مقالات مختارة

وأخيراً.. انتصر الوطن

1300x600
كتب أحمد يوسف: هناك حقيقة يدركها الجميع في فصائل العمل الوطني والإسلامي وهي أننا شعبٌ مؤدلجٌ فكرياً وسياسياً ودينياً وثقافياً وجغرافياً، ولكنَّ الوطن يسكن فينا جميعاً، ويجري حبه في أعماقنا مجرى الدم في العروق. لذلك، فإن شعباً بهذه المواصفات النضالية العالية لا يُخشى عليه، لأنه قادر على المراجعة والاستدراك واستعادة زمام المبادرة.

كم كانت سعادتي غامرة وأنا أتابع مشاهدة أداء حكومة التوافق الوطني لقسم الولاء أمام الرئيس أبو مازن ظهيرة يوم الاثنين الموافق 3 يونيه 2014م، وما سبق قبل ذلك من لقاءات وتفاهمات انتهت بالتوقيع على "اتفاق مخيم الشاطئ"، لتحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام في 23 أبريل 2014م، حيث كانت غالبية النخب الفكرية والفصائلية والسياسية – للأسف - تشكك بإمكانية إنجاز ذلك؛ باعتبار أن بوصلة الحسابات الشخصية لأصحاب المصالح والامتيازات في الضفة الغربية وقطاع غزة غير وطنية بالدرجة الأولى، وأنها ستعمل على حرف المسار وتعطيله، لتحول دون تحقيق مثل هذا الطموح الوطني المنشود، وأن كل من استفاد من هذا الانقسام من مراكز القوى - هنا وهناك – سيعمل على تكريسه واقعاً والدفع باتجاه تأييده، كما أن إسرائيل ستبذل كل جهودها الكيدية، وما تمتلكه من أوراق المكر والقوة السياسية والأمنية لإفشاله، وإذا أضفنا لهذا وذاك أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت هي الأخرى تراهن على استمرار حالة الانقسام، لاستغلالها كورقة ضغط على الرئيس محمود عباس (أبو مازن) ليقدم المزيد من التنازلات، التي تريد إسرائيل انتزاعها – طوعاً أو كرهاً - على طاولة المفاوضات.

كنَّا نبشّر بأن الانقسام طارئ ولن يطول مقامه بيننا، وذلك لأن عناصر الحياة والحيوية الحركية في شعبنا العظيم أقوى من كل الحسابات الخاطئة لدى البعض، وأن فلسطين؛ الأرض المباركة بترابها وأهلها وتاريخها ومقدساتها وبأثر الصالحين في كل جنباتها، ستقطع دابر الفتنة وإن طالت سنواتها.. كنَّا - ومنذ أن وقعت الأحداث الدامية في يونيه 2007م- نقول وبصوت يقرع الآذان: إن هذا الشرخ الذي أصاب بنياننا المرصوص، وانشطر معه – للأسف - نسيجنا الاجتماعي إلى جدلية إقصائية، مفادها: "إما أنا أو أنت" بين فتح وحماس، إنما هو حدث عارض ولن يطول، وأن تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام إنما هو في اعتبارات حركة حماس "فريضة شرعية وضرورة وطنية وحتمية قدرية"، حيث أخذت حركة حماس قرارها منذ الشهر الأول لحدوث الانقسام، بأن خيارها الاستراتيجي هو التحرك باتجاه المصالحة، وأن الانقسام – لو استمر – فإن معناه هو التسليم لدولة الاحتلال بالإجهاز على مشروعنا الوطني، والقضاء على الحلم الفلسطيني في التحرير والعودة والاستقلال. 

لقد امتشقتُ حسام القلم، وأخذتُ أدبج بكتاباتي الصحفية بساط المواقع الإعلامية بمقالات تبشر حيناً بقرب المصالحة، وحيناً بفجيعة وأخطار غيابها، وكان البعض يتهمني بأنني سياسي حالم، وغير واقعي، وأنني متعجل في تقديراتي للأمور، وأن كل ما وقع كان مخططاً له إسرائيلياً، ولذلك فإن عودة الوضع لما كان عليه يأتي في سياق التمني والتحلي وطلب المستحيل.

في الحقيقة، كانت بعض المواقف والتصريحات التي تصدر من قطبي الأزمة؛ فتح وحماس، تصدمني، وتجعلني - أحياناً - قاسياً في انتقاداتي وأحكامي على الطرفين، وكان هناك من بين إخواني من يأتي معاتباً ويراجعني في بعض المقالات.. كان جوابي لكل من اعترض على روح ما نكتب، واستوقفني للسؤال حول مواقفي: إن الوطن أكبر منا جميعاً، وأن المصلحة الوطنية العليا وأمانة المسؤولية التي نحملها، توجب علينا أن نقول كلمة الحق، وأن على الآخرين أن يتجرعوا مرارتها؛ لأن الجرح في الكفين دامٍ، وأرض الوطن تنتقص من أطرافها، والزمن – مع تكريس واقع الانقسام – ليس في صالح قضيتنا، ولن يحقق لشعبنا طموحاته وأحلامه في رؤية فلسطين دولة حرة مستقلة. 

