قضايا وآراء

فوز نتنياهو ما بين عباس وحماس

1300x600
فوز نتنياهو بهذه النسبة صدم التوقعات المنشورة والاستطلاعات السابقة، وأعتقد أن نتنياهو نفسه تفاجأ بالنتيجة، ولم يكن يتوقعها، هذا الفوز الليكودي دليل تطرف الإسرائيليين وعنادهم في الوقت ذاته، فنتنياهو لم يواجه هارتصوغ وليفني وحدهما، بل كان معهم الإعلام والنخب الصهيونية، بالإضافة للإدارة الأمريكية برئاسة أوباما وكيري، حتى الرئيس عباس تمنى في صلاته وسكناته خسارة نتنياهو، وحاول بشكل كاريكاتيري إرسال رسائل للناخبين للتأثير عليهم لصالح المعسكر الصهيوني، فجاءت بنتيجة عكسية.

نتنياهو لا يتمتع بصفات الزعامة، إلا أن خلو الساحة الإسرائيلية من قيادات مؤثرة ساعد في استمرار انتخابه وتزعمه، فهو يجبن على اتخاذ قرارات جريئة، ويعمل على إبقاء الحال على ما هو عليه وتجنب التصادم، ويعدّ استمراره في رئاسة الحكومة أطول فترة ممكنة غاية كبرى وأولوية، لهذا يكثر من الحسابات، ويتصف بالتردد وعدم الإقدام على اتخاذ قرارات مصيرية كبرى، فهو يسعى لمجد شخصي دون تحمل تبعات سياسية، وهو استعراضي يجيد التمثيل، تندر عليه شارون مرارا بأنه "لا يجيد السياسة، ومكانه الطبيعي عارض أزياء".

ما يقلق الرئيس عباس استمرار نتنياهو رفضه لمشروع الدولتين بشكل علني وعملي، فتتمثل سياسة نتنياهو في تقزيم سلطة الضفة من كيان سياسي فعال لوظيفي أمني، مقابل رفاه اقتصادي مرتبط بالاحتلال، لهذا يستمر في الاستيطان وتهويد القدس وابتلاع الأراضي، مقابل مد السلطة بأموال المقاصة شهريا.

يدرك الرئيس عباس ضعف سيطرته أمام ضباط الأمن في محافظات الضفة المتواصلين مباشرة مع مخابرات دولية وإقليمية مترابطة ومنسجمة مع فكر وسياسات الأمن الإسرائيلي، لهذا التلويح المتكرر بوقف التنسيق الأمني مناورة مكشوفة للعب في ساحة الانتخابات الإسرائيلية.

أضحت خيارات الرئيس اليوم محصورة في الاستسلام الكامل مع فكر نتنياهو، أو مصالحة حقيقية مع حركة حماس، أو ترك السلطة وإحداث حالة فراغ يربك المشهد بشكل انقلابي، ومن المعروف أن عقلية أبي مازن وتركيبته النفسية والعائلية وسلوكه السابق وطريقته في التعامل مع المتغيرات وحساباته المتداخلة تمنعه من الخيار الأخير.

أما عن غزة فقد، قاد نتنياهو مضطرا حربين ضد حماس، وأعتقد أنه لا يفكر بتكرار التجربة في الوقت القريب، كما أن حماس معنية بهدوء ممتد، بشرط رفع الحصار أو تخفيفه على أقل تقدير، نتنياهو قدم عروضا سياسية في السر والعلن، يشترط فيها عزل الضفة الغربية عن أي تفاهمات لترتيب وتخفيف حصار غزة، رفضتها حماس، وفضلت الاستمرار في المصالحة على علاتها لضمان تماسك الكيانية الفلسطينية.

يُفضل نتنياهو بمكر التعامل المزدوج مع طرفي الانقسام الفلسطيني، لا يقبل بمصالحة، ولا يقبل أيضا بسيطرة طرف على طرف، وإبقاء الحالة الراهنة على ما هي عليه تتوافق ومشروعه القائم على التعامل المجزأ مع الضفة من جهة، رفاه اقتصادي مع تنسيق أمني، وغزة من جهة أخرى، بتشديد الحصار، ومحاولة تعزيز عزلتها السياسية.

لهذا، مواجهة نتنياهو تكون عبر تنفيذ بنود المصالحة بشكل حقيقي، على أن يسارع عباس بتشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركة حماس والفصائل، ويسمح للتشريعي بأخذ دوره، مع المضي قدما بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وفي حال توفرت النية الحقيقة من قبل الرئيس عباس لتطبيق المصالحة وإجراء الانتخابات، سيجد اليوم مناخا عربيا وإقليميا مهيأً وداعما، كما سيحظى بتساهل أمريكي، وهذه الخطوات ستوفر له انسحابا آمنا ولائقا من المشهد السياسي.