قضايا وآراء

كلاكيت ثاني مرة

1300x600
المشكلة الرئيسية في مصر هي أن أحدا لا يستوعب القانون الشهير الذى يقول إن البدايات المتشابهة تؤدى إلى نهايات متشابهة إذا توافرت نفس الظروف. ورغم هذا فهناك من يصمم أن يقوم بنفس الأفعال وينتظر نتائج مختلفة فهناك من يعدنا بأن يقوم بقفزات اقتصادية وحضارية هائلة تنقذ مصر من مستنقع الفقر والبطالة رغم أنه يستخدم نفس الوسائل والأساليب التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسنى مبارك الذى قامت ضده ثورة شعبية. فالرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي أتى أيضا من المؤسسة العسكرية مثل مبارك بل إنه أعلن ترشحه للرئاسة وهو يرتدي الملابس العسكرية على عكس مبارك الذى قضى عدة سنوات في منصب نائب الرئيس.

والشرطة في عهد السيسي تتعامل بنفس الأسلوب الذى كانت عليه في عهد مبارك بل زادت جرعة التعذيب وتلفيق التهم والقتل خارج إطار القانون إلى مرحلة غير مسبوقة في تاريخ مصر فمن قتلى التعذيب في عهد مبارك خالد سعيد وسيد بلال إلى قتلى الرصاص الحى في الشوارع إسلام عطية وشيماء الصباغ ومن التنصت على السياسيين سرا إلى إذاعة مكالماتهم الشخصية على القنوات الفضائية ومن قرارات الاعتقال إلى أحكام الإعدام بالمئات.. مازالت نفس امتيازات القوات المسلحة وتدخلها في النشاط الاقتصادي كما هي ومازالت الرقابة على أموالها من الجهاز المركزي للمحاسبات والبرلمان خط أحمر بل تعدى الأمر إلى أن أصبح منصب وزير الدفاع -الذى هو في الأساس غير منتخب- محصنا من الإقالة إلا بعد موافقة باقي أعضاء المجلس العسكري -الذين يختارهم هو شخصيا- ومازال اللواءات المتقاعدون يستحوذون على النصيب الأكبر من مناصب المحافظين ورؤساء الهيئات ومجالس المدن وكأن ثورة لم تحدث وكأن أحدا لا يريد تغييرا.

أما عن مجال حرية التعبير فالتضييق عليه قد جاوز مبارك بكثير الذى كان قد سمح في أواخر عهده بنافذة صغيرة للنقد بشرط أن تكون موجهة للوزراء فقط أما هو شخصيا فممنوع انتقاده لكن في عهد السيسي تم إغلاق عدد من القنوات الفضائية بدون أحكام قضائية وفى وقت غير مطبق فيه قانون الطوارئ وتم منع جريدة الشعب وإلقاء القبض على رئيس تحريرها ومصادرة عددين من جريدة الوطن أحدهما كان يتكلم عن الذمة المالية للسيسي والآخر كان يتكلم عن الهيئات والجهات التي هي أقوى من السيسي أما عن مطاردة الصحفيين أنفسهم فيكفى أن نعرف أن هناك ما يزيد عن الستين صحفي يقبعون خلف الأسوار وهو أكبر عدد من الصحفيين في السجون في تاريخ مصر باختصار فالسيسي لا يريد إلا المؤيدين له بل تجاوز الأمر إلى تخوين المعارضين والرافضين لسياساته لدرجة دفعت المذيع تامر أمين للقول بأن من يعارض السيسي فهو ضد مصر وهكذا تم اختصار تاريخ مصر كلها في شخص واحد لم يكن أحد يعرفه لا اسما ولا وصفا منذ ثلاثة سنوات ولكن كل هذا فقط لأنه هو الرئيس العسكري صاحب الشرعية المسلحة كما قال أحد ضباط الجيش لتلاميذ إحدى المدارس بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسى.

أما على صعيد الحياة السياسية فقد كان مبارك يتظاهر بأن مصر تدار بنظام ديموقراطي بينما ظل هو وحزبه الحاكم على رأس السلطة ما يزيد عن الثلاثين عاما بدون أن يكون هناك أي تداول سلمى للسلطة وكان البرلمان تابعا للحزب الحاكم ويسيطر على غالبية مقاعده عن طريق التزوير والتلاعب بنتائج الانتخابات أما في عهد السيسي فقد تقرر إلغاء البرلمان من الأساس وتأجيله إلى أجل غير مسمى رغم أن الدستور ينص على وجوب الالتزام بإجراء الانتخابات البرلمانية في مدة لا تزيد عن ستة أشهر من إقراره والعمل به وها قد تجاوزنا العام ونصف العام على إقرار الدستور ومازال البرلمان في غياهب المجهول.

