كتاب عربي 21

ابحث عن كامب ديفيد

1300x600
لا زلنا في ملف العمال بأية حال، ولكنها دوائر واحدة وأصول واحدة ومأساة واحدة، وتجبرنا الأحداث على التوقف والبحث عن أصول مأساة عمال مصر وأهلها على يد الدولة الفاسدة التي لا تعبأ طبقتها الحاكمة إلا بما يحفظ أمنها، ولا قيمة على الإطلاق لهؤلاء "الآخرين" الذين يعيشون على أرض مصر بكل طوائفهم ودياناتهم وأفكارهم، الذين يظنون أنهم أصحاب الأرض والثروة، ويظنون أن هؤلاء الخونة يعملون من أجلهم، هؤلاء  الذين يبحثون عن مصادر رزقهم بعيدا عن أرضهم على الأرصفة وبين الأزقة بعدما ضاقت عليهم السبل.

كامب ديفيد ليست فقط معاهدة سيئة السمعة بين نظامين لوقف الحرب، ولكنها كانت مرحلة من مراحل سايكس بيكو التي أعادت رسم خريطة المنطقة بشكل يحفظ  استمرار سيطرة من يظنون أنفسهم حاكمي العالم على مقاليد الأمور في منطقتنا البائسة. 

إن كامب ديفيد مفهوم للسيطرة أكثر من مجرد اسم منطقة تم توقيع الاتفاق بها كما هو الحال في سايكس بيكو فهي ليست مجرد أسماء لمهندسي الوثيقة ، كلها مراحل متتابعة لا انفصام لها.

في عام 1977 بدأت كامب ديفيد في الظهور العلني بإعلان السادات في مجلس الشعب المصري يوم 9 تشرين الثاني/ نوفمبر أنه على استعداد للذهاب إلى إسرائيل من أجل "السلام"، ولكن تلك المقولة كانت سبقتها مقدمات كثيرة ربما بدأت قبل بداية "حرب أكتوبر" نفسها، ولكن تلك المقدمات المدفونة بدأت في الظهور القوي قبل هذا الخطاب بكثير، ما دفع النظام الليبي الفاسد فسادا من نوع آخر إلى رفع حالة التوتر بطرد ما يقرب من ربع مليون عامل مصري في حزيران/ يونيو 1977، ربع مليون عامل يعيلون ما لا يقل عن مليون مصري من أجل كامب ديفيد.

 لم يعر النظام المصري العسكري أي اهتمام من أجل استمرار حفاظ الطبقة الحاكمة على الهدف الرئيسي التي أنشأت من أجله، ألا وهو الحفاظ على منظومة سيكس بيكو لتقسيم المنطقة العربية، وتوزيع ثرواتها على الغرب، في مقابل مجموعة من الامتيازات لتلك الطبقة الحاكمة التي تستعبد شعوبها.

هناك مقدمات لحرب مع ليبيا، ولا يظن أحد أن الإعدام الجنوني لعمال مصريين هناك كان سبب التحرك، فهذا الظن ساذج لدرجة يصعب تفنيدها أو النقاش حولها، إنما هي مقدمات طويلة وعميقة، كما هو الحال في حرب الأيام الأربعة عام 1977 بين مصر وليبيا، فهذه الحرب الحالية القديمة الجديدة لم تكن هي الحرب الأولى، ففي تموز/ يوليو 1977 قام " الجيش المصري" بضرب مناطق شرق ليبيا، كما يفعل تماما الآن، وهذا رد على مظاهرة مسرحية لبضعة آلاف من الليبيين يريدون دخول مصر اعتراضا على التقارب المصري الإسرائيلي، ورغبة في إسقاط حدود سايكس بيكو، وكأن هؤلاء الآلاف المتظاهرين غزاة فاتحون. استمرت الحرب أربعة أيام بغارات جوية على الشرق الليبي إلى أن توقف القتال.

إن رسائل تلك المعركة القديمة التي نراها الآن بعيون مختلفة هي أن تلك الدبابات والطائرات المتراصة على الحدود ليست موجودة إلا للحفاظ على منظومة سايس بيكو، وأن كامب ديفيد ما هو إلا تطوير مرحلي لتلك الكارثة لإعادة بناء العلاقات بما يتناسب مع المرجعية الرئيسية لبناء علاقات المنطقة، وأن المصريين والليبيين وكل سكان المنطقة هم أدوات لا علاقة لهم بشيء من السلطة والثروة، ولا حق لهم حتى في الحياة وسط دعوات الجنون والموت.

