مقالات مختارة

هذه المرة علينا ألا نضيعها..

1300x600
كتب ماركار إيسايان: تحمل الانتخابات في الثلاثة عشر عاما الأخيرة معاني غير عادية في دولتنا، التي لم يكتمل بناؤها الديمقراطي، وهذا لأن بناءها الديمقراطي يعتمد على إرادة الشعب، وهذا هو الصحيح.

لقد حدثت تجربة مشابهة لهذا في زمن المرحوم "عدنان مندريس" (هو أول زعيم سياسي منتخب ديمقراطياً في تاريخ تركيا). ولكن في آخر سنته العاشرة علق في حاجز "غلاديو" (هو اسم منظمة سرية أنشأها "حلف الناتو" في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية ضد الشيوعيين في أحداث غزو "حلف وارسو" لغرب أوروبا) وتم إعدامه.

لقد كان عملاً وحشياً جداً، هدف لمنع أي سياسي بعده من تعدي خطوطهم الحمراء. وحين أظهر المجلس العسكري الذي قام بالانقلاب تردداً، وبدأ بالسعي إلى سلب الحكم تجمع قضاة اسطنبول وإزمير وأنقرة وهددوا المجلس العسكري، فقالوا له إن "ظهر ضعفكم سيعودون وينتقمون منا.. عليكم أن تعدموهم"!

سليمان دميرال (هو الرئيس التاسع للجمهورية التركية) كان مثالاً حزيناً في هذا الموضوع. "تشوبان سولو" (هو لقب الرئيس "سليمان دميرال") الذي تلقى الرسالة الموجهة من "غلاديو" ففرَّ هارباً، لأنه كان يعلم أن هذا التنظيم مدعوم من الخارج، ولكنه كان يعتقد أن الاعتراض مستحيل. وعلى منصة الإعدام سعى لإيجاد حل وسط!

لم يكن تصريحه بأن موقفه من أحداث 28 شباط كان سعياً لمنع انقلاب عسكري سوى موقف استرضائي لسياسي تم الانقلاب عليه. في هذه الحكاية الحزينة ويأساً وإيماناً بعدم القدرة على هزيمة "غلاديو" المدعومة من الداخل والخارج.

مصطفى كمال.. أحبوه أو لا تحبوه.. رغم أعماله القاسية إلا أنه كان قائداً يملك قماش "القومية"، وقام بحملات عديدة في هذا الاتجاه حتى عام 1933 (أغلبها بطرق فاشية مثل قصف الأقليات)، ولكن لا يمكننا أن ننكر أنه كان سبباً لاستقلال الدولة. غضَبُنا من أفعاله يجب ألا يمنعنا من رؤية الحكاية الأصلية، خاصة أنه يملك شعبية قوية لدى العلمانيين.

مات مصطفى كمال بعد 1933 بعد أن تدهورت صحته. في أثناء وفاته كان "عصمت إينونو" (ثاني رؤساء الجمهورية التركية) في المنفى. وكان خائفاً على حياته. ولم يكن اسمه وارداً بين مرشحي الرئاسة. فقد كان "ماريشال فوزي تشاقماق" هو أقوى المرشحين لها، ولكن في هذه الفترة القصيرة لا نعلم ما الذي حدث واستلم "عصمت" رئاسة الدولة.

وكان ينبغي عليه إبقاء تركيا تحت السيطرة الغربية، وينبغي أن تبقى المؤسسات المحلية الاقتصادية والسياسية والعسكرية تابعة للنظام الغربي شكلاً لا مضموناً كما كانت عليه في فترة "التنظيمات".

لهذا السبب تم ضم تركيا التي كانت تتأرجح في منطقة رمادية مجهولة إلى "الأمم المتحدة" و"حلف الناتو" عن طريق نظام برلماني شكلي. وقامت "غلاديو" والإعلام والجامعات والقضاء والمخابرات والسياسة بزرع الوصاية في أوردة الدولة. لهذا السبب أقول إن أكثر الأشياء في هذه الدولة ليست محلية.

وبهذا كانت الدولة ستصبح في القول فقط ذات نظام برلماني، وكانت الحكومات ستتصارع مع الفقر وعدم الاستقرار، وسيهز اعتبارها بشكل مستمر من الإعلام والعسكر. وحين يمسك القضاء والعسكر والإعلام النظام في أيديهم كان المدنيون هم الذين سيدفعون الفاتورة.

في الحملة الثالثة أراد "توركوت أوزال" (الرئيس الثامن لتركيا) إصلاح هذا الشذوذ. وكان هذا في الفترة التي سقط فيها الاتحاد السوفيتي حديثاً، واكتسبت العولمة فيها سرعة جديدة، وحدثت تشققات نسبية أمنت التصرف بشكل مستقل (مثل تصفية الغلاديويين).

شعبية "أوزال" كانت تنبع من كونه مدنياً، ولكن نظامه لم يكن قوياً وقومياً.

"أوزال" الذي تم إضعافه بادعاءات الإعلام والمعارضة غير القومية في انتخابات 1989، حكم عليه بالوحدة بعد ادعاء "دميرال" في 1991 بأنه يملك ملفات فساد بحق "أوزال". وبالطبع جميع هذه الادعاءات كانت كاذبة!

وبدل أن يدافع عن نفسه رمى بنفسه بصعوبة إلى "كانكايا"، وأراد أن يصنع فرصة جديدة، وكان حزبه يسعى لتصفيته عن طريق "مسعود ييلماز"، فقد رأوا فيه إمكانية قومية خطيرة، فقاموا بتصفيته هو وعائلته بشكل لا يصدق!

كم يشبه كل هذا ما عشناه في الـثلاثة عشر عاماً الأخيرة؛ خاصة أحداث أزمة الاستخبارات في 7 شباط، وانقلاب 17-25 كانون الأول، وتجربة الحرب الأهلية في 6-8 تشرين الأول.

الآن يجب أن يرى المواطنون جميعاً من أصحاب هويات دينية وسياسية مختلفة أن المغدور في هذه الحكاية هو الشعب، ولا يرى ذلك فقط مؤيدو حزب "العدالة والتنمية". ومثل هذه الأزمة الجذرية تحتاج لقيادة محلية قوية للخروج منها. وسبب استهداف "أردوغان" هو فهمه الجيد لهذه المؤامرة، وعقلانيته وشجاعته وتفاهمه مع الشعب.

في الحقيقة إما أن يرغم الناس على الحرب، وإما يخضعوا للاستعباد، هكذا هي الحياة. لا يوجد خيار آخر غير التقدم إلى الأمام. وعروض الهدنة والمصالحة -مهما كان شكلها- ليست إلا إيحاءً بالتسليم والضعف.

(عن صحيفة "يني شفق" التركية، مترجم خصيصاً لـ"عربي21"، 13 شباط/ فبراير 2015)