صحافة دولية

نيوزويك: العراق في ظل سليماني والمليشيات الشيعية

نيوزويك: جنرال الظل الإيراني سليماني يقوم اليوم بتدريب الميليشيات الشيعية - عربي21
كتبت المحللة والصحافية جانين دي جيوفاني مقالا في مجلة "نيوزويك" عن دور الميليشيات الشيعية في عراق ما بعد سقوط الموصل والدور الإيراني فيه، خاصة الدور الذي يلعبه قائد فيلق القدس، الجنرال قاسم سليماني ومشاركته في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. 

وحظيت صورة سليماني بصفحة الغلاف "انتقام: قاتل أولا الأميركيين والآن يقوم بسحق داعش"، وقالت إن جنرال الظل الإيراني يقوم اليوم بتدريب الميليشيات الشيعية.

كتائب حزب الله

وتقول جيوفاني: "في شارع خلفي مغبر من حي الكرادة في بغداد، التقيت هذا الشهر بالشيخ رعد الخفاجي، الضابط العراقي السابق في سلاح المدرعات، والمحارب السابق في الحرب العراقية- الإيرانية، وهو زعيم عشيرة ويقود في الوقت نفسه ميليشيا كتائب حزب الله، وهي واحدة من الميليشيات الشيعية التي تخوض الحرب ضد تنظيم الدولة في العراق".

وتضيف "بعد سقوط الموصل في تموز/ يوليو، أصدر المرجعية الدينية آية الله علي السيستاني فتوى دعا فيها (العراقيين كلهم للدفاع عن البلد وأهله وشرف مواطنيه ومقدساته)، أي الدفاع عن دينهم في حرب مقدسة ضد تنظيم الدولة".

وتتابع الكاتبة "يقول الشيخ رعد إن رجالا أعمارهم تصل إلى الستين جاءوا في الأيام الأولى لفتوى السيستاني إلى مكتبه، وناشدوه السماح لهم بالمشاركة في القتال ضد تنظيم الدولة".

ويشير التقرير إلى أنه " بحسب نائب مستشار الأمن القومي الدكتور صفاء حسين الشيخ، فقد شكلت كتائب حزب الله في الأشهر التي قادت لغزو العراق عام 2003، وكانت منظمة صغيرة ولكنها أكثر تنظيما من بقية الميليشيات، ماهرة وتختار أفرادها بعناية حتى بالمعايير الأمنية العراقية"

ويقول الشيخ للمجلة "في الماضي كان تركيز الكتائب على الأهداف الأميركية، وكانت تعبر عن تمرس وشراسة وتنظيم، ولم تستطع المخابرات الأميركية والعراقية اختراقها".

وتبين الكاتبة "عندما زرته كان الشيخ رعد (58 عاما) يجلس على مكتبه بضجر، مرتديا زي الحرب، ويلبس عددا من الخواتم المصنوعة من العقيق والفيروز، وكانت تجلس معه زوجته الشابة التي وللعجب لم تكن تغطي شعرها، فقد كانت تريد تسجيل اللقاء على هاتفها النقال".

وتواصل جيوفاني "ولا يجد الشيخ أي مفارقة بين كون داعمته المالية إيران هي عدوته اللدودة سابقا"؛ لأنه يقول إن "صدام هو الذي فرض الحرب (الحرب العراقية- الإيرانية) على شيعة العراق وإيران"، مضيفا "لقد كان خطأ صدام وليس خطأ إيران".

ويقول إن "عدد قوات كتائب حزب الله يصل إلى 4.000 مقاتل (مع أن المخابرات العراقية تقدر الرقم بحوالي 1.000 مقاتل) ولديهم ممارسة في الحرب في إيمرلي وسامراء، وتجربتهم السابقة للقتال مع حزب الله كانت في سوريا".
 
ويذكر التقرير أنه يسافر بين العراق وسوريا من أجل حماية المزارات الشيعية قرب دمشق، خاصة حي السيدة زينب جنوب دمشق.

ويضيف للمجلة "إن بعض رجاله يتلقون 700 دولار في اليوم من إيران للقتال في سوريا، ولكن العدد قليل رغم تسليح إيران لهم ببنادق (إكي-47) ورشاشات ثقيلة وخفيفة، التي كانت تستخدم في دول شرق أوروبا، التي كانت تابعة للمنظومة السوفييتية".

ويبين الشيخ "هنا نقاتل من أجل العدل ومن أجل ديننا وليس المال"، موضحا "لا تنسي أن هناك فرقا كبيرا بين حزب الله في إيران وحزب الله في العراق، فمن ناحية فلسفية نواجه عدوا واحدا، تنظيم الدولة وإسرائيل، ولكننا نقاتل من أجل العدل".

