مقالات مختارة

كلنا في مركب واحد... والغرق آتٍ

1300x600
كتبت نايلة تويني: يشعر اللبنانيون بأنهم متروكون لقدرهم، لا أحد يقرر في أمور أمنهم وحياتهم، لا أحد يدافع عنهم، كأنهم يعيشون في اللادولة، في ظل فراغ مستحكم في أعلى الهرم، أي رئاسة الجمهورية، وضياع في المؤسسات الأخرى التي فقدت دورها الحقيقي. فراغ يتعمق كل يوم، لا بشغور المؤسسات فحسب، بل أيضاً برحيل كبار ممن أثروا الثقافة الوطنية برجاحة عقل في زمن التعصب والأهواء المتفلتة، وآخرهم المفكر منح الصلح، الذي نودعه اليوم، صوتاً معتدلاً ومحارباً الطائفية والمذهبية والفكر التقسيمي.

الرئاسة الأولى شاغرة ولا أفق للحل في ظل تشبث أعمى بالكرسي يكاد يطيح الموقع، ولا قدرة لمجلس النواب على الانتخاب مع الانقسام الحاد الذي يعطل أيضاً دوره التشريعي، بعدما ألغت تركيبة الطائف دوره الرقابي. أما الحكومة، فحدث عنها ولا حرج. والكلام ليس في موضع الهجوم عليها كما يفعل البعض، لأن تركيبتها لا تعينها في الإقلاع أكثر مما أقلعت. تقاسم الحقائب يجعلها مقاطعات تتضارب مصالحها، كما حصل في جلسة الخميس الماضي، إذ أُرجئت كل الملفات الخلافية، والتي تشم منها رائحة المصالح غالباً، ووضعها القانوني في غياب الرئيس يرسم معالم تعطيلها.

ما يعنينا أكثر من كل هذا، هو الخوف الذي اقتحم حياة اللبنانيين. فقضية الحدود مع سوريا تقلقهم في الشمال والبقاع والجنوب، ولا اتفاق على حلول لها، في ظل عدم ترسيم الحدود مع سوريا، وانعدام القدرة حالياً على ضبط تلك الحدود المفتوحة أمام أحزاب وتيارات ومجموعات اصولية، لبنانية وسورية، تستبيحها وتستبيح معها كرامتنا الوطنية. وقضية العسكريين المخطوفين المعقدة حتى تاريخه، يضاف إليها إطلاق النار على عسكريين في مناطق شمالية، لا يبشران بخير. بل ينذران بأقصى العواقب لحال الفلتان وتراجع الانتماء الوطني. ووجود "داعش" و"النصرة" على الحدود، وتورط "حزب الله" في الحرب السورية بحجج مختلفة، مع ردات الفعل التي استتبعها تورطه، كلها أسباب تزرع الإحباط في نفوس اللبنانيين، وتدفعهم غالبا إلى البحث عن تأشيرة هجرة إلى أي بلد في العالم.

في مقابل هذا الوضع المأزوم، باتت الحاجة ملحة إلى صدمة إيجابية، وهذه لا تتوافر إلا بتوافق الحد الأدنى بين المجموعات والأطراف، المأزومين أيضاً. فكل الطوائف والأحزاب في أزمة، وفي انعدام وزن ورؤية، ولا يمكن أحداً أن يزايد على أحد، لأن الجميع في مركب واحد آيل إلى الغرق ما لم يتداركوا المخاطر المحدقة به.

الوضع الأمني يهدد الجميع، والتراجع الاقتصادي يضغط على الجميع، والواقع الاجتماعي المعيشي المتردي لن يوفر أحداً... فماذا ينتظر السياسيون الفاعلون؟ والأحزاب؟ وأرباب الطوائف والمذاهب؟ ألا يستحق خطر الغرق قيام حال طوارئ والنزول من الأبراج العاجية قبل أن تنهار أسسها على الجميع ويندموا ساعة لا ينفع الندم؟!


(النهار اللبنانية)