مقالات مختارة

أهم اتفاق بعد مصر وإسرائيل

1300x600
كتب سمير كرم: عاش العالم مرتين تجربة الوصول إلى اتفاق دولي بالغ الأهمية. كانت المرة الأولى تجربة الوصول إلى اتفاق بين مصر وإسرائيل في أعقاب حرب يونيو 1973. وجاءت المرة الثانية قبل أيام في تجربة الوصول إلى اتفاق بين أمريكا وإيران في أعقاب خطر الصدام بين الدولتين في حرب لا يعرف أحد مداها إذا بدأت بين هاتين الدولتين في هذه المنطقة التي فيها خطر الوجود العسكري للدولتين.

وقد لا يبدو الشبه كبيرا بين المواجهة المصريةــ الإسرائيلية والمواجهة الأمريكية ــ الإيرانية بسبب وجود تجربة الحرب في الحالة الأولى وغيابها في التجربة الثانية. ولكن الشبه يبرز في التجربتين، بسبب ظروف كثيرة وقوية أدت في الحالة الأولى إلى حرب، وكادت تؤدى في الحالة الثانية إلى حرب كان من المتصور أن تشترك فيها إسرائيل بدور محلي، أي بدور شرق أوسطي. ولأن الحرب كانت وشيكة بين أمريكا وإيران كان تصور الموقف بين الدولتين قد وصل إلى حد استعداد المنطقة لوقوع مثل هذه الحرب. وقد بدأ في وقت سابق على المفاوضات بين الدولتين أن أمريكا إنما استعدت لحرب شرق أوسطية ضد ايران تخوضها بنفسها أو تخوضها عن طريق فريق من الدول في المنطقة.

أما لماذا لم تقع هذه الحرب فيبدو أن أمريكا – من ناحية – لم تكن واثقة من نتائجها، وأن إيران – من ناحية أخرى لم تكن تريد أن تهجر مجموعة الحروب التي كانت تقع حولها وتعطي كل انطباع بأنها توشك أن تشترك فيها بشكل مباشر، وكانت في واقع الأمر تشترك فيها بشكل غير مباشر.

***

ولا بد من التأكيد بأن إسرائيل خرجت غير راضية على الإطلاق على الموقف الذى اتخذته أمريكا والذى دفع الولايات المتحدة إلى الدخول في مفاوضات مع إيران. فقد كانت إسرائيل تتمنى أن تتاح فرصة حرب بينها وبين إيران، أو بين إيران وأمريكا يكون لها – أي لإسرائيل دور فيها. ولكن ها هو اتفاق أمريكا وإيران يأتي ليناقض كل ما رغبت إسرائيل فيه ويكاد يكون من المؤكد أن إسرائيل ستبذل كل جهد ممكن من أجل أن تفشل هذا الاتفاق ومن أجل أن تدخل في حرب مع إيران. وهنا لابد من التساؤل عما إذا كانت حرب إسرائيلية ضد إيران يمكن أن تقع في وجود هذا الاتفاق بين أمريكا وإيران. 

والإجابة الواجبة على هذا السؤال هي أن إسرائيل سترقب الوضع بين أمريكا وايران بهدف أن تلاحظ إذا كان من الممكن لهذا الاتفاق أن ينجح أو يفشل كلية في تحقيق أهدافه. والأمر المؤكد من الآن هو أن مثل هذا الاتفاق بين أمريكا وإيران لا يمكن أن يفشل -إذا وقع بصورة نهائية- إنما من الممكن تصور أن تواجهه صعوبات وألّا يحقق كل أهدافه، أما أن يفشل كلية فهذا أمر مستبعد بصورة تامة، فلو أحست أمريكا بإمكان فشله لما وقعته؛ ذلك أن الصعوبة التي لاحت قبل توقيعه ما كان يمكن أن تظهر لو أن الفشل كان قريبا من أن ينال منه. 

ويمكننا أن نستعيد هنا الصعوبة التي واجهت الاتفاق المصري ــ الإسرائيلي حتى تم توقيعه وأن نتذكر أن هذا الاتفاق المصري ــ الإسرائيلي إنما دخل عامه السادس والثلاثين. وقد واجه خلال هذه المدة الطويلة صعوبات كثيرة. لكن هذه الصعوبات لم تنل منه، وبقى الهدف الأساسي منه، وهو استمرار العلاقات بين مصر وإسرائيل كما هي.

***

والأمر المؤكد أن توقيع الاتفاق الأمريكي ــ الإيراني يعزز الاتفاق المصري ــ الإسرائيلي على الرغم من بعد الشقة الجغرافية والسياسية بينهم؛ فقد كانت أمريكا ضامنة أساسية لاتفاق مصر وإسرائيل، كما أنها بقيت شديدة الاهتمام ببقائه مهما بلغت خطورة التطورات المحيطة به في منطقة الشرق الأوسط

وهنا ينشأ سؤال بالغ الأهمية بشأن تطور الأمور في الشرق الأوسط بعد توقيع الاتفاق الأمريكي ــ الإيراني، ولعل أكثر ما في هذا الشأن من أهمية يتعلق بتطور السياسة الإيرانية إزاء مشكلة الشرق الأوسط بعد توقيع الاتفاق بين أمريكا وإيران. وإذا تعلق هذا السؤال بمدى احتمال تأثير توقيع هذا الاتفاق الأخير على الصراع العربي ــ الإسرائيلي، فلابد أن نقف في حالة تروٍ بشأن ما إذا كان من الممكن وقوع حرب إسرائيلية ــ عربية في ظل وجود هذا الاتفاق بين أمريكا وإيران. 

وعلى الرغم من أن الاتفاق الأمريكي ــ الإيراني لا يتعلق مباشرة بتطورات الشرق الأوسط قدر ما يتعلق بتطور العلاقات الأمريكية ــ الإيرانية فإن مما لا شك فيه أن هذا الاتفاق يحدث تأثيرا غير محدود بشأن الحرب في الشرق الأوسط بين إسرائيل وأي من جيرانها العرب. إن منطقة الشرق الأوسط تدخل عهدا جديدا بعد توقيع الاتفاق الأمريكي ــ الإيراني يختلف اختلافا عميقا عما قبل توقيع هذا الاتفاق، ولعل هذا هو السبب الرئيسي في إصرار أمريكا على توقيعه مع إيران. وسيكون هذا هو السبب الرئيسي في استمرار تأثيره على السياسة الأمريكية تجاه إيران والسياسة الإيرانية تجاه أمريكا.

***
ألا يوحي كل ما قلناه عن هذا الاتفاق بأن أمريكا تبدأ به عهدا جديدا من العلاقات في الشرق الأوسط، وليس فقط عهدا جديدا من العلاقات مع إيران؟ نعم. وتعرف أمريكا هذه الحقيقة جيدا. ويبدو أن إيران تعرف هذه الحقيقة جيدا. كما يبدو أن إيران تدرك أن علاقاتها الجديدة مع أمريكا لها تأثيرها على سياستها في الشرق الأوسط.

إن عهدا جديدا في الشرق الأوسط قد بدأ ويبقى أن نتابع ردود الفعل إزاء هذا الاتفاق. ونعني ردود الفعل في المنطقة والعالم.

(عن الشروق المصرية)