مقالات مختارة

لماذا نحن منافقون؟ (2-2)

1300x600
كتب محمد الخالدي: الصدقُ في زمنِ النّفاقِ بطولةٌ ... والصادقون كأنهم شهداءُ

وإذا الوظائفُ حلَّ فيها صادقٌ ... لاقى الجفا وتربَّص الزملاءُ

(إحسان السطم)

النفاق الأخلاقي موجود منذ بدء الخليقة. وربما أن البشر مجبولون على النفاق. فهم المخلوقات الوحيدة التي تستطيع أن تضحك وهي في لحظات الحزن أو الألم. وليس هناك أي نوع من المخلوقات قادر على القيام بمثل هذا القدر من الزيف.

ولعل النفاق هو رديف للتناقض في السلوك حتى على مستوى الأمم. فللفيلسوف اليوناني أرسطو كتاب مشهور عن الأخلاق. بينما يعرف الفيلسوف الألماني نيتشه بكتابه "ما وراء الخير والشر"، بالإضافة إلى كتبه القيمة الأخرى. وربما اعتقد أحدنا نتيجة قراءة الكتابين أن الإغريق أمة بيروقراطية تلتزم بالأنظمة ومعروفة بهدوئها المثالي، بينما الألمان يعيشون في عربدة من السلوك الهمجي والمجون المنفلت الذي لا يخضع لقانون.

ولكن الواقع هو عكس ذلك في كلتا الأمّتين. فلربما شعر الإغريق بحاجة لأرسطو للمساعدة في تهدئتهم، واحتاج الألمان لنيتشه لإطلاق العنان لتحررهم من القيود.

وقد التفت إلى ما يشبه هذه المناظرة في التناقض بين النظرية والممارسة بعض الباحثين من خلال دراسات مقارنة عن الحرب والسلم بين الأمم، حيث أشاروا إلى أن المسيحيين الذين يعتقدون أنهم أعظم المؤمنين بالسلام، هم في الواقع أكثر من أثار الحروب والدمار في العالم. وفي المقابل فإن المسلمين الذين يُعتبرون أعظم المؤمنين بالنظام والانضباط، هم اليوم - للأسف - الأكثر فوضى وتطرفا واقتتالا فيما بينهم.

وقد اقتصر المقال السابق على بعض التأصيل الأكاديمي للنفاق الأخلاقي. ولأهمية الأمر، فهنا بعض الأمثلة الحية من النفاق الأخلاقي التي عايشتها أو سمعتها.

مدير قسم مجتهد ومنظم في عمله، سجله حافل بالإنجازات. يختلف أحيانا مع رئيسة المستبد لأنه لا يتردد في إبداء رأيه المهني. يطلب هذا شراء بعض المواد والأجهزة اللازمة لتسيير العمل في إدارته عن طريق الخدمة الإلكترونية التي توفرها منظمته، حيث يرفع الطلب آليا إلى رئيسه للاعتماد ثم تحال للمشتريات والارتباط المالي لإكمال إجراءات الشراء. بعد أسبوع من إنشاء الطلب لم ير الموافقة من خلال النظام الآلي. ذهب لرئيسه ليستفسر إن كانت هناك مشكلة أو نواقص في الطلب.

ولكن الرئيس رد عليه بأن الملف تحت الدراسة لديه. بعد مضي أسبوعين أو أكثر، شعر بالسرور لأن الطلب قد ووفق عليه. وقد خف قلقه لأن هناك إمكانية كبيرة أن تأتي المواد قبل أن ينضب المخزون لديه، حيث إنها مواد حساسة جدا ولا تحتمل التأخير. بعد أسبوع من الموافقة، اتصل بالمشتريات لمعرفة إذا كانت المواد قد طلبت أم لا، ولكنه لم يجد ردا حاسما. يمر أسبوع آخر ويزداد قلقه.

يسأل، يتابع، يحاول أن يعرف ما المشكلة، وأخيرا يكتشف أن رئيسه قد وافق آليا على شراء المواد. ولكنه في الوقت نفسه، أبلغ الجهات المختصة شفهيا بحفظ الملف حتى إشعار آخر. هذه الحادثة ثمثل نفاقا أخلاقيا صارخا، حيث إن هناك صورة علنية مخادعة يجتمع فيها التناقض في السلوك بين السر والعلن، مع وجود سوء نية مسبق.

ومثال آخر يتعلق بأسلوب منتشر في توجيه المعاملات في كثير من المنظمات، والحكومية منها خاصة. وهو الشرح على المعاملات من قبل الشخص المسؤول بكلمة "للمفاهمة." والمقصود منها أن الرئيس لا يُرِيدُ أن يتخذ قرارا في شأن المعاملة بالموافقة أو الرفض أو طلب إيضاح حولها. وبدلا من ذلك يطلب من مرؤوسه الذي رفع المعاملة للموافقة، أن يأتي شخصيا ليتفاهم معه حول المعاملة ويعطيه توجيها شفويا حولها.

في بعض الأحيان لا غبار على طلب "المفاهمة" إذا كان الهدف التسريع في أخذ معلومات إضافية تساعد على اتخاذ القرار الصحيح. ولكن يحدث أن الرئيس لا يريد أن يضع القرار مكتوبا، خاصة إذا كان بالرفض. ويريد أن يرحّل المشكلة إلى مرؤوسه ويتهرب من تحمل تبعات القرار. هذا التصرف لا يكشف فقط التهرب من المسؤولية، بقدر ما يكشف النفاق في بعض ممارساتنا الإدارية.

ومثال إضافي حول النفاق الأخلاقي في العمل، يحدث عندما يكرر الرئيس كلاما ينقضه كل يوم من خلال ممارساته الإدارية. فقد يصدّع الرئيس رؤوس أعضاء فريقه بشكل شبه يومي، بأن هدفه هو بناء منظمة المؤسسات. وأنه يعمل على ترسيخ العمل المؤسسي في المنظمة، بحيث لا يتأثر عملها بتغير من يقودها. ولكنه في كل صباح، من حيث يشعر أو لا يشعر، يتجاوز مرؤوسيه إلى من دونهم.

ويتصل بالمستويات الأدنى من الإدارة، بشكل يضعف الهيكل الإداري ويهمش دور مرؤوسيه، ويضعف العمل المؤسسي. وهذا تصرف قد يبرره البعض بالبحث عن المعلومة المباشرة والتواصل مع الجميع. ولكنه في حقيقة الأمر يتنافى مع الهدف المعلن لمأسسة العمل.

(عن صحيفة اليوم السعودية- الاثنين 20 تموز/ يوليو 2015)