قضايا وآراء

الإعلام الانقلابي "يترنح" مع نضوب"الرز"

1300x600
صار الفعل "يترنح" مثارا للسخرية لدى الكثيرين في مصر كونه ارتبط بالانقلاب العسكري الذي يراه البعض " يترنح" بينما يراه  آخرون يترسخ، ولكن بغض النظر عن السخرية من هذا الفعل في مجال وصف سلطة الانقلاب حاليا، فإن الفعل يصدق بدرجة كبيرة، ولا أظنه محلا للسسخرية حين نطلقه على وضع الإعلام الداعم للانقلاب في مصر، فهذا الإعلام يترنح بالفعل رغم استمرار صوته العالي، فهو كما يقول المثل المصري " من بره هالله هالله ومن جوه يعلم الله" أي أن ظاهره يختلف عن باطنه.

أحشاء الإعلام الانقلابي بدأت تظهر على قوارع الطرق، وفي ساحات المحاكم، وفي صالات المقاهي، مع السيل المنهمر من عمليات تصفية العمالة، نتيجة تأزم الأوضاع المالية للقنوات والصحف سواء المملوكة للدولة أو لرجال الأعمال أو حتى للأحزاب.

خذ عندك مثلا مجموعة سي بي سي التي كان ينظر إليها باعتبارها درة الإعلام الخاص في مصر، من حيث احتضانها لألمع وأغلى المذيعين والمذيعات والمعدين والمعدات، التي كانت الرواتب فيها أضعاف غيرها من القنوات، وإذ بها بين عشية وضحاها تعلن عن فصل أكثر من 170 من مذيعيها ومعديها ومحرريها وفنييها، الذين تحركوا دفاعا عن "لقمة عيشهم"  للتظاهر أمام نقابة الصحفيين مطالبين السلطات بالتدخل لإنقاذهم، كما سجلوا شكاوى رسمية في مكاتب العمل وبعض المحاكم، هذه المجموعة الإعلامية  الضخمة التي يمتلكها رجل الأعمال الداعم بقوة للانقلاب محمد الأمين، الذي هبط على سماء الإعلام ببارشوت عقب ثورة يناير دون أن يعرف أحد مصدر أمواله، لم يقتصر "ترنحها" على فصل هذا العدد الكبير، بل إنها سارعت بإغلاق إحدى القنوات، وهي سي بي سي 2 وأوقفت بعض البرامج المكلفة، وخفضت رواتب الصحفيين بنسبة 15% في جريدة الوطن التابعة للأمين أيضا، التي يرأس تحريرها مجدي الجلاد صاحب أكبر أجر بين رؤساء التحرير، مع تسريح عدد لاباس به أيضا من الصحفيين، ووصل الحال مؤخرا إلى الحديث عن عرض الأمين لأسهمه في المجموعة لمستثمر كويتي، ورغم أن الأمين نفى ذلك في بيان له، إلا أن الخبر يتردد بقوة في جنبات مدينة الإنتاج الإعلامي، التي تحتضن مجموعة قنواته وغيرها من القنوات الخاصة.

ما حدث في مجموعة سي بي سي تكرر في قنوات أخرى، فقد سبقتها المحور إلى إغلاق قناة المحور2، والمحور دراما، كما أغلقت مجموعة الحياة قناة الحياة سينما، مع توقعات بإغلاق قناتي الحياة مسلسلات والحياة 2 أيضا، بينما تخلصت قناة أون تي في التي يمتلكها رجل الأعمال نجيب ساويرس من ثلث العمالة بها، وتسببت الضائقة الاقتصادية في توقف قناة النهار عن صرف رواتب بعض العاملين فيها منذ 3 شهور.

حالة الترنح سيطرت أيضا على الصحافة الخاصة وحتى الحكومية، فطوابير المفصولين تتزايد يوميا، وتمثل عبئا ضخما على نقابة الصحفيين التي يعتقد البعض أنها ملزمة بتشغيل هؤلاء الصحفيين العاطلين، الذين اعتصموا لشهور طويلة بداخلها وبداخل مكاتب المجلس الأعلى للصحافة طلبا للإنقاذ، وهو مالا تستطيع النقابة أو المجلس فعله في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد بشكل عام.

لم يكن ماسبيرو (التليفزيون الرسمي للدولة ) بقنواته الـ27 وإذاعاته الـ 16 بعيدا عن هذه الأزمة، بل هو أول من عانى منها، بسبب تخمته العددية التي تجاوت 43 ألف موظف، وتخمته بالقنوات والإذاعات والقطاعات والإدارات، وميزانيته السنوية التي تبلغ 3.6 مليار جنيه، وهو أمر لم تعد الدولة تحتمله رغم احتياج السلطة العسكرية الحاكمة  الشديد لهذه القنوات، التي تعتبرها بمنزلة أحد جيوشها الميدانية، من هنا تجري الآن عمليات تقييم ودراسات فنية ومحاسبية لإعادة هيكلة ماسبيرو، بهدف خفض هذه الأعداد الكبيرة للعاملين، وخفض النفقات الضخمة التي لايقابلها إيرادات معقولة، وتناقلت الصحافة المصرية مؤخرا ملامح الخطة المبدئية لهيكلة اتحاد الإذاعة والتليفزيون التي تناقشها وزارة التخطيط حاليا، وتضمنت خفض القطاعات من 12 إلى 4 فقط، مع تكهنات بتصفية كبرى للعمالة بحدود الثلثين على مدى السنوات الأربع المقبلة، وهو ما أثار حالة من الهلع بين العاملين في ماسبيرو.

أما السبب وراء هذا الترنح لإعلام الانقلاب، فهو ندرة الموارد سواء من الدولة التي تعاني ميزانيتها من عجز مزمن يتصاعد سنويا، ويغل يدها عن تقديم المزيد من المساعدة لوسائل الإعلام التابعة لها، أو التي تناصرها، أو التراجع المريع لعوائد الإعلانات التي تعتمد عليها عادة وسائل الإعلام في تمويلاتها، أما السبب الأهم من وجهة نظري فهو "نضوب الرز" وأقصد به التمويلات الخليجية التي ضخت بشكل كثيف بعد ثورة يناير لمواجهة هذه الثورة، والتي بنت امبراطوريات إعلامية تترنح حاليا،  وهذا النضوب التمويلي الخليجيي مرده عدة أسباب، أولها تراجع عوائد النفط بنسبة 50% بسبب انخفاض أسعاره عالميا، مع اكتشاف بدائل جديدة، وتراجع أهمية هذه القنوات بالنسبة للممولين الذين يعتبرونها أدت مهمتها ولم يعودوا بحاجة إليها، وأخيرا لانشغال هؤلاء الممولين بأنفسهم وبحروبهم وبأمنهم القومي، مما يصرفهم ولو نسبيا عن دعم الآخرين.

لقد وفرت حالة الحرية السياسية والإعلامية التي تمتعت بها مصر عقب ثورة 25 يناير، وخلال فترة حكم الرئيس مرسي مناخا جاذبا للاستثمار الإعلامي، ومنحت وسائل الإعلام المصرية قبلة الحياة، ودفعت المشاهدين والقراء للإنفاق على متابعتها وشرائها، ولكن غياب الحرية، وتحول هذه القنوات والصحف إلى مجرد أبواق للسلطة القائمة وأذرع لها، جعل المشاهدين والقراء ينصرفون عنها، ويكتفون بالقليل منها، وهو ما انعكس سلبا عليها، وحولها إلى مجرد أغصان ذابلة ستتساقط الواحدة تلو الأخرى.