قضايا وآراء

وقفات مع القرآنيين (2): التشريعات في الوحي الآخر

1300x600
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه الحق، والصلاة والسلام على سيد الخلق وبعد، فبعد أن ثبّتنا الأرضية وأثبتنا في مقالنا السابق (وحي آخر)، بأن هنالك وحي آخر أُنزل على (محمد) غير القرآن الكريم يظهر على شكل أحاديث لـ (محمد)، نجيب اليوم عن سؤال واحد فقط، أقول (فقط) هو:
هل تضمّن "الوحي الآخر" الذي أُنزِل على (محمد) تشريعات ؟!

وسنحرص أيما حرص في ها المقال – كما في المقال السابق - على ضبط بوصلتنا باتجاه واحد فقط، فقبلتنا هي الإجابة عن السؤال المطروح والتأصيل لذلك لا غير، بعيداً عن كل محاولات المشاغبة والتشويش التي يلقيها القرآنيون في "أمنيّتنا"، حين يسعون جاهدين لإقحامنا في دهاليز ومنعطفات هنا وهناك لا علاقة لها بموضوع البحث؛ بغية تغييب المنهجية العلمية، لنكون وإياهم سواء، فيصبح معيار الحق من له طول نفس أكثر، أو من عنده وقت فراغ أكثر، أو من يكدّس من الآيات أكثر.

مستخدمين – هم - "سياسة الأنفاق" في المحاجّة، بمعنى أن الجدل باقٍ ما دامت السماوات والأرض، فلا تمني نفسك - إن أوقعوك في حبائل لا منهجيّتهم - أن تلزمهم بشيء؛ ففي نهاية كل نفق فتحة في آخره، وهكذا..!

ودعوني أشير هنا إلى أن كلّاً من المواضيع والأسئلة التالية ليس مدار بحث أو نقاش في هذا المقال، بل لا تعنيني بشيء هنا:

- حجم تلك التشريعات في "الوحي الآخر"، حيث يكفيني أن أثبت تشريعاً واحداً للدلالة على صواب فكرة وجود التشريع في "الوحي الآخر".

- مدى إلزام تلك التشريعات وحجيّة الوحي الآخر.

- هل ثمة فرق بين النبي والرسول بشأن التشريع ووجوب الطاعة !

- طرق تلقي الأمة للتشريعات من (محمد) وقضية الثبوت: تواترَ وآحاد ؛ حيث مازلنا في هذا المقال في مقام (تلقي محمد عن ربه) ولسنا في مقام (تلقي الأمة عن محمد)، وهذا أمر جدُّ دقيق.


ودعونا الآن نشرع في الإجابة عن السؤال المحوري: هل تضمن "الوحي الآخر" تشريعات ؟!

أولاً: 
بادئ ذي بدئ أتساءل هل ثمة إشكال عقلي أو شرعي في أن يتضمّن "الوحي الآخر" أحكاماً وتشريعات ؟! 
الجواب: لا طبعاً، بل إن العقل يشير إلى العكس من ذلك تماماً ؛ إذ أن حجم القرآن كان سيكون أضعافاً مضاعفة لما هو عليه الآن إن هو تصدّى لشرح كل صغيرة وكبيرة في موضوع الأحكام.

ثم إن القرآن لو تكفّل بإيراد وشرح جميع الأحكام التفصيلية التي يحتاجها المسلم، فسيخرج عن مقصوده الأساسي في الهداية، ويستحيل إلى كتاب قانونٍ جامد!

ومن ناحية أخرى نقول بأن (ما يتوهّمه هؤلاء على أنه إشكالية شرعية، بل وشركيّة أيضاً إذا قلنا بأن الأحاديث قد تضمنت تشريعات ؛ بحكم أن الله سبحانه وتعالى هو المشرّع وحده "إن الحكم إلا لله" "ألا له الخلق والأمر")، نقول أن ذلك – إن أحسنّا الظن - لا يعدو أن يكون إشكالية (ذهنية) في حقيقته وليس (شرعية) على كل الأحوال، كيف ؟!

