قضايا وآراء

التلاعب بالشعوب.. درس من روسيا

1300x600
"عملي كان الخداع"...هذا هو الاسم المعروف به مقابلة شهيرة أجريت مع رجل مخابرات سوفيتية KGB يدعى"يوري بزمينوف " بعد أن هرب إلى أمريكا في السبعينات من القرن الماضي. وكانت المفاجأة –السارة- أن أجد فيها إجابات عن أسئلة محيرة تتعلق بالحالة المصرية الراهنة ومواقف تبدو لي غريبة غير مفهومة ولا مبررة من أشخاص على مستوى عالي من الثقافة. 

المقابلة تلفزيونية يرجع تاريخها إلى 1985. وهي شيقة جدا في عمومها ومدتها حوالي الساعة والثلث.. تحدث فيها يوري عن الحرب الخفية لتحطيم الشعوب بطرق قانونية شرعية والتلاعب بالرأي العام وتزييف الحقائق... وغير ذلك كثير!
 
ثلاثة مقاطع فقط من هذه المقابلة اخترت أن أترجمها بدون تعليق مني إلا بضع كلمات أضعها دائما بين (قوسين).فكل ما ستقرأه خارج القوسين هو نص كلمات رجل المخابرات.

المقابلة متاحة على الإنترنت لمن يهتم ولمن سيدفعه شدة التطابق للتشكيك في مصداقية الترجمة. كل ما عليك فعله أن تسقط ما يقال منذ سبعينات القرن الماضي على أحداث اليوم، وثق أنك لن تحتاج الى بذل مجهود كبير، فالتشابه أوضح مما تظن
 
مقطع 1: الحمقى المفيدون Useful Idiots:

<<معظم نشاط إدارتي كان تجميع المعلومات حول الأفراد الذين لهم دور فعال في خلق الرأي العام ، والناشرين، والمحررين والصحفيين والممثلين والتربويين وأعضاء البرلمان وممثلي دوائر الأعمال. كانت التعليمات الصادرة الي: حاول الوصول للدوائر الأعلى.. وسائل الإعلام (هل تذكر الحديث المسرب عن أذرعنا في الإعلام)، صناع ومنتجي الأفلام، من يطلق عليهم المثقفين (النخبة)، الساخرون (فاكرينه؟) و من يفتقرون إلى المبادئ الأخلاقية الذين هم إما طامعين أو يعانون من إحساس مفرط بأهميتهم..
هؤلاء هم الناس الذين نهتم بتجنيدهم أو التعامل معهم.
 
يتم تقسيم معظم هؤلاء الناس إلي مجموعتين:

أولئك الذين يستجيبون لسياستنا وهؤلاء نعمل ليتم ترقيتهم إلى مناصب السلطة من خلال وسائل الإعلام و التلاعب بالرأي العام.

والمجموعة الأخرى التي ترفض سياستنا يكونون مرشحين للاغتيال المعنوي أو حتى الاغتيال الجسدي بالـ"الثورة المضادة ". (هذه هي الكلمة المستخدمة بالنص )

ما اكتشفته وأرعبني بصفة شخصية أن في قوائم المرشحين للاغتيال أسماء صحفيين وأشخاص كانوا مواليين لنا. لماذا؟ معظم الحمقى المفيدون يخدمون هدفا واحد في مرحلة "زعزعة الاستقرار" وعندما يتم الانتهاء من العمل فهم لا شيء، ليست هناك حاجة لهم أكثر من ذلك. وهم يعرفون أكثر من اللازم. وعندما تخيب آمالهم يصبحون من أشد أعداءك. (كم شخصا ساعد الانقلاب وانتهى به الأمر في سجون الانقلاب أو مطرودا من جنته)
 
بعض الحمقى عندما نصل بمن نريد إلى السلطة يشعرون بالإهانة لأنهم كانوا يعتقدون أنهم سوف يصبحون على رأس السلطة. وبعضهم عندما سيرى كيف سيحكم نظامنا على أرض الواقع ، لن يكونوا سعداء وقد ينضمون إلى صفوف المعارضين. (هل تحتاج أن ألفت انتباهك إلى مواقف شباب الثورة وبعض المثقفين...).
 
إن هذه الأمور تحدث بنفس النمط في كل مكان. في اللحظة التي ينتهي الغرض منه ويتم استنزاف هؤلاء الحمقى المفيدون يكون مصيرهم إما الإعدام ، أو المنفى أو السجن.>>
 
 مقطع 2: يتحدث عن أحد "الزعماء الروحانيين " الهنود":

<<كنا مهتمين بهذا الرجل ... الزعيم الروحي العظيم: أن تنحصر في التأمل ( أن تنقطع للعبادة) يعني أن تعزل نفسك عن القضايا الاجتماعية و السياسية الحالية في بلدك، وتنحصر في القوقعة الخاصة بك! لقد أعجبتنا جدا هذه المدرسة، إنها مثل مركز غسيل المخ للأغبياء. وأتباع هذه المدرسة يصبحون عجينة أكثر طوعا في يد المتلاعبين الرأي العام ، و الـمخابرات من الشخص العادي
 
لماذا؟؟ لقد ذكرت ذلك للتو. إذا نظرت بعناية ستجد أن ما يتعلمه هو : أن معظم المشاكل، و معظم القضايا المشتعلة اليوم يمكن حلها ببساطة عن طريق التأمل (الانقطاع للعبادة). لا تحرك ساكنا. لا تتدخل . فقط اجلس وانقطع للتأمل (العبادة). و سوف يحدث شيء ما فتستقر الأمور من تلقاء نفسها.
 
