قضايا وآراء

غزلية إلى "ثورية" ليست هنا !

1300x600
بعثر كل محتويات روحه على باب المطار، ما ختم له ضابط الخروج جواز السفر، وإنما على قلبه وضع أرطالاً من حبر أزرق موقعة باسم مدينة ذاب فيها حتى لم يعد له من ملجأ منها إلا إليها، ما درى أنه بخانات اليوم والتاريخ والساعة والثانية يلغي تاريخ ميلاده، يغتال الأمس منه، ولا يبقي على الغد، نظر إليه.. فخيل للناظر أن العينين لا يجد البصر فيهما، تلك بلده عليه أن يغادره بفعل ظلم طائفة كبرى منها، يغادر بلده لأنه أحبها، يخرج خائفاً يترقب.. مجرد المصير لا يعرفه، ضاعتْ منه عناوين بيوتات طاف بها، وقلوب أحباب كان يراها قبل العنوان وبعده.. على باب الطائرة ودع أمنيات ومحبين وعمرا ووهما.. ودفء بلد طالما قادته خطواته إليه في الغربة، ومكان إقامة ما وجد فيه راحة لأيام.. وخطا نحو السفر من جديد..

أعادتْ عيناها عناوين التيّه إلى قلبه، وجعلت من رحلة سفره رحلات دائمة، وكان يعيب على أصدقاء وزملاء محبتهم في سن الأربعين. وكم قال لهم:
   
ـ وهل من وقت لورقة الشجرة أن تهوي.. وبينها وبين استمرار الحياة هنيهات؟                                                                              
كم قالوا له:                                                                                                                                                      
ـ حب المُودع، يا هذا، أجمل أنواع الحب.. تلك التي تهواها ولا تجد في العمر لحظة كافية لكي تتخيل أن يجمعكما سقف واحد، المحبوبة التي لا تجدها كامرأة بل خيالاً يعيد ترتيب المستحيلات العربية القديمة.. تجعل مكاناً جديداً لمستحيل جديد.. المرأة الحبيبة الأم التي ما تحوجك لثورة الجسد، تستبعد من بين عينيك نظرة التراب لعشق الطين. تلك صاحبة موعد وزمان ألذ وأجمل مدى تجده في الحياة!    
                                                     
طوابع سفر البريد بمشاعر الحب المختلطة بالألم كانت تسافر.. تهرق حنايا الروح في استجداء.. شحاتة مشاعر الائتلاف والشعور بالغرباء، فيما المحنة كانت تكسر ظهر الجميع.. وتجعل قلوباً تتفكك عن أعماقها، وأهداباً أحبتْ تود أن تتبرأ من ضوء العينين لا من محبيها..

ولأنه عاب من أحبُّوا في التيّه، وأرادوا العودة إلى أرض وأوطان وبلاد وغرف عمل وتواريخ نضال ومجاهل مغامرات عفيفة، فقد ابتلي..  

