مقالات مختارة

«لماذا الحرب؟» لفرويد: جزء من طبيعة البشر وقد تحقّق السلام!

1300x600
خلال المرحلة الزمنية الفاصلة بين نهاية عشرينات القرن الماضي وبداية ثلاثيناته، وفي وقت حمي فيه وطيس السجالات الفكرية والسياسية من حول حرب انتهت حاصدة ملايين القتلى والضحايا الآخرين، وأخرى تنذر بأنها ستبدأ عما قريب واعدة بما هو أشدّ هولاً وأقسى، نظّم «المعهد الدولي للتبادل الفكري» التابع لعصبة الأمم (سلف منظمة الأمم المتحدة) سلسلة حوارات وسجالات عن مسائل كانت تزحم الأفكار في ذلك الحين، ومنها مسألة الحرب وكيف يمكن تفاديها.

وكان من الواضح في ذلك الحين، أن اندلاع حروب وشيكة بين الأمم بات أمراً وشيكاً، وأن المنظمة الدولية كانت تريد من كبار المفكرين في العالم أن يُعملوا أذهانهم حول مثل هذه المسائل، آملة من المفكرين في أن يكونوا أكثر تعقلاً ونزعة الى السلم والتصدّي للعداء بين الأمم، أكثر من السياسيين. يومها، من بين الذين رعى المعهد التراسل بينهم، عن الموضوع نفسه، كان هناك العالم الكبير ألبيرت أينشتاين ورائد التحليل النفسي في أوروبا سيغموند فرويد. وكانت المبادرة هنا في تلك المراسلات -التي كان يمكن أن تكون حاسمة لولا أن الأحداث السياسية المتلاحقة أتت لتغطي عليها-، لآينشتاين الذي بعث بالرسالة الأولى الى فرويد محملاً إياها نوعاً من التحديد للمشكلات التي سينبغي مناقشتها. وعلى الفور يومها، ردّ فرويد على رسالة زميله عبر خطاب نشر في باريس في عام 1933 بالألمانية والفرنسية والإنكليزية.

أما النص الكامل لهذا الخطاب والذي حمل عنوان «لماذا الحرب؟»، فقد ورد لاحقاً في المجلد الخاص من «مجموعة أبحاث فرويد» الصادرة بالإنكليزية. وقد تُرجم بعد سنوات الى العربية، مع دراسات ومقالات أخرى عن الحرب والموت، من جانب الكاتب سمير كرم ليُنشر في كتاب بعنوان «أفكار لأزمنة الحرب والموت» نشرته «دار الطليعة» في بيروت، ضمن إطار مكتبتها الفرويدية خلال السبعينات. ومن الأبحاث الأخرى في الكتاب نفسه، «التحليل النفسي وأعصبة الحرب» و«انقسام الأنا في العملية الدفاعية»... الخ.

> منذ البداية، يحدّد فرويد في هذا الخطاب - الرد على أينشتاين، أنه قد فوجئ، إذ أدرك من خلال قراءته رسالة أينشتاين، أن المسألة المطروحة للنقاش تتعلّق بـ«ما يمكن عمله لحماية البشرية من لعنة الحرب»، لكن على رغم السلبية التي اتّسم بها ردّ فعله الأولي على ما قرأ، ها هو يخوض هذه اللعبة الفكرية، منبّهاً الى أنه إذا كان أينشتاين يبدأ رسالته بالعلاقة بين «الحق» و«القوة»، فإنه -أي فرويد- يفضّل إبدال كلمة «القوة» بكلمة «العنف» على رغم أنها أكثر جسارة وفظاظة. وإذ يعطي فرويد لنفسه هذا الحق، يقول: «إن الحق والعنف يبدوان لنا اليوم كنقيضين، ومع ذلك فإنه يمكن أن نتبين بسهولة أن الواحدة منهما نشأت عن الأخرى»، ذلك أنه يرى كمبدأ عام، «أن صراعات المصالح بين الناس باتت لا تسوّى إلا باللجوء الى العنف». وهذا صحيح، كما يلفت فرويد بكل جدية، عند الكلام عن المملكة الحيوانية بأسرها، «وهي المملكة التي لا يملك الجنس البشري أن يستبعد نفسه منها»، في هذا الإطار على الأقل.

ففي البداية، يقول فرويد، «في مجتمع حيواني يضمّ قطيعاً بشرياً محدود العدد والانتشار، كانت القوة العضلية الأكثر تفوقاً هي التي تقرر من يملك الأشياء، كما كانت تقرر إرادة من هي التي ستسود. ثم سريعاً ما حدث أن أضيف الى القوة العضلية عنصر مكمل آخر، حيث استعيض عن العضلات أو على الأقلّ عزّز من قوتها عبر استخدام الأدوات: فالمنتصر، إذاً، تبعاً لذلك الوضع الجديد، كان الذي يملك الأسلحة الأفضل ويعرف -ويقدر على- استخدامها بطريقة أكثر مهارة». وفي هذا الصدد، يشير فرويد الى أنه «من اللحظة التي دخلت فيها الأسلحة، بدأ التفوق العقلي فعلاً، يحل محل القوة العضلية الغاشمة، ولكن الغرض النهائي من القتال بقي كما هو: إجبار طرف أو آخر على التخلي عن طلبه أو عن اعتراضه -وبالتالي عن حقه-، بفعل الدمار الذي يلحق به وبفعل شلّ قوته».

