مقالات مختارة

وماذا لو أديرت الدولة دون وزراء؟

1300x600
كتب عمرو عبد القوي: الأسابيع الماضية شهدت أحداث مسلسل حاول الإعلام تصويره بالمثير والغامض، تدور أحداثه حول تغيير الوزارة المفاجئ، كما لو كان في الأسماء الجديدة التي ستتجلى عنها الحلقة الأخيرة من المسلسل الخلاص والرخاء لمصر!

في أحد التحقيقات الصحفية في الأيام الفائتة أشار المحرر إلى أننا استهلكنا "400 وزير" في فترة ما بعد الثورة. وحتى لو فيه بعض المبالغة في هذا الرقم إلا أن هذه المعلومة ليست بعيدة جدا عن الواقع إذا ما حصرنا عدد الوزارات الرسمي في هذه الحقبة القصيرة، الذى وصل إلى تسع وزارات شكلها سبعة رؤساء وزارة مختلفين، وكل وزارة بها نحو خمسة وثلاثون وزيرا.

بعد هذا الاستهلاك السريع للمركز والشخصيات، ليس عجيبا اليوم أن يجد رئيس الوزراء المكلف صعوبة في العثور على وزراء بالكفاءة والخبرة المطلوبة يقبلون بالتكليف … ومن ثم نجده مضطرا لإعادة تدوير بعض الاسماء السابقة!

هل بعد كل هذا التنوع فى الوزراء ورؤساء الوزراء، ومع استمرار المشكلات والشكاوى نفسها، التي يعاني منها المواطن منذ أكثر من أربعة عقود، دون أي تغيير نوعي يشير إلى انتقال أي منها إلى طريق الحل المستدام، هل بعد ذلك مازال الشعب المصري يصدق أن تغيير الوزير أو حتى الوزارة سيجلب عليه التغييرات والإصلاحات التى يحلم بها؟ … أشك!

يجب أن نواجه هذا السؤال بشيء من الجدية، لأنه من غير المنطقي أن يستمر المرء في تكرار الخطأ نفسه، بالطريقة نفسها، ويتوقع أن تتغير النتيجة في مرة من ذات المرات. منظومة إدارة الدولة، وبالتالي المنظومة الوزارية برمتها لم تتغير بأي صورة جوهرية في العقود الخمسة السابقة، حتى بعد الثورة. مازالت المنظومة مركزية لا تترك مجالا كبيرا لاستقلالية قرارات الوزير أو المدير (راجع «بناء على توجيهات الرئيس»).

ما هو التوصيف الوظيفي للوزارة، وبالتالي للوزير؟ وضع استراتيجيات وخطط لتطبيقها والإدارة السياسية لتحقيقها، أم تنفيذ ومتابعة مشاريع تلك الخطط على الأرض؟ طبقا للغموض المعهود عندنا نطالب بالاثنتين معا، وبالتالي نكون قد نصبنا الفخ لكل وزير يقبل بهذا التكليف، فهو (أو هي) لن يستطيع تحقيق الاثنين؛ ولذلك يصبح مصيره مرهونا بالقبول العام له: القبول من الصحافة، أو من زملائه، أو من رؤسائه، أو أخيرا من موظفيه ــ الشعب في ذيل القائمة لأنه عادة غير راضٍ عن الكل!

هل اعتمدنا الفشل في التغيير الحقيقي وبالتالي أصبح التركيز على تجهيز كبش فداء عندما يستفحل الفشل؟

مشاهد اختيار الوزارة

عملية اختيار الوزارة في مجملها تظهر بوضوح أولويات الإدارة الحاكمة، فنرى المشاهد التالية:

المشهد الأول ــ فيما يخص التعليم:

مع فوز عالم مصري بجائزة نوبل تقرر الدولة أن أهمية البحث العلمي تستدعي وزارة خاصة، وبعدها بفترة ولأننا لم نتوفق بوزير مناسب، يتم إعادة دمج الوزارة في وزارة التعليم العالي، وكنا قد قررنا فصل التعليم العالي عن التربية والتعليم الذي يغذيه، (كأن السياسة التعليمية للدولة يمكن تجزئتها). وأخيرا نعترف أن المنظومة التعليمية فشلت فنقوم بتجزئتها مرة أخرى بإنشاء وزارة للتعليم الفني، بحيث يصبح هناك أربع وزارات معنية بالتعليم، إلى جانب بعض الهيئات التابعة لمجلس الوزراء لتعاملها مع أكثر من وزارة، ثم مجلس استشاري رئاسي لتطوير التعليم، (بما أننا لا نتوقع فلاح الوزارات الأربع في تحقيق التطوير!) ثم نعيد دمج الوزارتين بعد عام واحد لسبب غامض!

