قضايا وآراء

هل ينجو صالح في معركته الأخيرة؟!

1300x600
لطالما خرج الرئيس اليمني السابق علي صالح من كل أزماته ومعاركه التي خاضها منذ ثلاثة عقود ونصف وهو يبتسم ويلوح بكلتا يديه مخاطبا من يصفهم بجماهير الشعب العظيم، في المعركة الحالية التي يخوضها ضد 10 دول وانتفاضة شعبية مسلحة، ما تزال ملامح نهاية الرجل الذي لطالما رقص على رؤوس الثعابين غامضة ومحل تساؤلات عميقة.

ينتمي صالح لأسرة يمنية عملت بفلاحة الأرض وكانت تسكن احدى المرتفعات القريبة من صنعاء وتدعى سنحان، التحق بالجيش اليمني، ومنه وصل إلى سدة الرئاسة التي ما يزال رافضا التنازل عنها بعد ثلاثة وثلاثين عاما، ما يزال الرجل الذي لقب بـ"تيس الضباط" الذي تجاوز منعطفات الربيع العربي وما قبله قادرا على خوض المعارك على الحدود وفي عدة جبهات داخلية.

مر صالح بأكثر المنعطفات التاريخية صعوبة لعل أبرزها يوم تسلمه السلطة بعد اثنين من الرؤساء تم تصفيتهم وما يزال دمهم أخضر وهما إبراهيم الحمدي واحمد الغشمي، وآخران قدما استقالتهما وهما الرئيس عبدالرحمن الإرياني وعبدالكريم العرشي، قال الزعيم القبلي الراحل عبدالله الأحمر إن صالح أخبره بأن عليه أن يجربه في السلطة ولو حتى يوما واحدا.

أصبح علي عبد الله صالح عضو مجلس الرئاسة حينها رئيسا للجمهورية العربية اليمنية بعد أن انتخبه مجلس الرئاسة بالإجماع ليكون الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية في يوليو 1978 خلفا للرئيس المؤقت عبدالكريم العرشي، تسلم ذو الشعر المجعد مقاليد الحكم وبدا غير قادر على مخاطبة شعبه وجها لوجه، كتبت له الكلمة الأولى وظل يحدق في الورقة اكثر من تحديقه في عيون المصفقين له .

كان التحدي الأكبر الذي واجهه صالح في أيام السلطة الأولى، محاولة الانقلاب الفاشلة لناصريي اليمن، والتي يسمونها بأنها محاولة تصحيحية لإعادة كرسي الرئيس إبراهيم الحمدي، الرجل الذي كان أكثر قربا من أحلام الناس وتطلعاتهم ويوصف بأنه كان صاحب مشروع مدني لإدارة البلاد، سحق صالح المحاولة الانقلابية وأصدر قرارا بإعدام ثلاثين من قيادات الحزب الناصري في اليمن.

تمددت معارك صالح خارج الحدود، شارك في الحرب العراقية الإيرانية إلى جانب صديقه صدام حسين في الثمانينات، وصمت تجاه الغزو العراقي للكويت، قبل أن يقف ضد التحالف الذي اخرج قوات صدام من الكويت، كان صالح قد دشن تصادما سياسيا كبيرا مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي، ليتعرض لضربة قاسية في معركة دبلوماسية بخروج مئات آلاف اليمنيين من المملكة وتوقف مفاوضات الانضمام نحو التكتل الخليجي ومحاولات عزله في اقصى الجزيرة العربية.

اتجه صالح جنوبا لاستكمال مباحثات الوحدة اليمنية التي بدأت في فترات أسلافه، استطاع مع الرئيس الجنوبي علي سالم البيض توقيع اتفاقية الوحدة بين الشطرين، ليتحول هذا الانتصار اليمني الكبير إلى فشل دمج المؤسسات وصياغة الدستور وتفاقم الخلاف بين صالح والبيض على طريقة إدارة الأول للحكم لتدخل البلاد في حرب أهلية في العام 1994م.

انتصر صالح على قوات البيض الرئيس الجنوبي الموالي لموسكو، ليفر الأخير إلى سلطنة عمان، ويصدر الرئيس المنتصر قرارا بإعدامه، ليبدا هجوما جديدا هدفه اجتثاث الحزب وممتلكاته ومصادرة مؤسسات دولة والتوجه نحو إقصاء حليفه الإصلاح الإسلامي ليدخل مرحلة من الاسترخاء في العبث وغياب الشفافية وتفشي الفساد، صُنفت اليمن من أكثر دول العالم فسادا في كل تقارير منظمة الشفافية الدولية لعدة عقود.

عادت العلاقة الخليجية مع نظام صالح تدريجيا، خاصة مع توقيع اتفاقية جدة عام 2000 ورسمت الحدود "رسميا" بموجبها، لتبدأ مرحلة اقل مرونة من العلاقة بين صالح وقادة دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة ولي عهد المملكة السعودية الراحل عبدالله بن عبد العزيز.

مع دخول انتخابات 2006م، كانت العملية السياسية قد وصلت إلى طريق مسدود، بعد إعلان أحزاب قومية ويسارية وإسلامية التكتل في اللقاء المشترك وخوض المعترك الرئاسي لمنافسة صالح بشكل جدي لأول مرة منذ صعوده إلى سدة الحكم، وجد صالح نفسه أمام مرشح المعارضة فيصل بن شملان ليبدأ معركة جديدة في عمره الحاكم.

