قضايا وآراء

...عن تحالف الأسد والمومسات!

1300x600
بعد نحو خمسة أعوام على اندلاعها، يكاد الحديث لا ينتهي عن أسباب وخلفيات وخفايا الثورة السورية، التي أشعلها عودُ حمزة الخطيب، الطري، كما فعل قبله بأشهر قليلة جسد محمد البوعزيزي في تونس الخضراء.

لم ولن يصدّق أحد يوما أن طفلا درعاويا أطاح أو يكاد بحكم آل الأسد الممتد منذ نحو نصف قرن من الزمن، حتى بات الوالد ومن خلفه الولد رمزا تُنسب إليه سوريا برمتها، وقد ينسب أحدهما نفسه إليها "تواضعا" أو "خجلا" لا يخرج عن سياق المجاملات التي تتطلبها المقابلات التلفزيونية والخطابات "القومجية".

منذ اللحظة الأولى التي داعبت فكرة حكم سوريا، مخيلة حافظ الأسد، رسم الرجل للشام طريقا لا تشبه تلك التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، ولا تلك التي قال فيها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) طائفة من أحاديثه الكثيرة، ولا حتى تلك التي جسّدتها الدراما بدءا من "أيام شامية" قبل أكثر من عشرين عاما، وأخواته من المسلسلات الأخرى، وصولا إلى "باب الحارة"، بل أرادها "القائد الخالد" ملكية خاصة تقوم على أبدية الحاكم بأمره، وفق قاعدة "الأسد أو نحرق البلد".

وبالفعل، صدق شعار الزبانية والمرتزقة والشبيحة، الذين أحرقوا بعد حماة في ثمانينيات القرن الماضي، وبعد جسد حمزة في مارس من العام 2011، سوريا وأهلها بنيران مدافعهم ودباباتهم وطائراتهم وبراميل حقدهم المتفجرة، وقبل هذه وتلك حاولوا على الدوام "تفخيخ" نخوة وشهامة الشعب الطيب والأصيل.

ربما لو كُتب لساحة "المرجة" القابعة وسط العاصمة  دمشق أن تحكي، لباحت وحدها بنصف أسرار الثورة. لو قُدر لها لروت بكثير من القرف والاشمئزاز، كيف تحوّل عناصر مخابرات الأسد حبا وطواعية إلى قوادين وسماسرة جنس ودعارة، يسهرون على راحة المومسات في محاولة خبيثة لإغراق الشباب في بحور الانحلال والفجور.

لو كُتب للساحة التاريخية التي تحفظ عن ظهر قلب وجوه خيرة رجالات وشهداء سوريا، أن تسرد ولو شيئا يسيرا عن نذالة وخسة جلاوزة السلطان، لتحدثت عن فنون الإغراء والإغواء، عن حبال الجنس والرذيلة التي كان تُنسج خلف الكواليس وفي العلن، لسلخ أهل الشام عن دينهم وقيمهم.

تختزن جدران الساحة الدمشقية العتيقة في ذاكرتها نصف فصول الحبكة الدرامية الدنيئة، التي تعكس فكر واستراتيجية الأسدين (حافظ وبشار) في الحكم والاستبداد. فالحبكة تقضي في شطرها الأول أن يتقمص رجل المخابرات شخصية القواد، ويغطي "بطولات" المومسات، كما لو كُنّ يؤدين خدمة جليلة للوطن من خلال "تربية" الأجيال !

أما في الشطر الثاني من الحبكة ذاتها، فيشاء المخرج (النظام) أن يتحوّل القواد نفسه (عنصر المخابرات) الذي لا تخطئه فنادق وأزقة "المرجة"، إلى داعية أو إمام وربما إلى طالب جامعي في كلية الشريعة، أو مصل "درويش على باب الله" في أي مسجد من مساجد سوريا.

لكن، وبخلاف رحابة صدره في المشهدية الأولى المشبعة بالكثير من صور الألفة والود مع نجمات وربيبات الشعر الأصفر والليالي الحمراء، يضيق "الرجل" في المشهد الثاني ذرعا بكل مؤمن بلحية أو من غير لحية، يسبّح بحمد الله ... لا بحمد حافظ أو بشار.

هنا، تكتمل قذارة المسلسل الأسدي الطويل، حيث يبدأ المخبر الصغير بتدوين الملاحظات وكتابة التقارير الدقيقة عن كل شاردة وواردة، عن كل بسملة، عن كل تكبيرة، عن كل تسبيحة، عن كل أذان، عن كل إقامة، عن كل ركعة، وعن كل سجدة، إلى أن يحين "يوم الحساب".

"يوم الحساب" هذا، يعني وفق المصطلحات والأدبيات البعثية - الأسدية، سوق المصلين والمؤمنين "المجرمين الفاجرين" إلى السجون وفروع الأمن لتعذيبهم والتنكيل بهم؛ عقابا على "الموبقات" التي اقترفوها في بيوت الله.

وفي مقابل تضييق الخناق على رواد المساجد من الطائفة السنّية، يطلق النظام "بكل طيبة خاطر" يد ما تُسمى بالمستشارية الثقافية الإيرانية، التي تعمل على خطين متوازيين، يركز الأول على إدخال اللغة الفارسية إلى بلاد الأمويين، تحت عناوين مختلفة كالمنح الدراسية والمعارض التي تمجد حضارة الفرس، في حين يقوم الثاني على نشر التشييع من باب الندوات الثقافية والفكرية الخاصة بالتقريب بين المذاهب.  

من يعرف سوريا جيدا يدرك تماما أن ما جاء في المقال ليس من نسج خيال الكاتب أو من قبيل المبالغة، وإنما هو حقيقية واقعة تختصر بعضا من سفالة وخطط الأسد الجهنمية لتطويع الشام وأهلها، لعلها تختصر على وجه الدقة سيرة نظام يتقن فن التحالف سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا مع ... المومسات.

* صحفي لبناني.