قضايا وآراء

الحركة الإسلامية وقفة لابد منها

1300x600
منذ بداية القرن الماضي والعمل الإسلامي يأخذ أشكالاً متنوعة باتت واضحة المعالم للقاصي والداني، بل وإن من الإجحاف إنكار دور الحركات الإسلامية في المجتمعات العربية والإسلامية، والحق يقال أن كل دولة من هذه الدول يدين لهذه الحركات بجميلٍ ما كانت لتصل إليه لولا وجود هذه الحركات وفاعليتها على الأرض وبين أطياف المجتمع.

والحق يقال أيضاً أن هذه الحركات اليوم باتت بأمس الحاجة لمراجعاتٍ عميقة تشمل السياسات العامة والأولويات، كما تشمل الأنظمة الداخلية المعمول بها والوسائلها المتبعة في نشر فكرتها واستقطاب مناصريها وشروط أعضائها.

إن المجتمعات اليوم غير مجتمعات الأمس ونسيج الدولة اليوم بات مختلفاً عما كانت عليه قبل قرن من الزمن ( وهو الوقت الذي بدأت تتشكل فيه معالم هذه الحركات وأدبياتها) وهذا ما يفرض عليها إعادة صياغة نمطية التعامل مع الذات ومع الآخر على حدٍ سواء.

وإذا كانت هذه الحركات تتخذ من الإسلام مرجعية لها وأساساً في تكوينها الفكري والثقافي، فمن الواجب أن تعكف على دراسة أولوياتها ووسائلها من حيث بدأت الرسالة في مهدها الأول زمن الرسول الكريم ( قبل خمسة عشر قرناً) لا من حيث بدأت الحركات بالتشكل ( قبل قرن من الزمن) فالتراث العميق زاخر بالكثير من التجارب التي من الممكن الاستفادة منها والوقوف عليها.

وإذا كانت الحركة الإسلامية اليوم تنظر إلى المشاركة السياسية وقيادة الشعوب عبر بوابة السياسة فإن هذه البوابة مليئة بالمفاجآت وتؤدي إلى الكثير من الدهاليز، وأنها لا شك باتت علماً وفناً له أهله ورجاله، وأن عقلية الوعظ والإرشاد لا تصلح بأي حالٍ من الأحوال لمثل هذه الطريق.

وإذا كانت الحركات الإسلامية باتت تدير وتشرف على الكثير من المؤسسات ( اجتماعية وعلمية واقتصادية ….. الخ ) فإن الأولى أن تدار هذه المؤسسات ومنها مؤسسة الحركة نفسها، بصورة تعكس أصالة العمل الذي يرتضيه هذا الدين لها، لا ما ترتضيه أهواء القائمين عليه، فالعدالة والأمانة والإتقان مطالب ليست بالثانوية في أي عمل يقوم به المسلم.

من المسؤول؟

إن مسؤولية التجديد المنشود لعمل الحركات الإسلامية لابد أن يحدد بثلاث أنماط:
الأول : وهو الأهم يقع على كاهل القيادات التي ارتضت لنفسها قيادة العمل الإسلامي، بل وإنها اليوم أحوج ما تحتاج إلى التجرد والإخلاص، والبعد كل البعد عن الأساليب التي اتخذها البعض من أساليب الاستقواء واحتكار السلطة مهما كلف الأمر.

والثاني: فهو واجبُ الأفراد الذين ارتضوا لأنفسهم الانخراط في صفوف هذه الحركات، وهم لا شك وقود تلك الحركات بشرياً ومالياً ومعنوياً، ويقع عليهم مسؤولية النصح السليم وتصويب قرارات القيادة، ويقع عليهم واجبٌ هو الأهم، يتمثل ببيان الصورة المشرقة لكل ما هو إسلامي، والتمثل الحقيقي بتعاليم الدين وإعطائها الأولوية في السلوك والمعاملات.

أما الثالث: فهو واجب المناصرين من غير أبناء أو أعضاء هذه الحركات، وهو واجب الدعم المعنوي والمادي على حدٍ سواء، وهو واجب النصح في المؤتمرات واللقاءات التي لابد للحركات أن تحرص عليها بين الفينة والأخرى.