جن جنون الرجل الذي خرج عشرات الآلاف من البشر في مهرجانات جماهيرية كبرى تهتف لمنافسه الذي يُعرف بنزاهته وشفافيته في الوسط المجتمعي، اتهمه معارضوه بتزوير الانتخابات واستخدام المال السياسي والجيش في سبيل انتزاع السلطة من منافسه.

ازدادت العملية السياسية احتقانا مع الطرف الرئيس في المعارضة "اللقاء المشترك" قبل أن تندلع احتجاجات الربيع العربي ويحد صالح نفسه محاصرا بين سيول الانتفاضة البشرية التي اكتسحت صنعاء وأغلب المحافظات اليمنية الرئيسية، واجهها بالرصاص الحي وسقط أكثر من 3000 متظاهر وآلاف الجرحى خلال عام.

تعرض لمحاولة اغتيال أثناء تواجده في جامع دار الرئاسة في عملية ما تزال غامضة، لينقل بعدها للرياض لتلقي العلاج ويظهر في خطاب مُتلفز وعليه آثار الحرق في جلده ناعيا رئيس مجلس الشورى عبدالعزيز عبدالغني الذي قضى في الحادث ويتعهد لشعبه العظيم بالعودة إلى صنعاء.

اضطر صالح بعد ضغط رعاة المبادرة الخليجية على تسليم السلطة في نهاية العام 2011م بموجب "المبادرة الخليجية" الموقعة بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك والتي أقرت ضمن بنودها تسليم صالح للسلطة بعد إجراء انتخابات عامة كما أقرت لصالح حصانة من الملاحقة القانونية وتم إقرار قانون الحصانة ذو الصفة السيادية وتولى نائبه عبد ربه منصور هادي رئاسة المرحلة الانتقالية.
خسر صالح السلطة لكن تلابيب الدولة وقادة الجيش في الحرس الجمهوري ظل مواليا له، تمسك خلال عامين من رئاسة هادي، برئاسة حزب المؤتمر الشعبي، واختار له لقب الزعيم، وتوجه نحو تشكيل إمبراطوريات إعلامية مارس فيها هواياته بكل أريحية.

مع مطلع العام 2014 م كان صالح قد دشن تحالفا فعليا مع جماعة الحوثي وبدأ بتدمير الوحدات العسكرية المعادية له والموالية للشرعية اليمنية وانتفاضة الشباب في 2011م، واستطاع الوصول إلى صنعاء مع قوات حلفائه من جماعة الحوثي في سبتمبر من العام ذاته .

وجد التحالف بين الحوثي وصالح الطريق فارغا إلى عدة محافظات بعد تسليم قادة الجيش الألوية والمعسكرات ومؤسسات الدولة له، حوصر هادي في منزله مع قيادة حكومة الكفاءات الوطنية وبدأ الحوثي وصالح ينفردان في إدارة البلاد، ويخوضان معركة انتقام ضد القبائل وقادة الجيش الذين يعتبرونهم خصومهم.

استطاع هادي الوصول إلى عدن في مطلع العام الجاري قبل أن تلاحقه قوات صالح الحوثي ويفر للسعودية، مطالبا بتدخل عربي لإعادة الشرعية وانقاد اليمن من حلفاء طهران، بدأت قوات التحالف العربي في أواخر مارس المنصرم بأولى عمليات "عاصفة الحزم" حيث دمرت المطارات اليمنية وقواعد الصواريخ وقيادات العمليات العسكرية ودفعت صالح للهروب متخفيا خارج قصره الفخم بوسط صنعاء.

في مايو المنصرم قصفت مقاتلات التحالف منزل صالح بشارع صخر وسط صنعاء، ليظهر عبر قناته اليمن اليوم، معلنا تحالفه الصريح وتحديه بشكل علني لمن اسماهم قوات العدوان السعودي ومرتزقة هادي، ومحذرا شعبه الصابر من الخلايا النائمة التي تعمل للعدوان ومتوعدا بالرد .

خسرت قواته عدة محافظات بعد ضربات جوية مركزة ضد مواقعهم واستطاعت قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية تحرير عدن ومحافظات جنوبية في يوليو المنصرم، واعلن تدشين معركة صنعاء التي يتمركز فيها صالح والحوثيين، فيما يتواجد نجله وأفراد من أسرته بالإمارات، الدولة الثانية من حيث المشاركة بقوات التحالف.

في مطلع سبتمبر الجاري ظهر صالح عبر بيان يحمل اسم حزبه يرفض الدعوة التي وجهتها إليه جماعة الحوثي بتشكيل حكومة وحدة وطنية، قال إن على جماعة الحوثي سحب الإعلان الدستوري الذي عطل صلاحيات الرئاسة والغى الدستور، وهذا أول موقف قوي لحزب صالح مضاد لحليفته جماعة الحوثي .

ويبقى السؤال الذي طالما كرره الناس هل يستطيع صالح هذه المرة أن يتجاوز معركته الأخيرة مع الثعابين، وأن يخرج منتصرا، يرتدي نظارته الشمسية، كما فعل في سياسته الشهيرة بالحكم خلال أكثر من ثلاثة عقود، وهل سيتمسك بحليفه الحوثي أم سيستخدمه كرتا سياسيا لطالما استغنى عنه بعد انتهاء صلاحيته!