كتاب عربي 21

خيارات تركيا في مواجهة دولة كردية في سوريا

1300x600
يبدو المشهد السياسي التركي في هذه الأيام ساخنا جدا، ليس فقط بسبب الانتخابات البرلمانية التي أجريت مؤخرا وما صدر عنها من نتائج، إضافة لسيناريوهات انتخاب رئيس البرلمان ومفاوضات تشكيل الحكومة، ولكن أيضا نتيجة للتطورات السريعة، والخطيرة في الشمال السوري على الحدود التركية.

فالمعارك الدائرة بين "قوات حماية الشعب الكردية" و"تنظيم الدولة الإسلامية" في كل من تل أبيض وعين العرب/كوباني قد أقلقت أنقرة من احتمال تفعيل خطة جاهزة لتأسيس دولة كردية في الشمال السوري بدعم دولي، سيما وأن المعارك قد بدأت بهجوم كردي على تنظيم الدولة في ظل حماية طائرات التحالف الدولي، ودون أن تكون أنقرة على علم بالأمر.

ثمة الكثير من التفاصيل التي أثارت قلق تركيا إضافة لعدم علمها بالهجوم وترتيباته، ومنها كونه جاء مباشرة بعد الانتخابات البرلمانية التي أدت إلى تراجع العدالة والتنمية وحالة من الفراغ والغموض النسبيين إزاء شكل وشرطاء الحكومة القادمة، وهو ما تنظر إليه تركيا بعين الريبة باعتباره قد يكون محاولة لفرض الأمر الواقع عليها. 

ذلك أن الأخيرة تدرك بما لديها من رؤية سياسية وقراءة لتطورات الأحداث، وحالة السيولة في المنطقة أن الحدود باتت رخوة جدا بما يغري عدة أطراف -منظمات ودولا - بمحاولة فرض الأمر الواقع بإنشاء دول جديدة أو القضم من أخرى، فلطالما حملت الأحداث التاريخية الكبرى - من أمثال التطورات منذ الربيع العربي- مفاجآت كبيرة وتغيرات مهمة، على رأسها الحدود ونظام العلاقات البينية في الإقليم، وهو ما نرى أصداءه في كل من العراق وسوريا على الأقل حتى الآن.

كما أن تقدير الموقف من قبل تركيا يتخوف من خطة أمريكية لاستبدال حلفائها في المنطقة، والاعتماد على دول ولاعبين محليين تتوافق معهم في الرؤية قدر الإمكان في كل من سوريا والعراق ويملكون نفس الأولوية، ومستعدون لمساعدتها في حربها ضد تنظيم الدولة، وهم إيران والفصائل الكردية المسلحة بديلا للحليف القديم تركيا.

هنا، يبدو تخوف أنقرة من تفعيل مشروع جاهز لتأسيس دولة كردية في محاذاة حدودها مبررا، وهو مشروع يعود إلى ما قبل معركة عين العرب/كوباني، وسيعني ضمن ما يعنيه تواصلا جغرافيا مع أكراد العراق، وتشجيعا ودعما لأكراد تركيا مما قد يقوض جهود أنقرة في عملية السلام الداخلية ويذكي مطالب الحكم الذاتي أو الإدارة المحلية في جنوب البلاد الشرقي ذي الأغلبية الكردية، الأمر الذي يعتبر خطا أحمر وفق مصالح الأمن القومي التركي، وهو ما يفسر تصريح أردوغان الحاد بأن تركيا "لن تسمح بإنشاء دولة على حدودها مهما كلفها الأمر". إضافة طبعا لما قد تشكله تلك الدولة المزمع إنشاؤها من عازل سياسي وجغرافي بين تركيا والدول العربية، ولما لذلك من مخاطر وتأثيرات استرايتيجية على التجربة التركية برمتها.

والحال كذلك، فقد بدأت تركيا منذ اللحظة الأولى دراسة خياراتها المتاحة إزاء هذه التطورات، وقد عجت وسائل الإعلام التركية بأحاديث عن تدخل تركي عسكري وشيك في الشمال السوري لمنع جهود إنشاء "الممر الكردي" ووأد فكرة الدولة الكردية، ووقف موجات كبيرة متوقعة من اللجوء لأراضيها، فضلا عن التهديدات الأمنية والعسكرية المباشرة وغير المباشرة عليها من الأطراف كافة.

وينتظر أن يتخذ القرار التركي بعد اجتماع مجلس الأمن القومي التركي اليوم في ظل الموازنات بين ثنائيات ثلاث: رغبة الحكومة واقتراحات الجيش، حملة كبيرة في مقابل تدخل محدود، والإمكانات المحلية في ظل الظروف الدولية.

