مقالات مختارة

مفهوم الحق والباطل في تركيا

1300x600
قال رئيس الجمهورية التركية في خطابة في منطقة ريزا "إن شاء الله عاجلا أم آجلا سيُقضى على إرهاب حزب العمال الكردستاني، ولن يُقبل أي تهاون أو ضعف، وسنكمل طريق المفاوضات باللغة التي يفهمونها. هذا صراع الحق مع الباطل، عاجلا أم آجلا سترفرف رايات الحق معلنة انتصاره."

الطريق بين الحق والباطل

فكلمة "الحق" أمر الله بها في كتابه العزيز، حيث جاء في سورة الإسراء "و قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا".. سينتصر الحق في الحكم. بينما إن نظرنا إلى كلمة "الباطل" فهي لا تحمل معنى سوى كل ما يقابل كلمة "الحق".

فطالما أن هناك حكم يتَّصف بالعدل والإنصاف؛ فإن الظالمين الذين يعارضون كلمة الحق لن يبق لهم أي خيار آخر سوى الخروج من تركيا.

ستنطفئ نار الحرب عما قريب في قنديل وسيندثر الإرهاب عاجلا أم آجلا.

هناك عمق تاريخي لقيام رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان بوصف الحرب على حزب العمال الكردستاني بالحرب بين الحق و الباطل. هناك علاقة مباشرة بين تسليط حزب العمال الكردستاني كبلاء على تركيا، وبين قيام أمتنا العزيزة بتزعّم الحرب على العالم الصليبي والقوى الإمبريالية لـ200 سنة.

كانت هيبة الدولة العثمانية في كونها الدولة المركزية التي كانت تخشاها الدول الغربية وتتجنّب الدخول في أي حرب معها. فحتى عندما أُوقف الزحف التركي أمام فيينا، ظلّ الرعب المنتشر بين صفوف الغرب تحت شعار "الأتراك قادمون" مستمرا إلى الآن.

خلق فرمان التنظيمات المُعلن في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1839 تناقضات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، لا تزال آثارها ظاهرة إلى يومنا هذا، مثل؛ الديون الخارجية التي كانت عاملا مهما في انهيار الدولة العثمانية، وتسليمها للدول الغربية. فبعد غرق الدولة العثمانية بالديون العمومية (الديون الخارجية) استولى صندوق النقد الدولي على الإيرادات المالية للدولة، ما أدى إلى انهيارها كليا. وقد كانت الأفكار القومية الدخيلة التي رافقت الاحتلال الفرنسي لتركيا سببا وعاملا كبيرا في انحلال الإمبراطورية العثمانية أيضا. مع الأسف إن من باع نفسه ودولته للغرب الأَغراب معتقدا بأن آخر فرصة لإنقاذ خلافته ودولته هي باتباع الغرب بكل خطوة أن أدى بشعبه إلى التهلكة.

تفكيك الدولة العثمانية

بعد سد الطرق على كوادر العمل العلمانية -الغربية في عهد البادي شاه عبد الحميد وفتحها للعمالة التركية، أدى ذلك لإضعاف العمالة الغربية بشكل كبير. لم تتحمل الدول الإمبريالية، والتي هي فرنسا والمملكة المتحدة، وقع هذا الخبر عليهم، فغيروا منهجهم لأجل الوصول إلى الطريقة التي تمكّنهم من أكل الكتف العثمانية (السيطرة على الدولة العثمانية). فكان الهدف الأساسي والمتخفّي لفرنسا والمملكة المتحدة في مد يد العون للدولة العثمانية هو تنحية الخليفة عن منصبه، وبه يتم إسقاط الخلافة العثمانية.

لم يترك العالم الغربي الدولة العثمانية وشأنها، بل سعوا بكل جهدهم إلى إسقاطها. فقام الماسونيون واليهود باستغلال كونهم أصحاب الديون الخارجية بتأسيس جمعية الاتحاد والترقي في باريس وسلانيك، لكن أسوار الدولة العثمانية لم تكن ضعيفة، فوُجدت فرقة حرية الائتلاف لتصد أصحاب الفكر الغربيّ.