مقابر جماعية

وتحاول الصحافية ربط العدل الذي يبحث عنه بما تصفه بالمقابر الجماعية ومعاناة الشيعة، حيث تقول إن أكثر من 400.000 -700.000 شيعي اختفوا في عهد صدام، ووجد في قبر جماعي بقايا أكثر من 15.000 شخص، وفي أخرى قرب السماوة تم العثور على 72 جثة، معظمها تعود لنساء وأطفال. وتقول إن حوالي 60.000 شيعي اختفوا من بغداد في تلك السنوات.

وتتحدث الصحافية عن محاولاتها وعراقي آخر جمع الأدلة حول التعذيب في سجون صدام، خاصة سجن المخابرات "الحاكمية"، حيث عثرت على آثار التعذيب وأدواته والزنازين التي تجمد فيها الدم وما إلى ذلك.

ورغم اعتراف الكاتبة بأن العرب السنة هم الذي لوحقوا وقمعوا بعد سقوط صدام، إلا أنها تقول إنه من الصعب العثور على عائلة شيعية لم ينلها أذى صدام. وهذا ما يفسر بالضرورة بحث كتائب حزب الله عن العدل.

مجازر المالكي

وتشير الكاتبة إلى الحملة التي بدأها نوري المالكي، رئيس الوزراء المعزول في محافظة الأنبار من أجل إخراج الجهاديين من المنطقة، "لكن حملة القصف في مناطق الأنبار أدت إلى قلق منظمات حقوق الإنسان التي قالت إن القنابل لم تكن تسقط فقط على المتمردين، ولكن على أهداف مدنية وأحياء وعلى المستشفيات بالتحديد والمناطق السكنية. وتعامل السنة مع حملة الأنبار إشارة أخرى على الحرب الطائفية التي تتوسع، وبدا واضحا مع استمرار القصف أن القوات العراقية لم تكن تقوم بالمهمة لطرد الجهاديين بل وفتحت الباب أمام الميليشيات الشيعية".

ويعلق الشيخ، نائب مدير الأمن القومي "ما حدث هو أن بعض الجماعات الشيعية اقترحت المشاركة في القتال"، مضيفا "كانت هذه هي العملية الأولى لهم، وربما كان عددهم في البداية لا يتجاوز المئات من المقاتلين الشيعة حتى سقوط الموصل ثم تغير الوضع".

سقوط الموصل

وتجد جيوفاني أنه "عندما سقطت مدينة الموصل في 10 حزيران/ يونيو، سرت موجة من الوف في داخل سكان بغداد، وطارت الحقيقة والشائعات في شوارع وأسواق المدينة: لا يبعد مقاتلو تنظيم الدولة سوى 20 كيلومترا عن المدينة، التنظيم يقتل الشيعة ويغتصب نساءهم، جاء لتدمير الشيعة المسلمين".

وتروي "ثم جاء ما وصفه مدير مشرحة بغداد (ارتفاعا) في عدد السنة الذين قتلوا أو اختفوا من العاصمة، وكان انتقاما واضحا لما قام به تنظيم الدولة من قتل. وفي صباح يوم من حزيران/ يونيو أراني وعددا من الصحافيين عمل الميليشيات الشيعية: رجال سنة عذبوا وضربوا وقتلوا ورميت جثثهم في الحقول، حيث تعفنت وازرقت. وقال (لقد بدأت من جديد) في إشارة للحرب الأهلية في عام 2006".

وعنى مدير المشرحة أن " الميليشيات عادت من جديد للسيطرة، وملأت الفراغ الأمني الذي تركته وراءها قوات الأمن العراقي، ولكن عادوا حماة للناس، وأصبحت الحكومة تعتمد عليهم بشدة".

ويعلق الشيخ "يطلقون على أنفسهم جهاديين، وليس ميليشيات، وتعلموا مهارات الحرب من قتال الأميركيين المحتلين".

الحرس الثوري

ويستدرك التقرير بأن هذا الوضع "جلب عنصرا جديدا للعراق، وهو الاعتماد على إيران وتزايد نفوذها، حيث تخشى الدول العربية منذ الثورة الإسلامية عام 1979 من الأصولية الشيعية. ولكن اليوم في بغداد فمعظم الرجال الذين برزوا لقتال تنظيم الدولة في أعقاب سيطرته على الموصل هم من الشيعة، ومن الواضح أن لديهم أجندة دينية وسياسية".

