بورتريه

الحريري: الاختيار الصعب بين ساعي البريد والزعيم (بورتريه)

سعد الحريري بورتريه علاء اللقطة
يمارس دوره السياسي كزعيم للسنة في لبنان، بعد تآكل الدور التاريخي للعائلات السنية الكبيرة مثل آل كرامي والحص والصلح والوزان.

يريد أن يثبت للجميع  أنه ابن أبيه.

هل هو ساع يوصل رسائل إقليمية عبر تصريحاته وخطاباته التي يلقيها بين الحين والآخر، خصوصا في ذكرى اغتيال والده؟

رسائل تحمل  مضامين إقليمية مرتبطة بالداخل اللبناني، أو بالعكس، رسائل لبنانية ذات بعد إقليمي. رسائل تقول بأن لبنان بلد عربي مرتبط بمحيطه العربي، وهو ما قد يسقطه البعض من حساباته في ظل الشحن الطائفي في المنطقة.

ولد وكبر في عالم الأعمال والاستثمار، لم يشتغل بالسياسة في حياة والده، لكن اغتيال والده رفيق الحريري في تفجير موكبه ببيروت في 14 شباط/ فبراير عام 2005 وضعه في دائرة الضوء، ليصبح أحد أهم أقطاب السياسة اللبنانية، ربما بالضرورة وليس بالاختيار.

ظهر زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري في ذكرى اغتيال والده العاشرة بصورة جديدة لم يعتد عليها جمهوره خلال خطاباته السابقة، سواء كان ذلك من حيث الشكل أم المضمون، وتحديدا في اعتماد تصعيد الخطاب ضد "حزب الله" وسياساته الداخلية والخارجية.

مراقبون يطرحون تساؤلات عن قدرته على إقناع شارعه بخطابين متناقضين، الأول يهاجم فيه "حزب الله" والثاني يتمسك فيه بالحوار معه، وهي لغة أكدت بشكل غير مباشر أن "تيار المستقبل" وكل من يدور في فلكه مستمر في الحوار مع "حزب الله" بغض النظر عن لغة التصعيد والجُمل التي وردت في الخطاب.

سعد الدين رفيق الحريري، المولود في السعودية عام 1970 حيث كان يعمل والده، وحصل على الجنسية السعودية عام 1978، حاصل على شهادة في إدارة الأعمال من جامعة جورج تاون في واشنطن.

 شغل في الفترة من عام 1994 إلى عام 1998 منصب المدير التنفيذي "لشركة سعودي أوجيه" ويشغل حاليًا منصب المدير العام فيها، كما أنه يرأس اللجنة التنفيذية "لشركة أوجيه- تلكوم"، وهو كذلك رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة "أمنية هولدنغز"، وعضو في مجلس إدارة شركات "أوجيه الدولية" و"مؤسسة الأعمال الدولية" و"بنك الاستثمار السعودي" و"مجموعة الأبحاث والتسويق السعودية" و"تلفزيون المستقبل".

 دخل إلى السياسة بعد اغتيال والده في عام 2005 وشكل ما يعرف باسم تحالف" 14 آذار" مع رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط والرئيس التنفيذي لـ"القوات اللبنانية" سمير جعجع، وهو التحالف الذي قاد إلى ما عرف باسم "ثورة الأرز" التي كان من نتائجها خروج الجيش السوري من لبنان. 

وتلا ذلك انتخابه نائبًا في البرلمان لدورة عام 2005 عن مقعد السنة في دائرة بيروت الأولى والذي كان يشغله والده في الدورات السابقة، واستطاع أن يحصل على أكبر كتلة نيابية في هذه الدورة. وأعيد انتخابه لدورة البرلمان لعام 2009 على المقعد المخصص للسنة بدائرة بيروت الثالثة، واستطاع مع حلفائه في تحالف" 14 آذار" الحصول على الأكثرية النيابية لدورة نيابية جديدة.

في حزيران/ يونيو 2009 كلفه الرئيس ميشال سليمان بتشكيل الحكومة، وذلك بعد الاستشارات النيابية وتسميته من قبل 86 نائبا يمثلون نواب تحالف" 14 آذار" وعددهم 71 نائبا ونواب "حركة أمل" و"حزب الطاشناق".