إننا حين نقرر بأن أحاديث (محمد) صلى الله عليه وسلّم قد تضمنت تشريعات، وحين نقول - ويقول الله كما سنبيّن - بأن محمداً "يحلّل ويحرّم" فإنما نقصد بذلك بداهةً أن هذا التحليل وذاك التحريم إنما هو من قبيل "الوحي الآخر"، وليس من عند محمّد نفسه، على اعتبار أنه (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء:80) وأعوذ بالله أن نعتقد بأنه من عند محمد نفسه؛ إذن لأشركنا بالفعل حينها ؛ فالمشرّع هو الله جل وعلا لا أحداً سواه، وما (محمّد) إلا مبلّغ عن الله تعالى ينقل التشريعات ولا يخترعها ؛ فالمجاز إذن واضح حين نقول بأنَّ محمّداً يحرّم كذا ويحلل كذا ؛ فهو لا يفعل ذلك بصفته "الشخصية" وإنما بصفته "الاعتبارية المبلّغة"، وأقرب ما يمكن أن نمثّل به من القرآن على هذا هو قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)، فهو ليس قول محمد صلى الله عليه وسلم أو قول جبريل عليه السلام إلا باعتبار التّلفظ به وباعتبار النّقل عن الله تعالى، وهنا أيضاً نقول بأن محمداً ناقل للتشريع عن ربه وليس مشرعاً.

وما دمنا في "حيِّ العقل" وقبل أن نغادر صوب الأدلة القرآنية، أدعوكم يا أولي الألباب للتفكّر مليّاً بملاحظة ما أجدرها بالاهتمام وهي:

أن الله عزَّ وجل قد فصّل في كتابه أحكاماً وكيفيّات وحيثيّات أقل شأناً من موضوع الصلاة كالوضوء والطهارة مثلاً، في حين أنه لم يتعرض على الإطلاق لأحكام وكيفيات وحيثيّات ركن الصلاة، بل أحال ذلك كله إلى "الوحي الآخر" دون القرآن!

ألا تلحظون معي أن في هذه الإحالة تنبيه من الله لنا على مكانة "الوحي الآخر" ودوره المحوري في العملية التشريعية ؟!

ثانياً: الأدلّة من القرآن الكريم

1. قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). (الأعراف:157)

يا للهول ! إنه: (نبيٌّ) (رسولٌ) (يُحلّل) و(يحرِّم)، وهنا ثلاث مسائل:

الأولى: أنه خاطبه بصفتي (النبوة) و(الرسالة) معاً، والتي نعدل عن نقاشها هنا إلى مقال قادم كما وعدنا.

الثانية: أنه نسب إليه التحليل والتحريم - ناقلاً عن ربه طبعاً- بصفته موحىً إليه (نبيّاً ورسولاً).

الثالثة: ما دمنا أثبتنا وجود "وحيٍ آخر" في مقالنا السابق، وأثبتنا عدم توارد إشكاليات شرعية أو عقلية قبل قليل، نكون بداهةً أمام احتمالين اثنين لمكان ورود هذا التحليل والتحريم الذي ينسبه الله لمحمد مجازاً، والذي ينقله (محمّدٌ) عن ربه حقيقة: 

- فإما أن يرد في الوحي الأول، وهو القرآن الكريم.
- وإما في "الوحي الآخر"، وهو حديث النبي الرسول صلى الله عليه وسلم، بعيداً طبعاً عن كيفية تلقي الأمة لذلك الوحي عن محمد صلى الله عليه وسلم، وبعيداً عن ثبوته من عدمه، حيث أنني هنا أتحدث عن أصل المسألة.
وما دام الاحتمالين واردين صراحة، فإن من أراد أن يقصر مكان ورود (التحليل والتحريم) على إحداها فإنه مطالب بدليل صحيح صريح في ذلك مع إزالة الإشكال الواقع حينها !

2. وما قيل في الآية السابقة - المسألة الثالثة، يقال في قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).(الحشر:7)

فإن أصرَّ القرآنيون إلا المراوغة، والقول بحصرية ما أوتي محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن استناداً إلى قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (الحجر:87) فإننا نقول:

أوّلاً: ليس في الآية التي تستدعونها ما يفيد الحصرية، إذ لا يلزم في اللغة من قولك لأحدهم (آتيتك قلماً) أنك (لم تؤته شيئاً إلا هذا القلم)، وهذا الموضوع حسمناه في المقال الأول!