من أين نبدأ؟
على قدر الهمم والطموحات تكون البدايات.
في لقاء ضم مجموعة من أبناء الحركة الإسلامية ومناصريهم كان الحديث مطولاً عن ماهية المشروع الإسلامي في القرن الحالي. وهل اختلف عما كان عليه سابقاً؟؟ في إشارة واضحة إلى أن المشروع اكتسب نوعاً من الجمود! كما دار الحديث عن أولويات المشروع الإسلامي ونموذجه الأمثل. وطرح مثل هذه الموضوعات إنما يدل على الكثير من المؤشرات التي لا بد من الوقوف عندها، ومن أهمها:

أولاً: أن الحركة الإسلامية وقعت خلال الفترة الماضية في الخطأ الذي لامت فيه الحكومات، وذاقوا الكأس الذي شرب منه الآخرين، فالجمود والتأخر في التطور واحتكار السلطة هي أمراض لابد من محاربتها بشتى الوسائل، ولا بد من معاقبة من تسبب بها.

ثانياً: أن الحركة الإسلامية اليوم تعيش أزمة ( ردود الأفعال) وهي أزمة لا شك ناتجة بسبب احتكار السلطة والجمود.

ثالثاً: أن الحركة الإسلامية قادرة على استلام زمام الأمور في اللحظة التي تكون فيه قادرة على صياغة تصور واضح لكل قطر على حده، وتكون في ذات الوقت بعيدة كل البعد عن التقليد لنجاحات الأقطار الأخرى.

رابعاً: أن على الحركة الإسلامية أن تنأى بنفسها عن سياسة الإقصاء والتهميش التي يحاول البعض أن يزجّ بها في صفوفها، وبالتالي فإن خسارة الحركة للعديد من أبنائها مؤشر لا بد من الوقوف عليه طويلاً.

خامساً: لا بد للحركة الإسلامية أن تستشعر الهدف الأساسي لقيامها، والعمل الجاد من أجل تجديد الفكر والحرص على دعم المفكرين وحثهم على إنتاج الكثير من ألوان وأشكال الأدبيات التي تصلح أن تكون زاداً للمرحلة القادمة.

إخوان سابقون:

لا يخفى على أحد حجم الخسارة التي تكبدتها الحركة الإسلامية جرّاء خسارتها للعديد من أبنائها، الأمر الذي برر له البعض بأن القافلة تمضي مستشهدين بشطر من حديث شريف “ لا يضرهم من خالفهم “، وهذا الاستشهاد لاشك أنه باطلٌ من عدة جهات:

الأول: أن الضرر المقصود والمخالفة التي عناها الرسول الأكرم هي مخالفة الدين وتركه لا مخالفة التنظيم والحركة، فبعض هؤلاء الذين تركوا الحركة الإسلامية مازالوا حتى اللحظة يقدمون لدينهم أكثر مما قدم الذي ما زالوا في صفوف التنظم، بل وإن مجهودات بعضهم فاقت بكثر مجهودات الحركة في نفس المجال، والشواهد كثيرة.

الثاني: أن الكثير من هؤلاء أجبروا على ترك مواقعهم ظلماً وتعسفاً، وليس اختياراً منهم وطواعيةً.

الثالث: أن الكثير منهم لم يبادروا الحركة الإسلامية بالإساءة، بل إن الحركة هي من أساءت لهم وشوهت صورتهم عبر بعض أبنائها وقياداتها، حتى صُوِّر بعض من ترك الحركة بمنافقين وطلاب سلطة …. الخ.

وبالتالي فإن خسارة الحركة الإسلامية من خروج الكثير من أبنائها واضحة ولا بد لها من وقفة واعتذار.

نقد ذاتي أم تشهير؟

في فترة من الزمن، حيث السرية هي الطابع الأساسي لعمل الحركة الإسلامية كان الخوف من النقد ظاهراً، حتى في المحافل الخاصة.

ويبدو أن ذلك لم يتوقف حتى اللحظة، بنسبٍ متفاوته، مع أن من المنطق وفي عصر كعصرنا أن يكون للنقد الذاتي والخارجي مساحةً واسعة، منه تتحدد أعمار المؤسسات وفاعليتها، فالنقد إن توفرت شروطه يعدّ من أهم مقومات العمل ( أي عمل) وإلا فإن تراكمات الأخطاء هي البديل.

وهنا يجدر الإشارة لما كتب الدكتور خالص جلبي حيث أفرد كتاباً خاصاً في هذا الموضوع ينبغي الرجوع إليه ودراسته بعمق وهو كتاب “ في النقد الذاتي للحركات الإسلامية “ وبين سطور هذا الكتاب نجد أهمية النقد الذاتي و حاجة الحركات الإسلامية له كما نجد أيضاً بُعد هذه الحركات عنه.

