مقالات مختارة

قد تشكل قضية عرفات ضربة قانونية كبيرة أخرى لإسرائيل

1300x600
كتبت نبيلة رمضاني: بينما تسعى إسرائيل للتعامل مع تداعيات الجريمة السادية التي ارتكبت بحق فتى فلسطيني، ثمة تهمة بالقتل توشك أن تسبب لها مشاكل أكبر من ذلك بكثير.

أقدمت فرنسا مؤخراً فعلياً على إعادة فتح التحقيق في قضية وفاة ياسر عرفات عام 2004، وهو الذي يعتبره البعض أبرز شخصية فلسطينية شهدتها العقود الماضية وصانع السلام الذي فاز بجائزة نوبل. حينما يسأل الإسرائيليون المتنفذون اليوم على الملأ فيما إذا كانت لديهم الرغبة في أن يقتل ياسر عرفات، تجدهم يصرون بأن ذلك لم يخطر ببالهم.

ولكنهم يقرون بأن الرئيس الراحل للسلطة الفلسطينية كان يشكل عقبة في طريق السلام كما كانوا يتصورونه. ومع ذلك، حتى في ساحة السياسة الواقعية العنيفة للشرق الأوسط، لا تعتبر جرائم القتل استراتيجية حكيمة.

فهي باستمرار تفجر مزيداً من العنف، كالانتفاضة التي اندلعت كما هو بين بسبب تعرض محمد أبو خضير للقتل حرقاً. وكان الفتى ذو السبعة عشر ربيعاً، والمقيم في القدس الشرقية، قد اختطف فيما يبدو أنه هجوم قصد منه الانتقام لمقتل الشبان الإسرائيلية الثلاثة على أيدي مجهولين. 

تدفع دولة إسرائيل مبالغ مالية هائلة لخبراء العلاقات العامة، إلا أنها تعلم أن صورتها الآن في العالم تمزقت أشلاء بسبب بشاعة ما جرى لمحمد أبو خضير.  كما أن ثمة دليل موثق بشريط فيديو على أن ابن عم الفتى المغدور، وهو صبي في الخامسة عشرة من عمره اسمه طارق أبو خضير، قد تعرض بعد موت محمد للضرب المبرح من قبل قوات الأمن الإسرائيلية قبل أن يعتقل.

وكان قد فقد وعيه من شدة الضرب.

يذكر أن طارق يحمل الجنسية الأمريكية، الأمر الذي من شأنه أن يجذب مزيداً من الاهتمام الإعلامي بالجريمتين. ينتظر مستشاري تل أبيب للعلاقات العامة والإعلان كم أكبر من العمل الآن بعد أن تجاوبت فرنسا - البلد التي مات فيها عرفات - مع ما قدمه السويسريون من أدلة تفيد بأنه قضى نحبه قتلاً وبأنه بالفعل عانى من موت مؤلم للغاية. 

حتى شهور قليلة قبيل وفاته، كان الرجل، وهو في الخامسة والسبعين من عمره، منهمكاً بشكل كامل في عملية البحث عن نهاية للحرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين من خلال القنوات الدبلوماسية.

إلا أن الذي كان مؤكداً هو أن رئيس وزراء إسرائيل السابق آرييل شارون، الذي اكتسب بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها واشتهر بها لقب “جزار بيروت”، أراد إزاحة عرفات من الطريق. ولعل هذا ما عبر عنه شاؤول موفاز، الذي كان حينها رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، حينما قال عن ياسر عرفات عام 2003: “أعتقد أنه بحاجة لأن يختفي من مسرح التاريخ”. 

مازالت أصداء هذه الكلمات تتردد حتى يومنا هذا. والذي حدث، ليس فقط أن ياسر عرفات مات بعد ذلك بشهور قليلة، بل إن أرملته سهى عرفات مقتنعة الآن بأنه قتل بجرعة من البولونيوم المشع - وهي مادة سمية يصعب التعرف عليها ولا تتوفر إلى لدى عدد قليل من الدول ذات الأجهزة الأمنية بالغة التعقيد، بما فيها إسرائيل. 