ثانياً: تعالوا بنا إلى سياق الآية الدال أصرح الدلالة على أن أول ما يفهم لكلِّ ذي لبٍّ وتجرُّد هو (الوحي الآخر)، حيث يتحدّث الله عز وجل عما حصل من لبس إزاء قطع المسلمين للنخيل في حصارهم لبني النضير وما حدث من جرى من كلام إزاء استئثار الرسول صلى الله عليه وسلم بالفيء الذي أخذوه من بني النضير، فيبين الله عز وجل في الأولى أنه هو من أذن بقطع النخيل، ولكن لسوء حظ القرآنيين أننا لا نجد هذا الإذن في كتاب الله وإنما نجد في هذه الآية الإخبار عما حصل من إذن، وفي الثانية يؤكّد أن مآل هذا الفيء الأول بالذات هو فعلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقط ؛ مذكراً إياهم بأن هذه الأموال جاءت من غير قتال. فمن أين عرف محمد بهذا الإذن وأمر بقطع النخيل بناءا عليه إلا من الوحي الآخر ؟! ومن أين عرف محمد حكم هذا الفيء الأول إلا من الوحي الآخر ؟!

وهنا يأتي هذا المقطع من الآية ليشكل قاعدة ثابتة لكل ما سيقع مستقبلاً (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).

فإلى السياق نمضي:

(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ * وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(الحشر:5-7)

3. ما رأيكم بهذه الآية أيضاً يا أولي الألباب ؟!
قال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29) 
ولكلِّ من أراد الجدال والعناد والمكابرة فقال: (بأن المقصود بالآية هو ما ورد في القرآن الكريم فقط)، نقول:

رفقاً بعقلٍ خلقه الباري نيّراً يا صديق..!
رفقاً بقلب خلقه الله نقيّاً؛ فسوّدته الأهواء يا رفيق..!
إن (ما حرّم اللهُ) واضحٌ بأنه القرآن، فأين يكون تحريم رسوله ؟!
ولماذا جعلهما شيئين اثنين؟! 
اقتحم عقبة نفسك وقُلها..
اطرد وساوس شيطانك وقلها..
انفض غبار عقلك وقُلها..
قلها: (إنه الوحي الآخر) إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلّم.

4. في قوله تعالى:(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ..) (البقرة: 143)

نجد بأن الله عز قد نسب الأمر بتوجُّههم في السابق نجو بيت المقدس لنفسه مع أنه لا توجد آية في كتاب الله إطلاقاً تأمر بالتوجه إلى هنالك، وإنما جاءت هذه الآية تصف ما كانوا عليه في السابق، فما هذا أيها القرآنيون؟! أليس تشريعاً عظيماً تضمنه الوحي الآخر؟!

5. وفي قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ...) (البقرة:187)

تبين الآية بأن ثمّة الحكم الشرعي السابق للرفث إلى الزوجات في ليالي رمضان هو (عدم الجواز)، فتأتي هذه الآية لتخفف عنهم وتغير الحكم إلى الإباحة، ولكن وضعية التحريم السابقة لا نجدها في كتاب الله إطلاقاً، فأين هي إن لم تكن في الوحي الآخر ؟! أليس هذا تشريعاً أيها القرآنيون ؟!
 
6. في قوله تعالى:(وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) (المائدة:58)
تتحدث عن الآية حال أهل الكتاب والكفار عند سماعهم النداء للصلاة، وأنهم يتخذونه لعباً وهزواً، والشاهد من الحديث أن هذه الآية لا تأتي لتشرّع الأذان وإنما تأتي واصفة حال أولئك مع هذا التشريع الموجود أصلاً، ولسوء حظ القرآنيين أنه لا توجد آية أخرى في كتاب الله تشرّع هذا النداء، والسؤال الآن ما هو الشيء الذي تضمّن هذا التشريع وتلقّاه المسلمون بالقبول والتطبيق؟! بل وفصّل كلمات النداء ؟! أليس الوحي الآخر أيها القرآنيون ؟! أم أنه ليس تشريعاً ؟!

7. ودعوني أورد لكم الآن حزمة من الآيات القرآنية ذات الصلة والدلالة على ما نحن بصدده، مع طلبي إليكم أن تركّزوا على التغاير– لا التضاد – والمشاركة اللذين يظهران بين (طاعة الله) و ( طاعة الرسول)، وبين (الله) و (الرسول)، ذلك التغاير والمشاركة بين المتعاطفين والذي يدل عليه حرف العطف (الواو) كما هو مقرر عند علماء اللغة، والذي يعني أنهما مشتركان في الحكم متغايران في الماهية، ولهف نفسي على من عدَّ التغاير تضاداً !

الآيات:
- قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31) 

- وقال أيضاً: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)(الأحزاب:36)

- وقال أيضاً frown emoticon وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (النساء:64 ).

- وقال أيضاً: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد:33).
.
- وقال أيضاً: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) (آل عمران:32 ).

- وقال أيضاً: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النور:56 ).

