فنون منوعة

فنان سوري: الرسم حاجة روحية لكي يستمر الناس بنضالهم

إحدى لوحات الفنان مصطفى يعقوب

"فنون من قلب الفوضى" عنوان واسع تتفرع منه لوحات متعددة ترسم وجع السوري الممتد منذ سنوات، ذاك الوجع الذي بات يحاول أن يخلق من أي أداة من أدوات الحياة فرحاً خفيف الظل وإن كان يشوبه مسحة حزن.

فنون!

الحياة بحد ذاتها فن، لكن ظروف الحياة التي نحياها قد تجعل منا أناساً نجيد ترويضها في الحصار. هناك الموت وهناك الجوع، وهناك ضجيج يُخْفِتُ كثيراً صوت غناءٍ مبحوحٍ لطفل يرتجف برداً، لكنك قد تلمح فناً يخلق بين يديه أو في حنجرته، فن الغناء وفن الرسم، غناء يلتف مع ضجيج القذائف والصواريخ، ورسم لمستقبل يحلم به.

في سوريا، وفي جنوب دمشق تحديداً الخارج لتوه من حصار جوع وموت وحرمان، يتجمع أهالٍ بسطاء حول عازف بيانو يعزف أنغامه فيتردد صداها بسرعة وسط مبانٍ مدمرة، ليعانق اللحن الدمار، وتبتسم الأفواه بأمل لسماع لحن الثورة. حازت هذه الصورة التي قام بتصويرها الناشط رامي السيد على إعجاب الآلاف، ونالت لقب أفضل صورة في شهر شباط/ فبراير للعام الجاري، ولاقت صدى في مناطق مختلفة من العالم، بحسب وكالة الأناضول.

الفوضى

الفن من قلب الفوضى هو ذاته الفن من قلب الثورة، الفن من قلب الحرب، الفن من قلب الثورة السورية ذاتها بكل ما تحتويه من متناقضات ومفارقات وحزن وفرح وأمل وألم ويأس وحياة. ففي النهاية كل شيء في الحياة يبدو فوضوياً، ولكنه يحمل في أعماقه نظاماً بديعاً سيغير وجه التاريخ يوماً وللأبد، هكذا يبرر الفنان السوري مصطفى يعقوب سبب فوضى لوحاته التي استوحى رسومها من قلب الموت المحدق بالسوريين من كل جانب، وأسماها "فنون من قلب الفوضى".

خارج الحدود

حدود الدمار والحرب، وجد الكثير من الفنانين السوريين أنفسهم أمام مسؤولية كبيرة، وهي تجسيد وجع أهلهم في الداخل وإيصال صوتهم إلى الخارج، من خلال لوحة أو رسمة أو نوتة موسيقية، فساهموا بالمشاركة بحفلات موسيقية عالمية كعازف البيانو الشاب "تامبي أسعد" الذي سيشارك في المسابقة العالمية للعزف على البيانو التي ستقام في روسيا، كما شاركوا بمعارض عالمية كالفنان "خالد خاني" الذي افتتح معرضه في باريس.

كما شارك الفنان مصطفى يعقوب بعدة معارض عربية وأجنبية، كمعرض الحوش الملكي في الأردن، وعدة معارض في أوروبا آخرها كان بمهرجان سانت جوست لومارتيل بفرنسا، وهو يعدّ من أرقى المهرجانات في أوروبا وأعرقها.  الآن هو في صدد التحضير لمعرض خاص لأعماله الفنية في ألمانيا تحت اسم "فنون من قلب الثورة".

وعن البدايات الفنية يتحدث الفنان مصطفى يعقوب في حديث لـ"عربي21"، قائلا: "بداياتي الفنية كانت مع انطلاقة الثورة السورية، فالمشاعر التي اجتاحتنا جميعاً حينها كانت كفيلة بتفجير الطاقات الكامنة داخلنا، وأولها الفن بأدواته المختلفة، الريشة، الآلة الموسيقية، الكلمة، اللحن، وغيرها".

وكانت أول لوحة رسمتها لطفلة صغيرة تحمل في يديها دمية وتضع يدها الأخرى على جدار عتيق متقشر يشكل وجه الساروت والفنانة فدوى سليمان، إضافة لخارطة حمص وعلم الثورة فوقها كرمز للوحدة الوطنية وقتها.

ولاقت الصورة وقتها انتشاراً واسعاً على صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية، وقد قامت قناة الجزيرة حينها بوضعها خلفية لأحد البرامج التي تتحدث عن الفن الثوري. ومنذ ذلك الحين، وبعد نجاح أول عمل فني ثوري له، صار العمل الفني بالنسبة للفنان يعقوب رسالة وتكليفا في هذه الثورة، على حد قوله.

في خضم هذا الموت، ماذا تعني اللوحة بالنسبة لك، وماذا يعني الفن خارج حدود الموت وبعيداً عمن يعانون من ويلات الحرب؟

يقول يعقوب: اللوحة بالنسبة لي هي متنفس وحاجة ملحة ومنطقة هروب من كل الدماء التي نراها يومياً، قد يقول قائل: وهل ستوقف لوحة فنية موت طفل أو انفجار برميل؟ إذاً ما الفائدة؟ ما هكذا تقاس الأمور، ولا هكذا يتم ربط الفن بالثورات والحروب، فالفن هو حاجة روحية ومعنوية للناس لكي يستمروا بنضالهم وصمودهم ضد الموت والشر في هذا العالم.

ويضيف: أنا مع الرأي القائل: في المعارك الأخيرة غير المتكافئة في القوة يكون الفن هو السلاح المكمل لهذه القوة مكمّلاً روحياً، فليس كل شيء في الحياة يقاس بشكل مادي.

ومع أن الفن قد نشأ مع نشوء الثورة السورية، إلا أن رسالته لم تصل -على ما يبدو- إلى الآن إلى من يجب أن تصله، ورغم ذلك لم يتوان السوريون لحظة عن مواصلة إبداعهم بشتى أنواعه. لم تجف الريشة، ولم ينخفض اللحن، ولم تشوه الصورة، ذلك أن الألم الذي حفر في قلوبهم قد يكون مورد إبداع يكفي أجيالاً لاحقة، ويرسم لها من تحت ويلات الحرب أزهى صور الأمل، كما رُسِمَت على الطرف الآخر أبشع أشكال الموت والدمار.