وهذا بالضبط ما يقر به الخبراء السويسريون، وهم فريق من معهد فيزياء الإشعاع التابع لمستشفى جامعة لوزان، والذين قاموا بفتح قبر ياسر عرفات في مدينة رام الله بالضفة الغربية في رام الله 2012 وفحصوا عينات من رفاته.

والآن، يرغب الفرنسيون في استخدام نتائج الأبحاث التي قام بها السويسريون لإعادة النظر في أسباب وفاة ياسر عرفات. مثل اي سياسي بارز، كان لياسر عرفات الكثير من الأعداء. إلا أن الملاحظ أنه كان تحت سيطرة الإسرائيليين في مقره بالمقاطعة في رام الله طوال العامين ونصف العام الأخيرة من حياته.

أعلن عن وفاته يوم 11 نوفمبر 2004 بعد أن نقل جواً إلى باريس، وقال الأطباء الفرنسيون في بادئ الأمر إنه كان يعاني من سكتة دماغية كبيرة. إلا أن بسام أبو شريف، وهو مستشار سابق لياسر عرفات، زعم في عام 2009 أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) هو الذي سمم الرئيس السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية بمساعدة الجيش الإسرائيلي.

وقال إن جيش الدفاع الإسرائيلي كان قد أوقف لثلاثين دقيقة سائقاً فلسطينياً يقود سيارة إسعاف على متنها أدوية ياسر عرفات، مما أتاح لهم فرصة استبدال الأدوية بالسم. وجد السويسريون آثاراً للبولونيوم في ملابس عرفات وفي رفاته.

الآن، يسعى القضاة الفرنسيون المكلفون بالقضية منذ أغسطس 2012 لمعرفة مصدر الإشعاع الذي وجد في قبر عرفات. حينما استخرج رفاته كان مستوى البولونيوم في عظامه أكثر بعشرين مرة من النسب التي توجد في قبور الآخرين.

وكانت نسبة البولونيوم الموجود في فروة رأس عرفات تزيد ثلاثين ضعفاً عن تلك التي وجدت في كفنه، بينما كانت نسبة البولونيوم في التراب الذي يرقد عليه 17 ضعف ما هو موجود في التربة المحيطة. 

من المعروف أن البولونيوم 210 مادة مشعة شديدة السمية يمكن أن يتناولها الإنسان دون أن يدرك، استخدمت لقتل المنشق الروسي أليكسندر ليتفيينكو في لندن عام 2006. قبل وفاته مباشرة قال ليتفيينكو إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الذي أمر بقتله، إلا أن عرفات الذي أنهكه المرض لم يتمكن من توجيه مثل هذه الاتهامات لأحد من سرير موته. 

ينفي الموساد تورطه في أي أعمال غير قانونية، ويقول رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي السابق موفاز إنه إنما أراد طرد عرفات لا تصفيته. قد يقدم الإسرائيليون هذه المزاعم للتنصل من المسؤولية، إلا أنها لا تصمد أمام سياسة القتل العنيف خارج إطار القانون التي طالما تميزت بها دولة إسرائيل. فكم من أعداء الدولة تعرضوا للاغتيال، في العادة في ظروف غامضة، منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 وحتى خلال السنوات التي سبقت الإعلان عنها. 

ثبت بما لا مجال للشك فيه أن عرفات قتل وأن إسرائيل كانت المحرض على قتله.

وعليه فإنه ينبغي أن يواجه أولئك الذين يتحملون المسؤولية عن هذه الجرىمة، كما عن غيرها من الجرائم الوحشية، تبعات أعمالهم من خلال المثول أمام القضاء.

(نقلا عن صحيفة "ميدل أيست مونيتور" 7 تموز/ يوليو 2014 ترجمة وتحرير "عربي 21")