وبحسب مصادر متعددة داخل الحكومة العراقية "فأموال المقاتلين الشيعة تأتي بشكل كبير من طهران، وكذلك أسلحتهم وأفضل المدربين"، وفق التقرير.

ويذهب التقرير إلى أنه "جزء من عودة الميليشيات الشيعية هو آية الله علي السيستاني ودعوته للسلاح في تموز/ يوليو، التي جاءت بعد هزيمة الموصل، فقد جاء تدفق الشيعة من الأعمار كلها، حتى من هم في سن الستين، وقاتلوا في الحرب العراقية – الإيرانية، كان الوضع مدهشا، فقد ازدحموا في ثلاثة أو أربعة مراكز للتجنيد في بغداد، وتم التأكد من ملفاتهم، وإرسال نصفهم تقريبا للحزام المحيط ببغداد، ومن ثم نقلوا للقتال إلى جانب ما تبقى من القوات الأمنية التي تدنت معنوياتها".

ويلفت التقرير إلى أنه "بالإضافة لتجربتهم في قتال العراق، فإنهم تدربوا أثناء مشاركتهم في المعارك الأخيرة في سوريا، حيث أرسل الكثير منهم لحماية المزارات الشيعية في سوريا؛ لتبرير وجودهم هناك".

ويورد التقرير "تأكيد العراقيين أن لا خوف من وجود إيران في العراق، ويؤكدون أيضا، وبطرق عديدة، أن ولاءهم مرتبط بإيران".

ويتساءل موفق الربيعي، مستشار الأمن القومي السابق "من جاء لإنقاذنا بعد ثلاثة أيام من سقوط الموصل". ويجيب "لم يكن الأميركيون، الذين قاموا بإرسال غاراتهم السحيقة بعد ثلاثة أشهر عندما قطعت رؤوس مواطنيهم، مقارنة مع سرعة الرد الإيراني لبغداد وأربيل، والذي جاء بعد يوم".

وتفيد الكاتبة بأن "الإيرانيين أرسلوا 88 مقاتلة (سوخوي) روسية الصنع خلال أسابيع، وأرسلوا أفضل مقاتليهم لتدريب وتقديم الاستشارة (أي أعضاء الحرس الثوري الجمهوري)، وأرسلوا طيارين وأسلحة وملابس عسكرية، وأرسلوا أيضا قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الذي يعده القادة العسكريون قائدا استراتيجيا ممتازا".

لا سر بعد اليوم

وتبين الكاتبة أنه "في الوقت الذي كانت تحركات سليماني تتسم بالسرية، إلا أنه سمح بالتقاط الصور له في أيلول/ سبتمبر أثناء معركة إيمرلي في رسالة للغرب أن إيران حاضرة في العراق".

وينفل التقرير عن أحد القادة السياسيين الشيعة البارزين في بغداد قوله إن سليماني "موجود دائما في بغداد وشمالي العراق"، مضيفا "بالطبع تعرف الحكومة العراقية عن وجوده، فهو رجل ذكي، ويحب الحرب أيضا ويجيدها".
 
وعندما سئلت المجلة الربيعي عن السبب الذي يجعل العراق يثق بإيران رغم الإرث المر بينهما والقتلى، هز كتفيه وقال "نحن نواجه تهديدا وجوديا -تنظيم الدولة الإسلامية- ونلجأ في هذه الحالة لأي وسيلة".

وتعلق جيوفاني أن هناك الكثير من العراقيين ممن يرون في الميليشيات ضرورية لنجاتهم، ويقول سجاد جياد، الباحث في معهد الإصلاح الاقتصادي في لندن "تعتبر الميليشيات قوية، ولكنها برزت بقوة؛ نظرا للفراغ الأمني، ولديها مصادر جيدة ومقاتلون ملتزمون"، مبينا "معظم المجتمعات الشيعية التي تعاني من السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية سعيدة بوجودهم لحمايتها".

ويقول الربيعي إن حقيقة دعم إيران للعراق تعني أن على الولايات المتحدة التصالح مع إيران "بصفقة ودون صفقة تتعلق بالسلاح النووي، فمصالحة أميركية- إيرانية ستسهم وبشكل كبير في الاستقرار الإقليمي"، وفق التقرير.

ميليشيات كثيرة

ويتناول التقرير أن كتائب عصائب الحق، وهي من بين الميليشيات الرئيسية، سجن قائدها بتهم الإرهاب أثناء الاحتلال الأميركي، وهي جماعة يعتقد أنها حلقة إجرام في قلب الميليشيات، وهو اتهام صحيح ولكن ليس دائما".

