مقالات مختارة

من الذي يحكم العراق؟

1300x600
كتبت هيفاء زنكنة: عندما خرج العراقيون إلى الشوارع في 16 محافظة من مجموع 18 في عام 2011، نطق وكيل المرجعية "الصامتة"، غير المرئية لعموم الشعب، ليحذر المحتجين على سوء الخدمات والفساد، من استغلال تظاهراتهم من قبل "مندسين" يسيئون إلى العراق. 

وكان نوري المالكي، رئيس الوزراء أيامها، المدعوم من قبل المرجعية، قد أصدر حكمه على المتظاهرين المسالمين بالإرهاب مصرحا عبر قناة ‘العراقية’ الرسمية، قبل يوم من تلك المظاهرة: ‘أدعو إلى عدم المشاركة في مظاهرة الغد لأنها مريبة… إن من يقف خلف المظاهرة الصداميون والإرهابيون والقاعدة’.

 وكانت النتيجة إطلاق النار على المتظاهرين وقتل 29 متظاهرا بينهم طفل. واعتقل نحو ثلاثمائة شخص فيهم صحافيون وفنانون ومحامون بارزون كطريقة للترهيب. إلى جانب المرجعية، وأعني هنا علي السيستاني، وقف مقتدى الصدر مقترحا، في أكثر لحظات الحكومة الطائفية تأزما، إمهالها مدة مائة يوم لإجراء الإصلاحات. كان هذا، بالاضافة إلى حملات التهديد والاغواء والاعتقالات، سببا آخر لإلهاء المتظاهرين عن أهدافهم الأساسية وتمييع القضايا وبالتالي إنهاء حملة المطالبة بالحقوق.

وكما قامت قوى النظام بالالتفاف حول المطالبين بحقوقهم الأساسية، عام 2011، عادت ذات القوى، هذه المرة، ومنذ انطلاق التظاهرات الحاشدة في العديد من المدن، من شمال العراق إلى جنوبه، للالتفاف حولهم، بتكتيك مغاير للمرة السابقة، إذ لم يهاجم النظام المتظاهرين بالقوة ولم يرشهم بالرصاص، بل سارع ساسته، كلهم، إلى إعلان تضامنهم مع المتظاهرين ضد الفساد. وكأن الفساد جرثومة حطت على أرض العراق من الفضاء الخارجي ولا علاقة لهم به. فاستنكروا وأدانوا وشجبوا.

سارع بعضهم إلى القنوات التلفزيونية، ليعلنوا، كما يفعل طيب القلب أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، عن "قلقهم" من الفساد الذي يعيق وصول التيار الكهربائي إلى أبناء الشعب المظلوم (وهو الاسم الرسمي، حاليا، للشعب العراقي). 

هدد آخرون بفتح ملفات الفساد (للمرة العاشرة بعد المائة على الأقل!) ومحاكمة المسؤولين وإبعاد غير الكفؤين. وبلغت خطوة احتواء التظاهرات وتمييع المطالب قمتها حين انضم ساسة الفساد، أنفسهم، من مسؤولين ومستفيدين من أحزاب ومليشيات وحشد شعبي إلى ساحات الاحتجاج في المدن المختلفة، لينفذوا ما برعوا بتنفيذه خلال الـ13 سنة الماضية أي السرقة والنهب ورمي المسؤولية على الآخرين. 

لم تسلم حتى الساحات وشعارات المتظاهرين ومطالبهم المشروعة من الأيادي المتعودة على النهب. فجأة صارت مآسي الشعب مآسيهم. مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، كان من بين الذين صحوا من سباتهم على أصوات المتظاهرين. فدعا حيدر العبادي، إلى "تشكيل لجان مستقلة وبإدارته المباشرة، لإحالة ملفات الفساد والمفسدين للحكومة السابقة والحالية إلى الادعاء العام". متناسيا أن هذا بالضبط ما قام به المالكي ليخلق بطانة الفساد الخاصة به وأن الدول والمؤسسات لا تبنى بهذه الطريقة.