جاءها وندى الصباح يقطر على فمه، في صحراء عاصفتها مريعة استكان عند أبواب عناقيد عنب تسري في ضوء البصر، ارتحل إلى قاع بؤبؤ جوف أعماق مغادرة، وطن إنه ألفى الموقع المرتقب من الحياة..                                                                                                
أراد لها أن تلمس بأدق مسامها أقسى شتات متاهاته.. وانفراجة زمان ضنتْ المقادير بها عليه، وشارعا برقم عقار ظن أنه على بابه يلقي عنه ثياب غربته، ويستعيد ألوان مقادير عصفت به لانحيازه إلى فئة أحب مبادئها، وخاصم أخطاءها.. قادته إلى أعماق مراجعة ذات وأخطاء، وإثبات أننا نلبس الحياة ليل سوء التقدير والتفسير، ثم ندعي أننا برب العزة موصولون، بكى في ظلمة الليل كيوم ارتحل عنه أبوه إلى ديار لا يعود الذاهب إليها، وراجع عناوين البلايا، وامتزاج الواقع بترهات البشر، ومتاهة علاء الدين لما امتطى بساطه السحري في أعماق البحار، وظن أنه يغوص في فضاء السماء.. بل ردد على أذني نفسه بقربها: لم أكن من جناتها شهد الله.. وإني بحرها اليوم صال..                                                                       
 أراد القول إنه كم ندد باستعجال الوصول إلى السلطة مبكرا فما سمع أحد له، وإن شقي بأوهام الجمع من الفريق.. فما ألتأم له جفن طوال عام، بل رأى عمره مبعثراً لا يعلو شبراً واحداً عن الارض.. وحالة سبات عميق لمن دخلوا من أبواب "قصر الحكم" على خطأ .. من دخل خطأ أفلا يحسن الانتظار به في الجلوس .. او العمل .. أو فلينتظر الخروج.. قال فما استمع إليه أحد .. ولإنه ظن إن المحنة جمعته وجمعتها.. أراد الغناء عند المدى من حولها .. وحيز تشغله، ظن إن الدهر في البلايا يلبس مآسينا ثوباً حسناً، وكان الأخير بريئاً من مآس نستثمرها على هيئة أناس يسيئون إلينا قبلها ..                           
أتى بأنشودة عجيبة من حب إقامة في أماكن جديدة لم تكن تخطر على بال لها، أراد اصطحاب روحها في نزهة شائكة إلى حدود لها من أخطاء وخطايا البشر إلا حد البشرية فقط، وإدراكهم إنهم مخلقون بطينة من القصور والخطا تكفيهم، فلا داع للخطو إلى الخطوب بخطى واثقة، أسكنها البطين الأيمن منه، عند حدود محطة قطار رئيسية في مدينة تعج بالخلق لكن لها قلب، لما يضيق الخطب بهما.. في ثانية يطرقان باب المغادرة إلى عربة القطار الأخيرة، أسكنها قلب بناية تعمل على جمع وصف جريدة لا تروي عن الحياة إلا ما ينبغي أن يُقالُ.. بلا مزايدة أو تجميل رتوش، أسكنها كشكاً صغيراً لبيع الزهور، متسع للزراعة والجني وتضميد الجراح، به مكان محدود لعلاج المحبين قبل إهدائهم الورود لمحبيهم، كانت من تعقد الباقات، وتسير بنضارة قلبها إلى زنزانة كل بنت محبوسة، تردي السجان والسلمية ولا تدفع البلدان، التي كانت مغيبة عربية، إلى مزالق الانخراط في الحروب الأهلية، كانت تعمل إلى جواره في اعتصام منسقة ميدانية لا تضمد الجراح بل تجرح القناص، كانت في قسم الشرطة في الموصل كما في بغداد أو في رام الله أو المنيا وصفاقس، لا تسمح بتحرير محضر مزيف يقتل بريئاً ويحاكم قاتلاً، وكانت في القصر ظلاً يغتال الظل، وقمراً يشع بروح العدل، وشمساً لا ترحم آفاقاً أو كاذباً، وكانت في الكتب مناهج لا تدع طالباً يهرب من فصل، او معلم يقسو على فتاة صغيرة، كانت تأمره وتنهاه أن يهبها "شطيرة" قبل أن يسألها عن مسألة علمية، كانت في دولاب الدولة.. دولة تطبق روح الدولة.. ولا تعفي رئيساً أو وزيراً خائناً.. أياً ما كان اسمه ورسمه وعنوان خياناته، لا تترك وزير فصيل سياسي يفر بتقصيره، كانت محبوبة البلاد تسري في دهاليزها، تناقش في جامعاتها مفهوم الإسلامية زيف المصطلح ..وشفافية تطبيقه، كانت تقيم في المدى من حول بلاده .. وبلاداً تسعى نحو المجد، في كل بقعة من أرجائها كانت تشاركه الحلم ومبادىء تنفيذه ..    
                                                
كان يراها.. عانى لما اكتشف إنها من نساء الأرض واحدة.. أو أحبته "فتاة الحلم".. وخالفت ظنه في النساء؟  
                                              
وما جدوى ان تحبه على هوى البشر .. وتترك القاهرة ودمشق تعانيان فضلاً عن بغداد وصنعاء؟                                                       
أحبها صورة ملون لوطن وأمة على التوالي ..                                                                                                           
وكانت صورة لنفسها في مرآة واقع مر..