ذلك أن ما رشح عن النقاش الدائر منذ أيام يرجح خيار الحكومة بتدخل سريع ومحدود لمنع الأمور من التدهور خصوصا وأن تفويض البرلمان للجيش للقيام بعملية عسكرية خارج حدود البلاد "متى لزم الأمر" ما زال قائما حتى شهر تشرين الأول/ أكتوبر القادم. بينما تفضل قيادات القوات المسلحة التريث لسبيين: الأول هو الانتخابات التركية التي أفرزت واقعا جديدا لم يتبلور بعد في أداء البرلمان الجديد أو في حكومة مشكــّلة، بينما ستتقاعد معظم القيادات العسكرية في اجتماع مجلس الشورى العسكري الوشيك، وبالتالي ترى هذه القيادات أن قرارا بتدخل عسكري هو من حق وواجب القيادات الجديدة القادمة في الحكومة والجيش.

ورغم أن الأمر بعيد جدا عن فكرة "صراع" حكومي – عسكري أو "تمرد" من الثاني على الأول كما ذهبت بعض التحليلات، إلا أن هذا الخلاف في الرأي يلقي بظلاله بلا شك على الوضع، ويقيد يد أنقرة في أي تدخل محتمل، سيما إذا ما أضيف له غياب الحماسة الأمريكية والدولية لمطالب تركيا بإقامة منطقة عازلة أو آمنة ومنظقة حظر للطيران. إذ لا تريد أنقرة أن تبادر بعمل فردي وأحادي قد يعود عليها باللوم واتهامات دعم الإرهاب الجاهزة، أو يتركها وحيدة في مواجهة المخاطر المتوقعة، ولذلك فقد قامت الدبلوماسية التركية (بما فيها الرئاسة ورئاسة الوزراء ووزارة الخارجية) في الساعات القليلة الفائتة باتصالات نشطة شملت كلا من الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة الأمريكية ومنظمة التعاون الإسلامي، وعددا آخر من الدول على رأسها إنجلترا.

من ناحية أخرى تدرك تركيا أن أي تدخل عسكري من جانبها محفوف بالمخاطر ويكاد يصل حد المقامرة، إذ ستدخل معركة - بطريقة مباشرة أو غير مباشرة - يحترب فيها خصومها من نظام الأسد لتنظيم الدولة وصولا إلى قوات حماية الشعب الكردية المحسوبة على حزب العمال الكردستاني، فضلا عن احتمالات التدخل الإيرانية والروسية، واتهامات دعم الإرهاب الغربية. إضافة لارتدادات هذا التدخل على الحدود وفي الداخل التركي، حيث يُقدر عدد الشبان الأتراك المنضمين لتنظيم الدولة بالآلاف، مما يؤكد فرضية وجود مؤيدين أو خلايا نائمة له في تركيا، إلى جانب التأييد الكردي الطاغي لوحدات الحماية.

وفي ظل هذه الرؤية الشاملة والمعقدة، فقد وضعت تركيا عدة سيناريوهات وفق تطورات الأحداث، على رأسها إنشاء "شريط أمني" بطول 110 كم على طول الحدود مع سوريا بين معبري كاراكاميش وأونجوبينار الحدوديين مع منطقة آمنة بعمق 30 كم داخل الأراضي السورية في بعض المناطق ذات الحساسية (وعلى رأسها جرابلس) لحماية الحدود ومنع تدفق موجات كبيرة من اللاجئين، بينما يمكن أن تجبرها موجة تطهير عرقي كبيرة في المنطقة على التدخل العسكري المباشر في العمق السوري.

في الخلاصة إذا، تبدو الخيارات التركية محدودة جدا في ظل تفاعل عدد من الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية، ويزيد من حذرها استشعارها بنوع من الاستهداف أو التجاهل على أقل تقدير، وهو ما يجعل أي تدخل عالي السقف مغامرة غير محسوبة واستدراجا لمستنقع لا يمكن الخروج منه بسهولة، فضلا عن تعارضه مع قناعات العدالة والتنمية بضرورة تجنب الصراعات الكبيرة والمباشرة. بينما يبقى احتمال التدخل الجزئي في حدوده الدنيا احتمالا قائما وفق تطور الأوضاع، سيما في حال حصلت أنقرة بنتيجة اتصالاتها الدبلوماسية على دعم أو ضوء أخضر أمريكي.