 تبعه أسامة النجيفي، نائب رئيس الجمهورية، الذي جدد "دعمه لأصوات المتظاهرين" وضرب رموز الفساد وهو احد المتهمين بملف فساد ثقيل. وأكد رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، على "حق المواطنين بحرية التعبير الحر عن حقوقهم ومطالبهم ومحاسبة المفسدين". أما رئيس كتلة الدعوة النيابية، فقد طمأن العبادي بأن "الجماهير ستقف مع رئيس الوزراء في قراراته الخاصة بإبعاد المفسدين من واجهة الحكومة، وان عزيمة الشعب لا تقهر"، متعاميا عن حقيقة أن رؤساء الوزراء الثلاثة الذين أوصلوا العراق إلى هاوية التفكك والفساد الاداري والسياسي الحالي هم قادة حزب الدعوة، وأن نداء "المرجعية الرشيدة" الذي تم توجيهه، إلى العبادي، للضرب بيد من حديد على المفسدين سيتطلب، كخطوة أولى، محاسبة قادة حزب الدعوة نفسه، مهما تظاهروا بادعاء الإصلاح.

أما حث "المرجعية الدينية العليا" رئيس الوزراء العبادي على "أن يكون أكثر جرأة وشجاعة في خطواته الإصلاحية" ومن ثم استجابته الفورية، بإعلان التزامه الكامل بالتوجيهات القيمة للمرجعية الدينية التي عبرت عن هموم الشعب العراقي وتطلعاته، فإنه يبيّن، أولا: إدراك المرجعية بأن النظام على حافة الانهيار إزاء غضب الجماهير..

وثانيا: أن المطالبات لم تعد مقتصرة على الخدمات بل تعدتها إلى الدفاع عن حق الحياة.. 

وثالثا: أن من يحكم العراق، فعلا، ليس ما يسمى بالحكومة والبرلمان بل ذلك الكيان المسمى "المرجعية الدينية العليا"، القابع في بيت منزو بمدينة النجف، الذي لا يسمع الشعب صوته، الا عبر وكيل، ولم ير غير بعض صوره المضببة التي لايعرف أحد تاريخها بالإضافة إلى فيلم تم تصويره أثناء نقله إلى لندن عندما قامت قوات الاحتلال الأمريكي بتدنيس ضريح الإمام علي. ترى ما مدى معرفة هذه المرجعية بأمور العراق والعالم بما فيه الإقتصاد والتكنولوجيا والسياسة الدولية والإقليمية والتوازنات العسكرية، أو حتى فهمها الإحصاءات والجغرافيا خارج اختصاصها في كتب الفقه؟ مع ذلك، يقدم النظام الحالي صورة المرجع غير المرئي، باعتباره مصدر الإلهام لسياسات الدولة الكبرى في قضايا مصيرية، إضافة لكونه أيقونة العواطف، العقائدية، الشعبوية، النقية. 

إنه "الذي يرى كل شيء"، لذلك تصبح طاعة فتاواه فرضا على المواطنين خاصة حين تتطابق مع متطلبات الساسة وتتماشى مع المحافظة على النظام الطائفي. ولعل أهم تساؤل سيوجهه جمهور المتظاهرين إلى أنفسهم عند انفضاض التظاهرات، بانتظار تحقيق "الإصلاحات" الموعودة، هو عن فائدة وجود حكومة ومجلس نواب إذا ما كانت مرجعية السيستاني هي القادرة على تسيير الدولة بواسطة فتوى؟ لم الانتخابات؟ ماذا عن الدولة المدنية وحق المواطنة وحكم القانون؟ والأهم من ذلك، ماذا عن بقية الشعب العراقي، بتنوعه الديني والمذهبي، إزاء مرجعية تمثل مذهبا واحدا؟

(عن القدس العربي- الثلاثاء 11 آب/ أغسطس 2015)