وفي الوقت الذي كان البعض يتجاوب للنصح ويرى فيه نقداً دافعاً للعمل حاول البعض الآخر إغلاق الآذان والنأي جانباً، متذرعين بشتى أنواع الأعذار ( زماناً ومكاناً وقدرة ….).

إذن فالفرق واضح بين النقد والتشهير، وعلينا أن نهجر عُقد الشك التي في المجمل تحرمنا من خيرٍ كثير.

وأن عملية النقد لا بد أن تترسخ بشكل منهجي، لا بشكلٍ عفوي شخصي، ويمكن أن يكون ذلك من خلال مؤتمرات خاصة وعامة.

المستقبل لهذا الدين.

لقد كان لكتاب الشهيد سيد قطب - رحمه الله - “ المستقبل لهذا الدين” الأثر الكبير على معنويات شباب الحركة الإسلامية في العقود الماضية، ولكن سوء فهم هذا الكتاب وعدم توظيفه التوظيف الصحيح حال دون اكتمال الفرحة، فالبعض كان ينظر للنصر على أنه هبة لا بد منها بغض النظر عن الوسائل والمعطيات، متناسين أن سنن الله تعالى في الكون والمجتمعات لا بد لها من شروط، ومنها سنة انتصار المؤمنين على أعدائهم.

إن التمكين لا بد قادم حين تكمل شروطه وأركانه، وأن سنة التمكين لها شروطها وأركانها، فالله تعالى لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإن تنصروا الله ينصركم، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وغيرها الكثير، فالتغيير ( سلباً أو إيجاباً ) لا يكون إلا بشروطٍ وأسباب هي في الواقع من صنع البشر، وأن الدعاة والحركات الإسلامية جزء من مجموع البشر الذين لا بد لهم من التغيير ليستحقوا التغيير.

وهنا يبرز أن فهم البعض لما قالة الشهيد سيد قطب - رحمه الله - وما أراده من كتابه لم يكن فهماً دقيقاً، وأذكر أن من هؤلاء البعض من حكم وتغنى بالكتاب دون أن يقرأ ما فيه مكتفياً بعنوانه وغلافه.

العمل النسائي.

مع ما يراه البعض من محدودية العمل النسائي في الحركة الإسلامية، إلا أن الواقع أثبت فاعلية العديد من الأدوار النسائية، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الدور الذي شاركت فيه قطاعات كبيرة، هو الدعم المعنوي وتوفير البيئة المناسبة الذي حظي به الكثير من رجالات الحركة، ولا يقل عن ذلك الدور أدوار أخرى في التربية والتعليم ونشر الفكرة والترغيب فيها، بل وامتد ليصل مناصب سياسية وقيادية رفيعة.

هذه الأدوار لم تكن عبثية، أو ارتجالية وليدة اللحظة، لكن المأخذ عليها أن تطورها لم يكن مساوياً لتطور وتقدم غيرها من الأدوار، وهنا جاءت مداخل النقد والتذمر على حدٍ سواء.

كان النقد واضحاً ويحمل في بعض الأدوار دوراً مشبوهاً، الهدف منه زعزعة الثقة بدور المرأة في الحركة ليستحوذ عليه من ليسوا بأهلٍ له، أو بالأخرى ليتستفرد به من ابتعد كل البعد عن المشروع الإسلامي، شكلاً ومضموناً.

أما التذمر فلا شك أن له ميزة إيجابية، فليس كل الأخوات زوجات أو أمهات، ومع ذلك فإن من حقهنّ البحث عن دور لا يقل أهمية عن دور الأخريات. وهو ما لم تقدمه الحركة كما يجب.

وهنا أرجع بالذاكرة إلى أيام الدراسة الجامعية وكيف كان ينظر البعض إلى عمل الطالبات، وكيف كان يشكك بقدراتهنّ، بل ويسعى إلى تحجيمه، تحت دواعٍ واهية أثبتت مع الزمن أنها داعٍ لا أصل لها ولا مستند.

بين حماس الفلسطينية والعدالة والتنمية التركية.

