مدونات

نعم للمصالحة..!

مقالات اراء عبد الرحمن فاروق
قد نختلف على بقاء النظام الحالي، متمثلا في رئيسه ومجلس شعبه و شرطته وجيشه وقضائه، وقد نختلف على تسميته "النظام الانقلابي" أو "النظام الشرعي"، وقد نختلف على أن السيسي وسيم، أو أنه مجرد إنسان يلبس بدلة ويتفوه بالكلام الذي يجعل أمريكا لا تنام من قبل المغرب..

ولكننا لا نختلف على ضرورة الإفراج عن المعتقلين صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، شيخهم و جاهلهم، غنيهم وفقيرهم، إسلاميهم وعلمانيهم..

ولكننا لا نختلف على ضرورة فك الأسير، ومعرفة أخبار المختفين، و التوصل إلى أسماء المجهولين، والنظر في أمور نسائنا في الداخل وبناتنا..

من المضحك النظر إلى حالة اللامبالاة التي نعيشها بشكل جماعي إلى أنها ثورة، أو بداية لثورة حتى، فالكل ملهي في أمور الحياة وأقصى أفعالنا صورة على مواقع التواصل الاجتماعي ومزيدا من السب في الحكومة، وعدد من الإعجابات والتعليقات..

أيضا من المهم إقصاء قيادات كثيرة وأخص قيادات الإخوان الذين مثلّونا وارتضيناهم لنا في فترة من الفترات ثم رأينا أنهم من مروجي المخدرات، بل من المتعاطين لها، مخدرات الفكر لا مخدرات الجسد، مع احترامنا لمنزلتهم العلمية والعملية والشكلية والمالية... الخ،

ومن الغريب أيضا أن يظن الشباب والقيادات أن الشارع معهم، وأن الشعب سينتفض، وأن الجيش مع الشرعية، والقضاء نزيه، كما كان يردد ومازال يردد بعض قيادات التيار الإسلامي المنهزم في كل معاركه مع السلطات الحاكمة في مصر، الظآن أن الاعتقال شرف، والإعدام نصر، والاغتصاب كرامة.. حاشى لله أن يكون لمظاهر الذل عزّة وشرفا..

الشارع مستاء من التيار الإسلامي وشباب الثورة أكثر من حكومة السيسي والمجلس العسكري، وانزل إلى الشارع بنفسك واسأل الناس، فهم لا يريدون هذا ولا ذاك، ولا همهم دينهم بقدر ما يهمهم دنياهم، وجملة " يا عم عايزين نعيش " هي جملة حقيقيه في عقول المصريين راكنه، لا مجرد تعليق للتهرب من الواقع..

لا يوم 25 كانون الثاني/ يناير القادم يثمر عنه شيء، ولا من قبله وبعده سيثمر عنه شيء إلا مزيدا من الدماء والألم والمعتقلين، وبكاء الفتيات واستغاثات الأمهات، ثم بدورنا نقوم بالحسبنة والركون أمام قنوات الثورة والعصر والجزيرة..

الثورة التي تتمنوها أن تنهي نظاما في مصر قويا غير مفككا كما يدعي زوبع وحشمت وشرابي، هي ثورة ملايين من البشر يحتلون مناطق الدفاع والشرطة والأقسام والمراكز، ولن تجد في هذا الشعب مليون منتفض ينزل معك الشارع الآن، أو ثورة مسلحة مرفوضة شرعا وعرفا وعقلا، ومآلها إلى تدمير الدين والدنيا واستباحة الأعراض والأموال أكثر مما عليه الأمر الآن..

وخلاف الإسلاميين مع الديموقراطيين، و العلمانيين مع الاشتراكيين، وغير هذا من الكلام التافه الذي لا يعنيني في الأصل ولا يهمني، ولن أتوصل إلى طريقة تقنع غيري أو أن غيري من هذه التيارات يقوم بإقناعي، فالأمر مآله إلى عدم القبول بالأفكار، مع القبول والموافقة على بعض أو كثير من الإمكانيات المتاحة لإطلاق سراح المعتقلين خاصه، بقدر ما يعنيني ويعني أي غيور على أعراض المسلمين أن تكون الأزمة الحالية لها مخرج، ولو تنازلنا عن كثير من الأمور لا كلّها كما يعتقد البعض..

الجيش قوي بعتاده ، والشرطة قوية بسلاحها، والشعب يلفظك ولا يريدك، والناس تريد الحياة ولقمة العيش فقط، وأنت قد أريتها طريق الحق فرفضت وخنعت وبدّلت وغيّرت، جراء كثير من أفعالنا وجراء جهلهم، وجراء خوفهم، فالأمر كله ينصب في طريق لمصالحة سياسية، من أهم بنودها إن لم يكن كُلّها اطلاق سراح الأسرى..

طرق كثيرة تُفتح مع النظام الحالي لإجراء مصالحة ومراجعات بشتى الطرق، وندري أن النظام كان يقبل هذا الأمر في بداياته والآن يرفضه تماما، لكن لا بأس بأن ندعوا لذلك مرات عديدة، بدل أن ننشر صور المسلمات ينتحبن ويبكين ونحن نعلّق عليها بكلمات التأوّه والحسرة والألم، ولا بأس أن نكون من نستبق هذه اللحظة، ولا بأس أن نسعى ولو بالكلام حتى نعذر أنفسنا أمام الله والعالم المسلم، فوالله إن اطلاق سراح أسير مسلم مظلوم مضطهد لهو الفوز الأعظم..

وأجزم أن كثيرا من المعتقلين في شتى مصر، لا يريدون شيئا سوى خروجا من المعتقل في الحالة الراهنة، وانهم لا يسعون لشيء غير ذلك في هذه الحالة، ولا داعي لتلك العبارات التي لا تغني ولا تسمن جوع، وأناشيد الحماس المصحوبة بالدف والعود، وشعارات القوة والشرف، ونحن في أحسن أحوالنا نسمع صوت سرينة عربة الشرطة فنجري مختبئين خلف أكوام الزبالة..

عزيزي انسى قليلا أناشيد الزعامة والفخامة، وصور المظاهرات بالجودة العالية، وفيديوهات القاطنين خارج مصر، وانظر بعين العقل للشباب خاصة والشعب برمته..

لعائن الله على الخزي العار الذي أُلبسناه، نتيجة لأفعال الحمقى والمغفلين ممن ينادون ويثورون في فضائيات الخراء الفكري باسم الثورة والانقلاب يترنح..

وما بعد المصالحة، وخروج المعتقلين، كلام آخر لا محل له الآن..