وفي السابع من أيلول/سبتمبر وبعد شهرين ونصف من تكليفة بتشكيل الحكومة، قدم إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان تصورًا لتشكيل الحكومة، إلا إن المعارضة رفضت هذه التشكيلة. وفي العاشر من أيلول/ سبتمبر أعلن عن اعتذاره عن تشكيل الحكومة.

لكن رئيس الجمهورية عاد في 16 أيلول/ سبتمبر وكلفه بتشكيل الحكومة، وسماه نواب تحالف "14 آذار" ونائبا "حزب الطاشناق" رئيسا للوزراء، وحصل بذلك على 73 صوتا. وبعد حوارات ومناقشات ومفاوضات شاقة استطاع أن يعلن عن تشكيل حكومته الأولى بتاريخ تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2009.

 واجهت حكومته صعوبات عديدة، خصوصًا بعدما بدأ يقترب صدور القرار الظني بجريمة اغتيال رفيق الحريري، وإصرار وزراء "حزب الله" و"حركة أمل" و"التيار الوطني الحر" على طرح موضوع "شهود الزور" بالقضية وطلب إحالتهم للمجلس العدلي.

 وأدى كل ذلك إلى إعلان وزراء "تكتل الإصلاح والتغيير" و"حركة أمل" و"حزب الله" في كانون الثاني/ يناير عام 2011، استقالتهم من الحكومة بعد وصول محاولات تسوية مشكلة المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الحريري إلى طريق مسدود، وأدت استقالة الأحد عشر وزيرًا إلى فقدان الحكومة لنصابها الدستوري، وبالتالي اعتبارها مستقيلة.

بعد سقوط حكومته، غادر سعد الحريري لبنان عام 2011، ليعيش في المنفى الاختياري متنقلا بين فرنسا والمملكة العربية السعودية.

ورغم أن لبنان في ظل حكومة نجيب ميقاتي (الحكومة التي أعقبت حكومة الحريري) اتخذت موقف "النأي بالنفس" بشأن الثورة السورية التي اندلعت عام 2011، فقد كان سعد الحريري مساندا لها إعلاميا وسياسيا.

ومع مغادرته بيروت، ترك الحريري كرسي الزعامة السنية فارغا، مسهلا استهداف الطائفة من النظام السوري و"حزب الله" وحلفائه، ومتيحا الفرصة لقوى سنية أخرى أن تملأ الفراغ والجلوس على كرسي الزعامة الخالي.

 الحريري الأب مر بأزمات مالية بعد انتخابات عام 1996 وانتخابات عام 2000، ولم يترك بيروت، وغاب عن الحريري الابن أن الحريري الأب في ذروة تعرضه للخطر بعد التمديد للرئيس إميل لحود، قال لمسؤولين عرب نصحوه بمغادرة لبنان لبعض الوقت: "لست أنا من يبقى في زمن الرخاء ويهرب في زمن الخطر.. الوطن ليس فندقا".

الحريري الابن عاد في آب/ أغسطس الماضي إلى لبنان بشكل مفاجىء في ظل فراغ موقع رئاسة الجمهورية بعد انتهاء فترة الرئيس ميشيل سليمان، واستقطاب حاد في الساحة اللبنانية.

عاد ربما ليعيد ترتيب أوراق الطائفة السنية في لبنان، تلك الأوراق التي لعبت بها رياح عاتية قادمة من جهة عرسال حيث "جبهة النصرة" التي تقاتل في سوريا، ومن جهة طرابلس حيث المواجهات بين السنة والعلويين.

سعد يعود ليؤكد من جديد أن الحوار مع "حزب الله" حاجة وضرورة مرحلية وليست ترفًا، مطالبا الحزب بالانسحاب من سوريا وعدم العمل على إنقاذ نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

ولا يبدو سعد الحريري كالذين كانوا يمتلكون الكاريزما من زعماء الطائفة السنية في لبنان، مثل عمر كرامي وسليم الحص ورياض الصلح ووالده رفيق الحريري، والبعض يرى فيه رجلا ثريا مترفا أكثر منه زعيمًا.

وهو أمام خياري أن يكون زعيما أو ساعي بريد يوصل رسائل ربما تخطئ في العنوان.