في عام 1995 م التقيت بأحد الشباب من أصلٍ مغربي وكان وقتها يعدّ رسالة دكتوراة في العلوم السياسية، الشاب مقيم في كندا وقد اختار لبحثه موضوعاً يدرس فيه كبرى الحركات الإسلامية فاختار ( الإخوان المسلمون في مصر، حماس في فلسطين، جبهة العمل الإسلامي في الأردن وحركة النهضة في تونس)، وقد خطر في نفسي التساؤل التالي: إذا كانت هذه الحركات هي الأفضل قبل ما يقارب العشرين عاماً فهل ما زالت هي الأفضل حتى الآن؟؟
والإجابة على هذا التساؤل لابد أن تكون دقيقة ومتأنية، لأن لها ما بعدها.

فإذا كانت نعم قد حافظت على تميزها وتصدرها فأين هو الناتج العملي على أرض الواقع لهذا التميز؟!

وإذا كانت لا فأين الخلل؟ وما الذي دفع هذه الحركات إلى التراجع؟، أو بصيغةٍ أخرى؛ ما الذي جعل غيرها من أحزاب وحركات يتفوق عليها؟؟

إن الفارق يبدو واضحاً جداً إذا قارنا بين حركة على الساحة الجهادية ( حماس ) وحزب سياسي بحت ( العدالة والتنية) فكلاهما تميز في جانبه، واستطاع أن يجني ثقة شعبه بمستوي ملموس دون التفريط في الثوابت والمنطلقات، بل ودون التفاوض عليها.

حماس أبدعت حين وصلت إلى مرحلة تفرض شروطها، وجعلت من وسطاء الأمس من يتمنى رضاها في مبادراته، بعد معركة العصف المأكول.

والعدالة والتنمية قدمت نموذجاً ليس غريباً عليهم، تناسب تماماً مع مسماهم، وحقق لدولة مثل تركيا الكثير من الإنجازات السياسية والاقتصادية، حتى أصبحت أنموذجاً يقتدى به.

المتتبع للنموذجين لا يلحظ أن بينهما أي نوعٍ من التقليد، بل إن كلاهما تميّز بمعطياته ونتائجه، وهو ما افتقد إليه آخرون.
باختصار من أجل التصحيح.

لا شك أن الكثير من النقاط بانتظار الإجابة، والكثير من التحديات والآمال تحتاج إلى الكثير من الجهود، ليس من أجل بناء أمجادٍ شخصية، ولا من أجل بناء مكاسب ذاتية، فالمشروع الإسلامي خير من تغنى بالتجرد والإخلاص والبعد عن المصالح الآنية، وهو في عصوره الذهبية، خير من قدم للبشرية من نماذج الإصلاح حتى وصف جيل الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بـ ( الجيل القرآني الفريد) فهم ولا شك، لم يكتسبوا هذا الوصف بالتمنى ولم يكتسبوه بالتجنّي، لكنهم اكتسبوه بما يحملون للإنسانية جمعاء من خير وحب وانتماء.

وهنا يجدر الإشارة إلى أن قضايا الأمة على أهميتها هي لا شك قضايا لا بد أن تفرَز ويعاد النظر فيها، لتتأقلم مع عالمية هذا الدين، والواجب على دين العالمين، دين الرحمة للناس أجمعين، أن يكون على قدر هذه العالمية، وأن يتسع لجميع أنماط البشرية، كما وسعهم في عهده الذهبي الأول.

“ إنّ أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهذا النبي”

وإن أولى المسلمين بمحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وحسن البنا وسيد قطب وسعيد حوى وعزالدين القسام وعبد القادر عودة ويوسف العظم وغيرهم ….، أولئك الذين فقهوا منظومة الدين بجوانبه المختلفة، كما أراده الله تعالى وكما شرحه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وسار على نهجه ألوا الفهم والبصيرة طيلة القرون الماضية.

لذا أنصح العاملين على العمل الإسلامي بالتالي:
1. العمل على إعادة صياغة أدبيات الحركة الإسلامية بما يتناسب مع واقع الحال.
2. إعادة النظر في أولويات العمل الإسلامي وصياغتها الصياغة المناسبة.
3. البعد عن التعنصر لقضايا هي جزء من كُل. 
4. الإعلان عن مؤتمر التصحيح العام ويكون بشكل دوري ضمن خطة واضحة معلنه.
5. إعادة صياغة اللوائح الداخلية المنظمة للعمل العام، وخصوصاً ما يتعلق بانتخاب القيادات وأسس اختيارها.