قضايا وآراء

باكستان.. الحديقة الخلفية التي تفوح من أزهارها رائحة الغاز الإيراني

1300x600
لم تغفل المملكة العربية السعودية عند اتخاذها قرار التدخل العسكري في اليمن عبر عملية عاصفة الحزم وتشكيلها للتحالف الذي سيشاركها في هذه العملية لم تغفل عن إشراك حلفاء من خارج المنظومة العربية مثل باكستان وذلك لإضفاء مزيد من الشرعية وإعطاء بعد إسلامي "سني" على حربها ضد ميليشيات الحوثي المدعومة إيرانياً والساعية للسيطرة على مفاصل الدولة اليمنية تحت غطاء الثورة الشعبية التي أسقطت نظام الرئيس علي عبد الله صالح ، يعود تاريخ العلاقات السعودية الباكستانية إلى بدايات تأسيس المملكة حيث قدمت باكستان خبرتها العسكرية لتدريب الجيش الناشئ كما كان للطيارين الباكستانيين دور في تأسيس سلاح الجو الملكي السعودي واستمرت هذه العلاقة بالتطور منذ عهد الجنرال ضياء الحق مرورا بالجنرال برويز مشرف انتهاء برئيس الوزراء الحالي نواز شريف والذي تربطه علاقة خاصة بالمملكة العربية السعودية حيث لجأ إليها وعاش فيها سنوات منفاه بعد انقلاب الجنرال مشرف على حكومته عام 1999 وحتى عودته لباكستان عام 2007 ، لقد استشعرت المملكة مبكرا التهديد النووي الإيراني لمنطقة الخليج فعمدت إلى تقديم الدعم للبرنامج النووي الباكستاني لفرض نوع من التوازن كون باكستان جزء من المعسكر السني وظهر ذلك جليا عندما قام الأمير سلطان بن عبد العزيز في أواخر تسعينيات القرن الماضي والذي كان يشغل منصب وزير الدفاع  بزيارة إلى أحد معامل تخصيب اليورانيوم في مدينة كاهوتا الباكستانية تلك الزيارة التي أعقبها بأسابيع قليلة زيارة العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان إلى الرياض كما أن هناك اتفاقية تعاون استراتيجي تربط البلدين تم تجديدها أوائل عام 2014 بعد الزيارة التي قام بها الملك سلمان إلى إسلام آباد حين كان يشغل منصب ولي العهد.

وعلى الطرف المقابل لا نستطيع أن نقلل من أهمية العلاقات التي تربط باكستان بجارتها إيران والتي تمتد إلى ما قبل قيام ثورة الخميني 1979 فإيران زمن الشاه كانت في مقدمة الدول التي اعترفت بقيام باكستان بعد انفصالها عن الهند 1947 وعملت على تقديم الدعم اللوجستي لها في حربها ضد الهند كما انخرط البلدان في حلف سانتو (بغداد سابقا) الموالي للغرب وذلك لوقف المد الشيوعي في المنطقة وعملت ايران الشاه على تزويد باكستان بالنفط والغاز بأسعار تشجيعية ، ولعل عام 1979 كان نقطة تحول في مستوى العلاقات بين البلدين فقد شهد هذا العام حدثين كان لهما الدور الكبير في توتر علاقة البلدين وهما قيام ثورة الخميني في إيران واحتلال الاتحاد السوفييتي لأفغانستان الأمر الذي جعل كلا من البلدين يصطف مع المعسكر المعادي للآخر فكانت باكستان في المعسكر العربي الأمريكي الرافض للوجود السوفييتي في المنطقة ، كما أن تولي حركة طالبان الحكم في أفغانستان بعد الانسحاب السوفييتي عمق الخلاف بين البلدين فالأخيرة تعتبر إيران دولة معادية كونها دولة شيعية وتقدم الدعم للحركات المناهضة لطالبان كتحالف الشمال والطاجيك كونهم يتبعون المذهب الشيعي فيما كانت طالبان تتلقى الدعم من بعض الأطراف الباكستانية.

أما فيما يخص العلاقات التجارية والاقتصادية فحجم التبادل التجاري بين البلدين لم يتجاوز النصف مليار دولار على الرغم من وجود الكثير من الاتفاقيات الموقعة بين البلدين ولعل المشروع الاقتصادي الأهم بين البلدين هو مشروع خط أنابيب الغاز الذي يربط حقل "بارس"  في جنوب غرب إيران  بمنطقة "نواب شاه" بالقرب من كراتشي على الساحل الجنوبي الشرقي لباكستان ماراً بأراضي ولايتي السند وبلوشستان الباكستانيتين، الذي سمي "مشروع السلام"، بطول يبلغ 2000 كلم وتقدر كلفته الإجمالية بـ7.5 مليار دولار، وقد تم إنجاز مد الأنبوب في الجانب الإيراني بطول 1220 كيلو مترا، بينما يبلغ طول أنبوب الغاز في الأراضي الباكستانية 780 كيلو مترا، والذي كان من المقرر له أن يتم إنجازه خلال عامين  حيث توفر إيران نحو 21.5 مليون متر مكعب من الغاز يوميا إلى باكستان لمدة 25 عاما بداية من ديسمبر 2014، لتتمكن باكستان من توليد نحو 3000 - 4000 ميجاوات من الكهرباء، ولكن العقوبات الأمريكية على إيران حالت دون استكمال المشروع من قبل الجانب الباكستاني.

لعل العوامل السابقة التي ذكرتها كانت الدافع الأكبر وراء قرار البرلمان الباكستاني بالتزام مبدأ الحياد فيما يخص الحرب الدائرة في اليمن مما يعني عدم التدخل العسكري والذي كانت تعول عليه السعودية أملا كبيرا وخاصة على مستوى العمليات البرية فحسابات الربح والخسارة السياسية والاقتصادية كانت حاضرة في نقاشات البرلمان الباكستاني التي دامت لخمسة أيام فإيران وفي حال استكمالها للاتفاق حول ملفها النووي مع الدول الغربية ستصبح عضوا جديدا في النادي النووي الذي سبقته إليه باكستان كما أن باكستان تعلم قدرة إيران على إثارة القلاقل الطائفية في الداخل الباكستاني وقد رأت نماذج عن تدخلات إيران في بعض الدول من بوابة الدفاع عن العتبات المقدسة  ناهيك عن المكاسب الاقتصادية التي ستحصل عليها باكستان من خلال الاستثمارات المشتركة مع إيران في حال رفع العقوبات الغربية عنها والذي سيكون لها الأثر الكبير على نمو الاقتصاد الباكستاني وذلك للقرب الجغرافي مع إيران.

والسؤال المطروح هنا: هل من خطط بديلة لدى التحالف العشري فيما يخص التدخل البري ومن سيكلف بهذه المهمة بعد انسحاب باكستان؟ هذا ما ستظهره الأيام القادمة..