- وقال أيضاً: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ)

- (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (63)

ولعلَّ من المضحك المبكي ان نعرّج على جانب من سطحيتهم وضحالتهم اللامتناهية أو تحريفهم الكلم عن مواضعه حين يتخذونه عضين؛ فيجتزؤون الآية من سياقها دون أدنى فهم أو بصيص تقوى، فنراهم على سبيل المثال يستدلون على استغنائنا بالقرآن عن السنة في التشريع بقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ؟!).

ودعونا في هذا الإطار نعرض السياق الذي اجتزؤوا منه بعض الآية، ليتبين لكم مدى تحريفهم وجهلهم وتلاعبهم، وهم من ينادون بعدم الاجتزاء، فإلى السياق: 

(وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (العنكبوت:50-52) 

فلو سألنا طفلاً في "البستان" عن المقصود بالآية لأجاب:

بأن المقطع المجتزأ الذي يستدلون به على استغنائنا بالقرآن عن السنة إنما جاء في سياق طلب المشركين معجزة مادية من الرسول صلى الله عليه وسلم، فرد الله عليهم مستنكراً طلبهم (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ؟!)، أولم يكفِ المشركين القرآن معجزةً ؟!
فحرفها القرآنيون إلى: (أولم يكفِ المسلمون القرآن تشريعاً حتى يتّجهوا إلى السنة؟!)
فيا له من إجرام بحق القرآن..!
ويا له من تحريف..!
والأمثلة على مثل هذه السّفاهات عندهم أكثر من أن تعد، ولكن نعدكم بأن نخصص لذلك مقالاً خاصّاً !


ثالثاً: الأدلة من الأحاديث المتواترة

إن القرآنيين يطلبون منّا أن نتنازل لهم - في سياق المحاجة - عن آلاف أحاديث الآحاد التي تثبت وجود تشريعات، ويطلبون منّا أن نسلَّم لهم بأنه لم يثبت من بين كل هذه الآلاف حديث واحد، وأن كلها مكذوب على رسول الله - لا على أساس منهجي في رد الأحاديث طبعاً، وإنما الرجم بالغيب والتكذيب بالجملة -، ولأنهم يعيبون علينا الجزء من الدين الذي نستند فيه على أحاديث صحيحة ظنيّة وليس على نصوص متواترة قطعية، فإننا نقول لا بأس، فلنتنزّل إلى مستوى المحاور ونركن عقولنا جانباً لحين القبول بهذا الأمر !

هذا في أحاديث الآحاد طبعاً، أما الحديث المتواتر الذي "يُفترض" أن يكون معتمداً عندهم بحكم أنه "قطعي الثبوت" فإن أنكروا المتواتر أيضاً جزمنا حينها بأن المسألة عندهم ليست مسألة تواتر وثبوت بل هي (شيء آخر؟!!)، وليست مسألة دفاع عن القرآن بل هي (شيء آخر؟!!)، وجزمنا بأنهم ليسوا على شيء.. ليسوا منهجيين.. ليسوا قرآنيين، فليخبرونا عن مصادر دعمهم وأهدافهم الهدّامة !


وعلى العموم فإنه يكفيني أن آتي بحديث متواتر واحد تضمن تشريعاً لإثبات القول بوجود التشريعات في "الوحي الآخر"؛ حيث ليست قضيتي في هذا المقام الخوض في حجم التشريعات التي تضمنها الوحي الآخر كما أسلفت.
ولكن بحكم "المعزّة" فسأغمرهم بسيل جارف من الأحاديث المتواترة تواتراً لفظياً، تاركاً خلفي بحوراً من الأحاديث المتواترة تواتراً معنوياً والتي تضمنت كماً كبيراً من التشريعات، حيث وجدنا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر وينهى، ويحلل ويحرم ناقلاً عن الله تعالى، فإلى طرفٍ من هذه الأحاديث التشريعية المتواترة نمضي:
حديث: دباغ الأديم طهوره 
حديث: هو الطهور ماؤه الحل ميتته
حديث: المسح على الخفين
حديث: من مسّ فرجه فليتوضأ
حديث: الزكاة في المال حتى يحول عليه الحول
حديث: حرم لباس الذهب والحرير على ذكور أمتي
أحاديث: النهي عن وطئ النساء في أدبارهن
حديث: النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع
حديث: تحريم الحمر الأهلية 
حديث: كل مسكر حرام
حديث: النهي عن بيع الغرر والمزابنة
حديث: الأئمة من قريش
حديث: الولد للفراش
حديث: لا نكاح إلا بولي
حديث: لا وصية لوارث
حديث: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.