خدمة جليلة للإرهاب، إذ يضمها إلى قائمة مظلوميته العامة. هنا، سيكون علينا أيضا التخلص من الربط الميكانيكي بين المظلومية ونتائجها، إذ طالما جرى التحذير من نتائج المظلومية السورية بإيحاء أنها ستؤدي إلى تطرف السوريين أو جعلهم بيئة حاضنة للتطرف. من دون دحض الخلاصة الأخيرة نهائيا، لم تصنع المظلومية السورية أولئك المتطرفين في أنحاء العالم، ولم يأتوا لمحاربة بشار الأسد وإنما لمحاربة الغرب، بينما الهمّ الذي يكاد يجتمع عليه السوريون هو التخلص من الاستبداد و "داعش" معا، والمشكلة الراهنة لكثر منهم مع الغرب أنه لم يقدم المساعدة الكفيلة بتحقيق هذا الهدف.

الأقرب إلى الواقع، أن غياب الحد الأدنى من العدالة يعزز المظلوميات من كل نوع، ويتيح انتشارها ليس فقط لدى المعنيين بها. والأهم أن الإفلات المتواصل من العقاب يعزز فكرة غياب القانون ويبرر أية جريمة لاحقة. نقع في فخ ما هو إجرائي، إذ نفسّر عنف الإرهاب بما يدلنا هو عليه من نصوص مقدسة، وننسى أنه يتغذى أيضا (وربما أولا) على مختلف أشكال العنف تحت مسميات دنيوية مختلفة. التمييز الدولي بين عنفين يفاقم الأمر، لأنه قائم على شيطنة العنف عندما يطاول الغرب فحسب، وأيضا عندما يُصوّر العنف خارجيا ودخيلا، حتى إذا أتى من أفراد ولدوا في الغرب ولم يحملوا جنسية سوى جنسياته.

أمام فاجعة بحجم "داعش"، من الهزل التحدث عن تقصير أمني هنا أو هناك، ومن الهزل التحدث عن تعثّر الحرب الدولية على الإرهاب. الشجاعة تقتضي الاعتراف بأن الحرب الدولية على الإرهاب كانت طوال الوقت بلا فهم وجهد دوليين حقيقيين، وإلا كيف أدى إضعاف "القاعدة" إلى بروز "داعش" على نحو أشدّ فتكا؟ وكيف أمكن طاغية كبشار تهديد العالم بالإرهاب؟ وماذا يعني أن يكرر العالم أخطاءه ويتفق على إبقاء النظام الأمني السوري، الذي ساهمت مختبراته في إنتاج الإرهاب، تحت ذريعة الحفاظ على مؤسسات الدولة؟

(عن صحيفة الحياة اللندنية- 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015)