المشهد الثاني ــ فيما يخص العمران:

الدولة توجه اهتماما كبيرا إلى حل مشكلة العشوائيات والنسيج الحضرى المتدني، ولذلك يتم إنشاء وزارة للتطوير الحضرى والعشوائيات … وبعد عام فقط ودون مبررات واضحة، تقرر الدولة ضم الوزارة الوليدة لوزارة الإسكان، التي تسببت في المشكلة أصلا على مدى العقود الماضية. (راجع المشهد نفسه في موضوع السكان والصحة اللذين يتم فصلهما ثم دمجهما «وزارة آه ووزارة لأ»، ومشكلة الزيادة السكانية مستمرة بالمعدلات نفسها).

وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، هو المسمى الحالي للوزارة التي تسلمت مسؤولية التطوير الحضري والعشوائيات. علما بأنه مع بداية القرن كانت قد قررت وزارة الثقافة أن الوزارة القائمة على الإسكان غير قادرة على إدارة واقع حضري متسق، فاستخرجت قرارا جمهوريا بإنشاء جهاز للتنسيق الحضري ليقوم بالتعامل مع الواقع الحضري، بمفهوم أعمق من كونه مشكلة إنتاج مكعبات خرسانية كافية لإسكان البشر.

من الضروري أن نمعن بعض الشيء في هذه المسميات لدلالتها على الأسس التي تقوم عليها قرارات إنشاء والغاء وزارات. فهذه الوزارة مثلا تم تغيير اسمها عدة مرات منذ ثورة 52 مع تغيير أولويات الدولة في تحديد "المشكلة" الراهنة التي يجب التركيز عليها، أي إن الوزارة تخلق لحل مشكلة! كما حدث مع العشوائيات والتعليم الفني.

لعبة أسماء

إذا رجعنا إلى ما قبل عام 1956 فقد كانت هناك وزارة واحدة للأشغال تعنى بكل ما هو أشغال عامة. ولكن نظام الحكم الاشتراكي الجديد قرر أن الدولة عليها أن تتولى مسؤولية إسكان الشعب؛ لذلك غيرت اسمها في عام 1964 إلى وزارة الإسكان والمرافق. ثم في عام 1978 تم تقسيم الوزارة إلى وزارتين، واحدة للإسكان وواحدة للتعمير والمجتمعات العمرانية الجديدة. وفي التسعينيات أعيد دمجهما في وزارة واحدة، قبل أن يتم تغيير الاسم إلى ما هو عليه الآن، لنقوم بفصل التطوير الحضري والعشوائيات في وزارة يتم دمجها بعد عام في نفس وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية!

من الواضح أن لعبة ربط أسماء الوزارات بتعريف المشكلات الراهنة مستمرة، وكأن تسمية الوزارة هو الدليل على وجود المشكلة على أجندة الدولة. ولكن هل نتج عن كل هذه التغييرات في الوزارات والوزراء المتلاحقين أي تغيير أو تطوير نوعي في مشكلة من المشكلات الآتية:

الإسكان ــ مازال العجز يفوق الطلب والوعود ببناء مليون وحدة متكرر ولا يواجه جذور المشكلة التي أصبحت تعيق التطوير البشري لهذا المجتمع.

المرافق ــ مشاكل شبكات المدن مزمنة والهالك فيها يفوق كل النسب المقبولة، أما القرى فمازال الكثير منها يفتقد لأي مرافق، إلى جانب سباحة الكثير منها في بحور مياه جوفية أو مجارٍ.

المجتمعات العمرانية الجديدة ــ رغما عن مرور ما يقرب على أربعة عقود من عمر أقدمها، إلا أنها مازالت أشباه مدن تعمل بمبادئ السمسرة العقارية، أكثر من مبادئ التطوير والتنمية الحضرية المستدامة.

العشوائيات ــ تزداد مع كل وزارة حتى أصبح ما يزيد عن 60% من سكان حضر مصر يسكنونها.

التطوير الحضري

التنسيق الحضري ــ استمرار هدم المباني التراثية وتشويه الشوارع بتعديات فردية وحكومية، وعشوائية المباني الحديثة دليل آخر على أن وجود العنوان والهيئة لا يعني بالضرورة وجود منظومة للحل.

هذا ليس نقدا يستهدف رسم صورة قاتمة، ولكنه تصوير لواقع حضري نعيشه جميعا ولا ننكره. الغرض من هذا الحوار هو الفصل ما بين عملية تشكيل الوزارة والإرادة الحقيقية لمواجهة المشكلات … تشكيل الوزارة لا يمثل إرادة للحل، حتى وإن حملت الوزارة نفس اسم المشكلة! تاريخ إنجازات وزارات العقود الخمس السابقة، ظاهر أمامنا في الأرقام الحالية لمستوى الفقر والأمية، والتزايد السكاني والتخلف العلمي، والتنافسية الصناعية الضعيفة والتدهور في جودة حياة المواطن المصري بصفة عامة، فهي نتاج تراكمي لقرارات الوزارات أو الحلول المزعومة خلال تلك العقود.

السؤال الآن هل مازلنا مصرين على تكرار الأخطاء نفسها على أمل أن تتغير النتيجة؟

(عن الشروق المصرية)