وهنا يدلي الربيعي بدلوه مرة أخرى "عندما يحدث شيء في بغداد، يلقى اللوم على عصائب الحق"، مصورا ما تفعله وكأنه فعل تلميذ مدرسة شقي، وليس قتلة أصحاب خبرة.

وتشير الكاتبة إلى أن "هناك فيلق بدر الذي شكل في الثمانينيات من القرن الماضي أثناء الحرب العراقية- الإيرانية، والثالثة هي كتائب حزب الله التي يقودها الشيخ رعد، ويضاف إلى هذه عدد آخر من الجماعات المنشقة التي برزت في الأحياء الشيعية في بغداد".

وترى جيوفاني أنه "مع تأثير الميليشيات يأتي التأثير الإيراني السياسي والديني، والسؤال هو ماذا سيحدث عندما ستتم هزيمة تنظيم الدولة، والتي يعتقد الربيعي أنها ستحتاج إلى ما بين 7-10 سنوات أيديولوجيا، فهل ستكون إيران مستعدة لحزم أمتعتها والعودة؟ من المحتمل لا، كما يقول الربيعي، ولكنه يقول إن الوقت قد حان كي يخفف الغرب من (حساسيته) تجاه إيران".

ما هي نهاية اللعبة؟

وهنا تتساءل الكاتبة "ما هي نهاية اللعبة؟ هناك مخاوف من تكرار سيناريو الحرب الأهلية في لبنان، حيث تقوم فيها الجماعات الطائفية المختلفة بالشغب في أنحاء البلاد كلها، أو يرفض الشيعة الذين ذاقوا طعم القوة اليوم والدعم الإيراني إعطاء السنة حصة عادلة بعد تدمير تنظيم الدولة".

ويجد التقرير أنه "بالنسبة للدبلوماسيين الغربيين فما يقلقهم هي الكيفية التي ينظر فيها الشيعة للمستقبل، تساءل أحدهم (هل يفكرون بعراق شيعي بالكامل يديرون فيه إقطاعيات صغيرة)".

ويذهب التقرير إلى أنه "مهما كان دورها في المستقبل، ففي الوقت الحالي لن تذهب الميليشيات لأي مكان، فهي مهمة لإنهاء الحرب ضد تنظيم الدولة. ويقول مستشار أمني غربي في بغداد إن الميليشيات الشيعية (ضرورية) لتقوية الجيش العراقي الواهن".

وينقل التقرير عن صفاء حسين الشيخ، نائب مستشار الأمن القومي "الحقيقة هي أن الميليشيات أثبتت قدرة على القتال أكثر من قوات الأمن في أكثر من موقف، ولديها تجربة في قتال الأميركيين سابقا وسوريا حديثا".

جرائم الحرب الشيعية

وجاء في التقرير أن "في الأشهر الأخيرة قامت الميليشيات الشيعية بعمليات اختطاف وقتل المدنيين السنة في بغداد ومناطق البلاد الأخرى. وتواصل هذه الميليشيات، التي عادة ما تكون مسلحة ومدعومة من الحكومة، العمل وعلى مستويات مختلفة مع قوات الجيش العراقي. لكل هذه الأسباب تحمل أمنستي إنترناشونال الحكومة العراقية المسؤولية الكبيرة عن انتهاكات حقوق الإنسان الصارخة، بما فيها جرائم الحرب التي ارتكبتها هذه الميليشيات".

وتبين المجلة أنه تم التأكد من التقارير التي قدمتها عائلات الضحايا، وأكد صحتها موظفون في وزارة الصحة العراقية، الذين أخبروا أمنستي إنترناشونال أنهم استلموا قي الأشهر الماضية عددا من الجثث، التي لم يتم التعرف عليها، لرجال تظهر عليهم آثار الرصاص والجروح التي أصابت رؤوسهم، وكانت مقيدة أيديهم لظهورهم إما بقيود حديدية أو بلاستيكية أو حبال.

ويلفت التقرير إلى أن "بعض الضحايا قتل بعد أن دفعت عائلاتهم فدية ضخمة. وأخبرت عدة عائلات أمنستي إنترناشونال إنها تلقت المكالمة اللعينة من الخاطفين بعد أن قاموا بجمع الفدية ودفعها لتكتشف أن الأعزاء عليها قتلوا وضاعت أموالهم".

من تقرير "حصانة مطلقة- حكم الميليشيات في العراق" وهو تقرير أعدته أمنستني إنترناشونال.