ومن باب الأمانة والصدق، أن بعض تلك المقالات التي كتبت قد لاقت استحساناً كبيراً في الشارع الفلسطيني؛ لأن الناس - ربما - وجدت شخصاً يرفع طربوش الوطن عالياً فوق عباءة التنظيم، ولا يكتفي بقول: "ولا الضالين.. آمين"، بل يتحمل في سبيل "كلمة الحق" الكثير من نصال المشككين بولائه للتنظيم، وأنه دائم التغريد خارج سربه الأمين، ولم يحاول إلا عدد قليل ممن أعتز بصداقتهم وجرأتهم الدفاع عما نكتب، وعن تاريخ السنوات الخمسين التي عشناها مناضلين في كنف هذه الحركة الإسلامية المباركة، والتي أراد لها مؤسسوها أن تكون مسيرتها رحمة للعالمين؛ بأهدافها ونبل تضحيات أبنائها وشهدائها وأسراها أجمعين.

لا شك أن هناك من كان يطرح الأسئلة الصعبة، وهو ينظر إلى داخل الصف، ويرى ببصيرته أن الوطن يضيع، وأن المقدسات تُهوَّد وتُهان، فيصرخ قائلاً: "ما لي لا أرى الهدهد".؟، ويتساءل باستنكار "يا قوم أليس منكم رجل رشيد".؟!

كان هناك من يشد من أزري، ويرفع من قدر ما نكتب، ويشجعني على المضي قُدماً، ويقول: اثبت فإن "الإنسان موقف"، وأن الذين يهاجمونك اليوم سيعتذرون لك غداً، لأن أنوار الحقيقة قد تغيب، وتختفي - لحينٍ من الزمن - بين أقدام الحالمين، وأوهام المنظِّرين، وحسابات الطامعين، وحناجر المطبِّلين، وعجز القادرين، وأنت اليوم بقلمك كالهدهد وحامل القنديل.

لقد كنتُ أصلي – أحياناً - ركعتين قبل أن أرسل بعض المقالات للنشر، حيث كنت أتحسس من ردة الفعل لدى الكثيرين من إخواني، الذين لم يتعودوا – بسبب أجواء السرية ومناخاتها القاسية - أن يكتب أحد أبناء الحركة ناقداً خط سياساتها أو متهماً بعض مواقفها في مساحات الإعلام الخارجي، وعلى فضاء شبكات التواصل الاجتماعي.

كان جُرح الوطن يعتمل في صدري، وأبكي في لحظات على أحوال الناس، وأتوجع - بألمٍ - لمعاناتهم وسوء أحوال معيشتهم، وأخاطب نفسي متسائلاً: هل نحن خير أمة أخرجت للناس.؟ وهل هذا هو ما جئنا نبشر به أبناء شعبنا، وندعوهم إليه.؟! وهل السياسة أن نسوس الناس بالجوع، وأن نتهددهم بسوط الخوف والحرمان.؟!

كنت دائماً أقول لإخواني: إن الرائد لا يكذب أهله، وأن من دخل العقد السادس من عمره مثلي، هو على مسافة شهقة من لقاء رب العالمين.. لذا؛ فإن عليه أن ينصح ولا يجامل، وأن يعمل بفقه "وأنذر عشيرتك الأقربين"، لأن خيانة الأمانة ليست من شيم الصالحين وأصحاب الدرب القويم.

أتمنى، ونحن نتفيأ ظلال العودة إلى وحدة الصف والتئام شمل الوطن، أن يتطلع كل حمساوي في وجه أخيه الفتحاوي والعكس، ويقول له: سامحني يا أخي، وليغفر الله لنا جميعاً، لقد نزغ الشيطان بيننا ففرَّق شملنا، وأضلنا - في لحظة طيشٍ وتوتر - عن السبيل.. اليوم، سنعمل معاً ونكون يداً على القوم الظالمين، سنقف على خط المواجهة مع الاحتلال خلف بندقية مقاومة واحدة، من أجل حرية شعبنا وكرامته، وسنناضل - حرباً أو سلماً - لاستعادة حقنا السليب من أيدي الغزاة الغاصبين. 

ما طويناه بالأمس من صفحات لسبع سنوات عجاف في مسيرتنا النضالية، والتي تحتضن سطورها – أيضاً – تعبيرات وإنجازات لمشاهد البطولة والمجد، إلا أن هذه السنوات من مدوناتنا السلوكية كفلسطينيين، ستبقى عناوينها في الذاكرة – للأسف - هي: الجوع والقتل والحصار، برغم كل ما حققناه بصمود شعبنا ودماء شهدائنا من ملاحم عزٍّ تحمل نكهة الانتصار ومذاقه العظيم.

إنني أتوجه بالتهنئة القلبية الحارة، وبمسك هذه الأرض المباركة طهراً وكرامة، لإخوتي الأحبة في فتح وحماس، داعياً المولى - عز وجل - أن يأخذ بأيديهم، وأن يسدد على طريق الحق خطاهم، وأن يكتب لتوافقهم الوطني كل ما يتطلعون إليه من الكسب والنجاح والتمكين.

(بوابة الشروق المصرية)