وهذا هو بالضبط ما نريده من أعدائنا. أن نشتت آرائهم وانتباههم و طاقتهم العقلية عن القضايا الحقيقية لبلدهم إلى قضايا أخرى وهمية خارج الاطار. (هنا خطر على بالي فهم كثير من شيوخ السلفية للدين..!)
 
هذا الرجل وأمثاله لم يكن يتقاضى أموالا من الـ KGB . ولكن سواء كان يعلم أم لا ،فانه يساهم إلى حد كبير في الهزيمة الثقافية للمجتمع. ولم يكن هو الوحيد.>>
 
(هل تستطيع أن تطابق ذلك مع ما قاله د. مصطفي محمود: "فهم لا يعادون الإسلام الطقوسي.. إسلام الشعائر والعبادات والزهد.. ولكن خصومتهم وعداءهم هي للإسلام الآخر ..الإسلام الذي ينازعهم السلطة فى توجيه العالم وبنائه.. الإسلام السياسي الذي يتجاوز الإصلاح الفردي إلى الإصلاح الاجتماعي.

هنا سوف يطلق الكل عليك الرصاص.. وقد يأتي الرصاص من داخل بلدك نفسه" )
 
 مقطع 3: وربما الأهم-هدم العقيدة/ التخريب الفكري (Ideological subversion):

<<هدم العقائد هي عملية تتم بصورة مشروعة وعلنية. يمكنك أن تراها بأم عينيك . كل ما عليك القيام به، هو أن تفتح عينيك.

أنا أعلم أن عمليات التجسس وجيمس بوند تبدو أكثر جاذبية. ولكن في الواقع ، فإن التركيز الرئيسي لجهاز مثل الـ KGB ليس في مجال الاستخبارات على الإطلاق. حوالي 15% فقط ينفق على التجسس بينما 85% من الموارد تنفق على عملية بطيئة نسميها هدم العقائد أو التخريب الفكري/ الإيديولوجي أو الحرب النفسية
 
ما يعنيه ذلك أساسا هو تغيير نظرة الشخص للواقع لدرجة أنه على الرغم من وفرة المعلومات لا يصبح قادرا على التوصل إلى أية استنتاجات منطقية لمصلحته الشخصية أو مصلحة الدفاع عن أنفسهم وعائلاتهم ، مجتمعهم ، وبلادهم.

إنها عملية كبيرة لغسيل الدماغ. أول مراحل هذه العملية تسمي التدمير المعنوي/ النفسي:

تحتاج إلى 15-20 سنوات لتدمير معنويات أمة. لماذا هذه المدة؟ لأن هذا هو الحد الأدنى لعدد السنوات الذي تحتاجه لتغيير ثقافة جيل من الطلاب في بلد ما وبعبارة أخرى ليتم ضخ أيديولوجيتك "أفكارك" إلى الرؤوس وهي لا تزال ناعمة ....وتكتمل عملية هدم المعنويات أساسا بفضل عدم وجود معايير أخلاقية مضادة لها (جيل الستينات الشقيق!)

النتيجة؟ كما ترى: معظم هؤلاء الناس يحتلون الآن مناصب السلطة في الحكومة والخدمة المدنية والأعمال التجارية ووسائل الإعلام و النظام التعليمي.

أنت عالق معهم. لا يمكنك التخلص منهم . لقد اصبحوا ملوثين تماما، أنهم مبرمجين على التفكير و التصرف بردود أفعال نمطية في مواقف معينة. لا يمكنك تغيير رأيهم مهما عرضت لهم معلومات صحيحة. حتى لو كنت تثبت أن الأبيض أبيض والأسود أسود. لا يمكنك تغيير النظرة الأساسية و السلوك غير المنطقي.
 
كما ذكرت من قبل بالنسبة لهؤلاء الناس عرض المعلومات الصحيحة لا يهم إطلاقا. والشخص المهزوم معنويا "نفسيا" غير قادر على تقييم المعلومات الحقيقية.

الحقائق لا تعني له أي شيء!!

حتى لو أنزلت عليه المعلومات والحقائق والبراهين كالمطر، ، مع الوثائق ، والصور.

حتى لو أخذته بالقوة وأريته معسكرات التعذيب والاعتقال فانه سوف يرفض أن يصدق!!
وسيظل يرفض إلى أن يتلقى ركله في مؤخرته.. وعندما تحطم البيادة العسكرية رأسه (النص ذكر عضوا آخر)، سيفهم. ولكن ليس قبل ذلك.

لن يفهم قبل ذلك! هذه هي مأساة المهزومين فكريا!>>
 
(شخصيا.. شعرت بالراحة التي يجدها من يحاول أن يفهم حين يجد الإجابة.. وتفهم أيضا لماذا كان دائما أكثر من يقاوم الطغيان هم من لديهم أيدولوجية "عقيدة" يؤمن بها: سواء كان من منطلق ديني أو من منطلق أخلاقي- كمن يؤمن بالحرية والديمقراطية حقيقة لا ادعاء! 

يبقى أن أقول أن هذه المقابلة التي تفسر كثيرا من أوضاع نعيشها اليوم تمت 1985، أي منذ أكثر من ربع قرن!! ولكننا لا نقرأ.)