أما عن الفقراء فقد كانت الكلمة الشهيرة لمبارك هي أنه ينحاز إليهم ويعمل على رفع مستوى معيشتهم بينما الواقع كان عكس ذلك فقد كان منحازا لرجال الأعمال ويحمى مصالحهم مما جعل ثرواتهم تتضاعف في أزمنة وجيزة جعلت في مصر ثمانية من أغنى أغنياء العالم بينما أكثر من أربعين بالمائة من الشعب المصري يقع تحت خط الفقر أما عن السيسي فهو لا يتجمل مثل مبارك ولا يتظاهر بأنه منحاز للفقراء بل يقولها صراحة أنه ضد دعم الفقراء وبمجرد تسلمه السلطة رسميا قام بإلغاء جزء من الدعم بدون أن يسبقه رفع مستوى معيشة المواطن وهناك تصريح لوزير التجارة منير فخرى عبد النور يبشر المصريين بأن هناك قرارات صعبة في الطريق إليهم برفع مزيد من الدعم لترتفع أسعار السلع الأساسية بشكل يعجز الفقراء عن تحملها وفى نفس الوقت يتم إلغاء مليارات الجنيهات من الضرائب كان مقررا أن يدفعها الملياردير أنسى ساويرس ويتم تخفيض غرامة احتكار الحديد لأحمد عز من مائة مليون جنية إلى عشرة ملايين جنية في تحدى صارخ لغالبية الشعب الذى يعانى من الفقر والبطالة وانخفاض مستوى المعيشة.

أما عن الملف الاقتصادي فقد انتهج مبارك سياسة الخصخصة وبيع ممتلكات القطاع العام بأبخس الأسعار بعد أن تدخل الوسطاء ليحصلوا على عمولات أضاعت على الدولة مليارات الجنيهات وتسببت في إهدار حقوق آلاف العمال وكان يصاحب هذا وعود زائفة بالرخاء وتجاوز عنق الزجاجة ومطالبة المصريين بالصبر حتى تتحقق نتائج الإصلاحات الاقتصادية أما في عهد السيسي فقد اعتمد الاقتصاد بشكل أساسي على المعونات الخارجية من الدول العربية والتي تجاوزت الثلاثين مليار دولار على أقل تقدير بدون أن يتم الكشف عن مصيرها وتزامن مع هذا الإعلان عن عدد من المشروعات التي اتضح بعد هذا أنه لا وجود لها على أرض الواقع مثل مشروع إنشاء المليون وحدة سكنية الذى تم إسناده لشركة إماراتية بالأمر المباشر ومثل مشروع استصلاح المليون فدان ومشروع سيارات نقل الخضار التي كانت أحد حلول مشكلة البطالة في برنامج الرئيس الانتخابي ومع رصد زيادة الأسعار وارتفاع شكوى المواطنين لجأ بعض مقدمي برامج التوك شوك إلى أغرب شيء يمكن فعله وهو مطالبة المصريين بالهجرة وترك مصر قائلين لهم أن الحكومة غير قادرة على إطعامهم أو توفير وظائف لهم كما قال المذيع عمرو أديب وهكذا تحول المبدأ الذى تم تطبيقه مع الرئيس السابق محمد مرسى من إذا لم تستطيع إصلاح البلد يجب أن ترحل إلى إذا لم تستطع إصلاح البلد فليرحل الشعب بدون أن يخبرونا إلى أين نرحل وأي مكان في العالم هذا الذى يستطيع استيعاب ملايين المصريين الغير قادرين على تحمل أعباء سياسة طحن الفقراء التي ينتهجها الرئيس السيسي.

ثم بعد كل هذا يوجد من يعلق آمالا زائفة على تحسن أحوال البلد ويوجد من يعتقد أن مصر تستيقظ من سباتها الطويل ويوجد من يعتقد أن الثورة قضت على الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان وتكميم الأفواه بينما نحن في الحقيقة مازلنا واقفين على حافة البركان ومازال المشهد ملبدا بغيوم الغضب ومشاعر الحقد والكراهية بعد ضياع حقوق مئات الشهداء وبعد تهجير أهل سيناء مما يؤهلها بجدارة لكى تنفجر في وجوهنا جميعا مهددة بفناء هذا البلد وإعادته إلى مرحلة ما قبل التاريخ حيث لا دولة ولا قانون ولا نظام...ولا مواطن.