ففي هذه الفترة التاريخية التي مرّت بها تركيا تشكّلت مجموعة من التيارات المتضاربة المتمثلة في جمعية الاتحاد و الترقي، التي تمثل حزب الشعب الجمهوري اليوم، وحزب الحرية والوفاق والمتمثل بحزب العدالة والتنمية في يومنا هذا.

لقد خَسِر العلمانيون والغربيون مراكزهم لأول مرة عند فشل الانقلاب العسكري على عدنان مندريس والحزب الديموقراطي عام 1950، وخسروها مرة أخرى عند محاولة تسميم تورغوت أوزال. لكن خسارتهم الكبرى كانت في عام 2002. فكان السبب الرئيس في الثالث من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2002 لاستلام رجب طيب أردوغان إدارة حكم البلاد بطابع الديموقراطية المحافظة يقع ضمن الحرب التي دامت مئتي عام على العالم الصليبي والقوى الإمبريالية. فقد ساهم الشعب الديموقراطي المحافظ بعد ظلم دام 200 سنة في ولادة حزب العدالة والتنمية، وساندوه وقيادتَه القوية ليصلوا إلى مركز صنع القرار.

لقد كانت الإصلاحات المنجزة من قبل حزب العدالة والتنمية شوكة في حلق البرجوازيين الغربيين، فاستمرّوا في نصب الكمائن للحزب من أجل تحقيق مصالحهم السياسية. فيا لها من مصادفة كبيرة، حين تعلن جمعية الاتحاد والترقي "قبل مئة سنة كانوا يقولون سنسقط السلطان عبد الحميد عن العرش وسنقضي على الخلافة العثمانية، وبعد مئة سنة لن نسمح لأردوغان بأن يكون وزيرا في الحكومة لتركية". ولأجل تحقيق أهدافهم حرّكت الدول الغربية أحجارها بدهاء على رقعة الشطرنج، فكان صلاح الدين ديميرطاش أحد الأحجار المهمة من أجل السيطرة على النظام السياسي في تركيا، يتبعه حزب الشعب الجمهوري في ذلك. أليس كل هذه المؤامرات واضحة كعين الشمس؟!

وكأن الزمان يتوقّف لكن ما يحيكه الإمبرياليون من مؤامرات لا يعرف معنى النوم.

سبب العداء لأردوغان

الخلاصة: إن السَّبب المتخفِّي خلف العداء الشديد لرجب طيب أردوغان يتلخّص هنا:

إنّ السبب وراء كلّ هذه المؤامرات هي الفرصة الكبيرة التي يستغلّها مؤيّدو الغرب والعلمانيين والأنظمة الدكتاتوريّة التي تريد المحافظة على الوضع الراهن لبسط سيطرتهم على تركيا. فلا يتركون أي وسيلة تساهم في خراب تركيا تغيب عن أنظارهم. فها نحن نرى ما فعله تنظيم فتح الله كولن في 17-25 من كانون الأول/ ديسمبر 2013، وجبهة حزب التحرر الشعبي الثوري المدعومة من الدول الأوروبية، وصلاح الدين ديميرطاش، وحزب الشعب الجمهوري، بالإضافة إلى الإرهاب والتخريب الذي ألحقه حزب العمال الكردستاني بتركيا، كلّ هذا لخنق تركيا ومحاصرة حصنها الأخير ألا وهو منصب رئاسة الجمهورية التركية. فإن أمان تركيا ليس من أولى أولويّاتهم، فلا يهمهم نشوء حرب أهلية وانقسام الدولة إلى دولتين.

يكفيهم فقط أن يجلسوا على عجلة قيادة الدولة ليوجّهوها حسب أهوائهم ومصالحهم الغربية تحت إشراف الدول الأوروبية والأمريكية الغربية.

وفي الانتخابات القادمة في 1 تشرين الأول/ نوفمبر لن يسمح الشعب لهؤلاء الدخلاء بأن ينفذوا مؤامراتهم.

(عن صحيفة تقويم التركية - ترجمة وتحرير تركيا بوست، خاص بـ"عربي21"