المفترض أن تكون قرارات أي نظام سياسي هدفها هي حماية مواطنيه والحفاظ عليهم، هذا إذا كان النظام مُنتجا من الشعب، ويحصل على سلطته من الشعب، أما في حال أمَّتنا المؤسف، فهو يحصل على سلطته من الخارج، ويحتفظ بها ما دام محافظا على تلك الأصول الثابتة التي زرعها الغرب قبل رحيله المزعوم، ولا ينظر أبدا إلى تلك الشعوب التي من المفترض أنها صاحبة كل شيء.

والآن، وبعد ما يقرب من الأربعين عاما يعاد السيناريو كاملا مع اختلاف المسميات، ما يقرب من مليون عامل في أقل التقديرات لا يلتفت إليهم أحد، لا يلتفت كيف يعيشون هناك بعد الغارات الحمقاء، ولا كيف سيعودون، ولا ماذا سيفعلون إذا عادوا، إنما الهدف هو ذات الهدف، تطوير كامب ديفيد وإعادة هيكلة سايكس بيكو لنصل إلى شكل جديد للمنطقة، ربما لا يعلم أحد إلى ماذا ستفضي إليه، خاصة بعد دخول مقدمات غير متوقعة في مسرح الصراع.

عمال مصر في ليبيا الآن بين عمالة النظام المصري والسيولة الشديدة داخل ليبيا التي تفقدنا القدرة على قراءة المشهد في الداخل الليبي، ولكنها جميعا تذهب بنا إلى سيناريوهات درامية تسقط كل المنطقة في حالة فوضى شاملة يتحمل نتيجتها بالتأكيد القطاعات الأضعف التي يتم انتهاكها دائما، هؤلاء الذين لم يجدوا قوت يومهم على أرضهم، فخرجوا بحثا عن رزق في أرض أخرى، فوجدوا أنفسهم تحت نيران الخيانة والعمالة من أنظمة لا تراهم، بل تستخدمهم مستغلة الفقر والحاجة والبؤس لتحقيق مطامعها.

لا يظن أحد أن النظام المصري سيرسل الطائرات لترحيل المصرين من ليبيا، ولا يظن أحد أن النظام المصري سيشكل اللجان القانونية لحفظ حقوق العاملين هناك، ولا سيوفر لهم عملا بديلا، ولا أن الوزارات والهيئات والمؤسسات التي لها علاقة بالشأن العمالي ستتحرك وتفعل أي شيء، فكل هذه المؤسسات موجودة لحفظ بنية النظام الفاسد، وهي مجرد أشكال هيكلية، كالتي تنشأ في المعارك للتمويه على الأعداء، ولكنها هنا لخداع الشعوب البائسة التي يتم التلاعب بها لخدمة تلك الطبقة الحاكمة ومن يحركهم من الخارج. 

الهم الأوحد لهذه الأنظمة هو الحفاظ على مفهوم كامب ديفيد، وهذا المفهوم لا يهتم إلا بنفسه ولا يرى هؤلاء الملايين بالداخل والخارج الذين يعانون ويستعبدون، هذا المفهوم الذي يحافظ على تدفق الثروة للخارج ويحافظ على بقاء أصحاب الحق الأصيل تحت حصار منصات إطلاق الصواريخ ومنصات إطلاق الكلمات والصور الإعلامية التي تتلاعب بمصطلحات الوطنية والشيفونية من أجل استمرار تدمير الوعي لصالح بقاء العملاء في سدة الحكم وللحفاظ على منظومة علاقات السلطة.

إن المليون عامل أو يزيد أصبحوا في مهب الريح وسط نظام فاسد ومؤسسات نقابية ومنظمات عمالية تمتلك سلطة سلمتها طواعية للطبقة الحاكمة، وباعت عشرات الملايين من العمال في الداخل والخارج، بل ولا تضع في حساباتها إلا رضا السلطة التي اندمجت فيها وأصبحت تمثلها ولا تمثل العمال.

إن دماء عمال اليومية والعمال النظاميين وأرزاقهم وأولادهم وعائلاتهم في ليبيا الآن في رقبة النظام، وعلى العمال إدراك الحقيقة الكاملة أنهم في الداخل والخارج قطعة شطرنج في يد نظام مجرم لا يتورع عن قتلهم جميعا في معركته المجنونة، من أجل استمرار وجوده المرتبط بلعنة كامب ديفيد وسايكس بيكو وتوابعها التي تجري الآن في كل المنطقة، وعليهم إدراك أن حقوقهم وآدميتهم ومستقبل أولادهم مرتبط ارتباطا لا فكاك منه بالتخلص من تلك الطبقة الحاكمة خلاصا لا رجعة فيه.