كتاب عربي 21

تزييف الوعي وخلط الأوراق بالتوظيف السيئ لـ"الإرهاب"

1300x600
متابعة القنوات الأمريكية خلال اليومين الماضيين خلال تغطيتها مذبحة كنيسة "سوث كرولاينا" التي راح ضحيتها 9 من السود بينهم نائب في الكونغرس، مفيد خاصة فيما يتعلق بتشخيص الظواهر الاجتماعية، حيث إن دوافع الجريمة عنصرية، فمنفذها من أنصار طهارة البيض وعلويتهم. ومن أجلى ما اتفق عليه المحللون هو أن ما وقع إرهاب مستوفٍ العناصر وهي:

- الدافع الأيديولوجي

- العنف والوحشية

- الرغبة في الترويع 

لكن المهم في اتجاه النقاش التساوق والبينة، فالاتفاق في التشخيص قام على حقائق وبيانات، ومن هنا وقع التوافق في التشخيص ومن ثم المعالجة.

وبالانتقال إلى الحالة الليبية فقد كان من أبرز عوامل تأزيم المشهد السياسي الليبي، هو التوظيف السيئ لمفاهيم وإصطلاحات ماتزال تحتاج إلى تحرير  فيما يتعلق بإسقاطاتها على الواقع.

لم يقع حوار ونقاش معمق ودقيق حول تحديد الإرهابيين بالبينة القطعية، وتم استخدام مصطلح "الإرهاب" بشكل متعمد وملتبس، مما أدى إلى تعقيد الوضع المأزوم وخلط الأوراق وقاد إلى تشويش كبير، وكان العامل الأبرز في الفوضى الأمنية التي تشهدها البلاد أو بعض مناطقها وأبرزها مدينة بنغازي.

وبالنظر إلى مجريات الأحداث خلال العام المنصرم فقد تكرر في بيانات وتصريحات الرسميين وغيرهم توجيه تهمة الإرهاب إلى كل من لم ينصاع لعملية الكرامة، وحمل السلاح ضد خليفة حفتر في شرق البلاد وغربها، برغم أن حفتر اعتبر خارج عن الدولة ووصف بالتمرد من السلطة الشرعية آنذاك، وذلك قبل انتخاب البرلمان. وكان من أكبر أخطاء البرلمان انحيازه إلى طرف سياسي من أطراف الصراع ثم إصداره بيانا يعتبر فيه الطرف الآخر إرهابيا، دون تمييز أو تحقيق أو تدقيق الأمر الذي آل إلى تكريس الانقسام والاقتراب من التقسيم.

من يؤيدون مجلس شورى ثوار بنغازي يعتبرون أن قتال المجلس لحفتر وتصديهم لعملية الكرامة له ما يبرره؛ كون خليفة حفتر مطلوبا للعدالة من الحكومة التي رأسها السيد عبدالله الثني، وكونه المبادر بالهجوم على كتائب بعضها معروف بالتزامه وانضباطه ودوره البناء في فرض الأمن والاستقرار، وفي مقدمتها سرية مالك التابعة لكتيبة عمر المختار التي كان لها مساهمتها المقدرة في تأمين مناطق في الجنوب خلال عامي 2013 و 2014.

المشكلة هو عدم تصدي النخبة المعنية بفك الاشتباك فيما يتعلق بخلط الشعارات والتوظيف السيئ للمفاهيم، خاصة مفهوم الإرهاب الذي قاد توظيفه السياسي إلى كارثة ما تزال تمتد في بنغازي.
تطورات الأحداث في الغرب الليبي ثم الحرب الأخيرة في درنة شوشت على التوظيف المتعمد للإرهاب، فجزء من قوة فجر ليبيا "الإرهابية" تواجه تنظيم الدولة "الماركة المسلجة للإرهاب" في سرت، ومجلس شورى مجاهدي درنة "الإرهابي" يحرر مدينة درنة من قبضة التنظيم نفسه الذي أصبح محليا ودوليا بؤرة الإرهاب، ويتعاون معه قطاع واسع من سكان المدينة ومن القبائل القاطنة في المدن والقرى المحيطة.

التقصي البسيط يكشف أن إلصاق تهمة الإرهاب بالخصم كانت مبرمجة وتأسست على ثلاث فرضيات هي: 

- قابلية للرأي العام للدعاية ضد الخصم الموسوم بالإرهاب

- استغلال أخطاء تورط فيها الخصم وسهلت استجابة الرأي العام لقبول الاتهام

- حالة الاستقطاب الحاد وتفشي البغضاء بين الأطراف المتصارعة، بحيث صار مجرد الاصطفاف في الجهة المقابلة يبرر اتهامه بأشنع التهم.

إن هذا التوظيف لا يمكن أن يكون في مصلحة الوطن ولا يمكن أن يخدم استقرار البلاد، ومن الضروري التعامل مع ملف الإرهاب بروية ومهنية وحكمة. ويكون ذلك من خلال التوافق على مفهوم الإرهاب وإسقاطاته على الواقع الليبي، وقد يكون من الصواب تنظيم مؤتمر أو ندوة أو ورشة عمل برعاية جهات محايدة، للتوصل إلى خلاصات فيما يتعلق بمعالجة الإرهاب في ليبيا، تكون هذه الخلاصات محل اتفاق الجميع وعلى أساسها يتم مواجهة الإرهاب بالوسائل كافة؛ من فكر وحوار وضغوط اجتماعية ثم القوة التي تكون محل اتفاق الجميع وليست قوة سياسية أو جهوية.