> بعد ذلك، يؤكد فرويد أن «الحل العنيف للصراعات بين المصالح، لا يمكن تحاشيه حتى داخل جماعة واحدة»، أما النظرة التي يمكن أن نلقيها على تاريخ الجنس البشري، في رأيه كما يرد في هذا النصّ، فإنها «تكشف عن سلسلة لا نهاية لها من الصراعات بين جماعة وأخرى، بين وحدات أكبر وأصغر -بين مدن وأقاليم وأجناب وأمم وأمبراطوريات- كانت تُسوى دائماً بقوة السلاح، في تلك الحروب المتكررة من هذا النوع التي تنتهي إما بالإضرار بأحد الأطراف أو بإسقاطه تماماً وغزو أراضيه». ويستدرك فرويد هنا أن ليس في الإمكان إصدار «أي حكم شامل أو نهائي على حروب الغزو، فبعضها -مثل الحروب التي شنّها المغول والأتراك- لم يجلب إلا الشر، ولكن بعضها -على النقيض من ذلك- أسهم في تحويل العنف الى وضع قانوني من طريق إقامة وحدات أكبر، وجعل استخدام العنف داخلها مستحيلاً، حيث أن نظاماً جديداً من القوانين أدى في داخلها الى حل الصراعات». وفي هذا السياق يرى فرويد أن «هذه الطريقة جعلت، مثلاً، غزو الرومان للبلدان المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط، يسفر عن السلام الروماني PAX ROMANA الذي كان جم الفائدة».

وهذا التأكيد هو ما يجعل فرويد يقول هنا: «ولا بد من أن تعترف، مع ما يبدو عليه الأمر من مفارقة، أن الحرب قد لا تكون طريقة غير ملائمة لإقامة حكم السلام الدائم الذي نصبو إليه بشغف، حيث إنها قد تنتج وضعاً يسمح بخلق وحدات أكبر، فيها حكومة مركزية قوية تكون قادرة على منع وقوع حروب أخرى فيها». وعلى ضوء هذا، يستنتج فرويد لزمننا الحاضر، أن الحروب لن تُمنع بالتأكيد إلا «إذا اتحدت الإنسانية في إقامة سلطة مركزية يسلّم إليها حق إصدار الحكم على كل الصراعات بين المصالح».

ويرى فرويد أن هذا ينطوي على مطلبين منفصلين في شكل واضح: أولهما، خلق سلطة مركزية عليا، والثاني تزويد هذه السلطة بالقوة الضرورية، و«أي من هذين، من دون الآخر، سيكون عديم القيمة». وإذ يربط فرويد أمر هذه السلطة بعلاقة الإنسان بالحرب، يقول إن الغرائز الإنسانية من نوعين اثنين فحسب: غرائز تسعى الى الحفظ والتوحيد (الغرائز الجنسية)، وغرائز تسعى الى التدمير والقتل، وهذه الأخيرة «التي نصنّفها معاً على أنها الغريزة العدوانية أو التدميرية»، موجهاً حديثه الى آينشتاين قائلاً: «وكما ترى، فإن هذا لا يتجاوز كونه إيضاحاً نظرياً للتعارض المألوف للجميع بين الحب والكراهية (...) على أنه يتعين علينا ألا نتسرع في إدخال الأحكام الأخلاقية، أحكام الخير والشر، هنا، فليست أي من هذه الغرائز أقل أهمية من الأخرى بأي حال، فإن ظواهر الحياة تنشأ عن عمل النوعين معاً، سواء كان عملاً في تنسيق أو في تعارض»، ذلك أن «المخلوق الحي يحافظ على حياته الخاصة من طريق تدمير حياة خارجية»، ما يجعل فرويد يؤكد أن «لا فائدة من محاولة التخلّص من ميول الناس العدوانية»، ومع هذا فإن «أي شيء يشجّع نمو الروابط العاطفية بين البشر، كفيل بأن يفعل فعله ضد الحرب».

> عندما كتب سيغموند فرويد (1856 - 1939) نصّه هذا، كان العالم، كما قلنا، يعيش مخاض الحرب العالمية الثانية من دون أن يتخلص بعد من آثار الحرب العالمية الأولى، وكان هو -أي فرويد- يقترب من سنوات عمره الأخيرة، ومن هنا تلك الموضوعية الباردة التي تطبع نصاً كان يراد منه أصلاً -بحسب دعوة آينشتاين- أن يدعو الى السلام، لكن فرويد وحسب أسلوبه التحليلي المعتاد، آثر من نصه أن يكون تفسيراً للصراعات والحروب على مستوى الأمم والأفراد في الوقت نفسه، ومن هنا نراه يختم كلامه قائلاً لآينشتاين «... وإني لواثق من أنك ستغفر لي إذا ما خيّب ما قلته أملك».



(نقلا عن صحيفة الحياة اللندنية)