مقالات مختارة

قبل أن نفاجأ ببراءة الإخوان

1300x600
كتب محمد أبو الفضل: الطريقة التى تتعامل بها بعض أجهزة الدولة مع التحقيقات البريطانية بشأن علاقة الإخوان بالإرهاب، تثير الاستغراب، لأنها حتى الآن لم تأخذ الأمر بجدية كافية، وتدير الملف بطريقة تتسم بقدر من العشوائية، دون أن تدرك أن القضية جد مهمة، ويمكن أن تترتب عليها نتائج سياسية خطيرة. فإذا كان هناك احتمال لإدانة الإخوان، فيوجد أيضا رهان مقابل على البراءة، يومها لن يفيد الندم.

مناسبة هذا الكلام ما عرفته من معلومات، حول عدم تقديم بيانات موثقة حتى الآن لجهات التحقيق البريطانية، تثبت علاقة الإخوان القاطعة بكثير من العمليات الإرهابية، التى قامت بها جماعات تكفيرية مختلفة. والسبب الظاهر أن بعض الأجهزة الأمنية عندنا، لا تزال لديها اعتقاد خاطىء أن ماحدث فى 25 يناير مؤامرة غربية، تستوجب مقاطعة كل ما يمت لهذا الغرب بصلة، حتى لو كان التعاون ضروريا ومفيدا لنا. هذه النظرة القاصرة، يمكن أن تكبدنا خسائر فادحة، لأن التقاعس، مهما كان السبب، سوف يضعف، فى نظر الغرب، من قوة الاتهامات التى توجهها مصر لجماعة الإخوان، والتى وضعتها الحكومة على لائحة المنظمات الإرهابية.

وإذا لم نستطع أن نقدم الأدلة اللازمة، وبالمناسبة هى كثيرة، على حجم العنف الذى مارسته الجماعة وحلفاؤها من المتشددين، ساعتها لن نعتب على بريطانيا أو غيرها، إذا جاءت التحقيقات فى صالح الإخوان، ونتحمل التبعات السياسية الضخمة التى ستترتب على هذه النتيجة.

فى تقديرى أن المسألة لها بعدان، يمكن من خلالهما تفسير الارتباك الذى يدار به هذا الملف. الأول، أن الأجهزة المعنية لا تملك أدلة مقنعة تقدمها لجهات التحقيق البريطانية، أو بمعنى أدق لم تجتهد فى تقديم ما يثبت علاقة الإخوان بالإرهاب، وتصورت أن المهمة يمكن أن يتفرق دمها بين المؤسسات الرسمية والشعبية. والثانى، أن هناك تنافسا خفيا، ربما يصل لحد الصراع، بين جهات مختلفة مسئولة عن تجميع الأدلة والبراهين، مثل منظمات حقوق الإنسان، وأجهزة أمنية متباينة.

فكل طرف يحاول أن يدير الملف بمفرده وعلى طريقته. لذلك من الطبيعى أن نشعر بالتخبط وعدم الحرفية فى إدارة هذه القضية. مع أن التربة الخارجية أصبحت مهيأة أمامنا أكثر من أى وقت مضى، حيث نجحت وزارة الخارجية فى استعادة جزء معتبر من مكانة مصر الإقليمية والدولية.

الأمر الذى انعكست تجلياته فى تغير الكثير من المواقف الخارجية مما يجرى فى مصر، وفى مقدمتها تراجع التأييد الأعمى للإخوان.

أخشى أن نصل بعد قليل للحصيلة التى وصلنا إليها فى ملف استرداد أموال مصر فى الخارج، وهى صفر كبير، مع أننا سمعنا كلاما معسولا، عقب ثورة يناير، وتشكيل لجان من شخصيات وطنية فى هذه القضية، ذهب أعضاؤها إلى شتى بقاع الأرض، وأدلة قدمت ومعلومات سربت. وفى النهاية أفقنا على حقيقة مرة، فلم يتم تشكيل أية لجنة رسمية لاسترداد أموالنا، وكل ما حدث عبارة عن جهود تطوعية، وظفها البعض سياسيا بسوء نية وحصلوا منها على مكاسب مادية، وسقط فى فخها آخرون بحسن نية.

والحصيلة لم يتم استرداد مليما واحدا من الخارج. والأخطر أن القضية يبدو أنها دخلت طى النسيان، ولم نعد نسمع شيئا عن ضجيجها فى الداخل، وكأن هناك من يصر على العبث بها، ليتم وضعها على الرف، وعدم العودة إليها مرة أخرى.

إذا كنا فشلنا فى إدارة ملف استرداد الأموال، بسبب المزايدة والمتاجرة والمماحكة، ورغبة البعض فى تعويم الملف وطمس معالمه، فإن الخسارة المادية مقدور عليها، لكن النتائج المعنوية تركت غصة فى حلوق كثيرين، لأنها أكدت وجود جهات رسمية تدافع بالباطل وبضراوة عن النظام القديم، وعلى استعداد لأن تتسبب فى وقوع المزيد من المشكلات، ومتمسكة بمواقفها السلبية وحساباتها الضيقة.

والطريقة الحالية التى يدار بها ملف الإخوان فى بريطانيا تعزز ذلك، وهو ما يدفعنا للانتباه مبكرا، لتصحيح خطأ التهاون فى تقديم ما يلزم من أدلة، وإسناد المهمة لجهة محددة ومعروفة، يمكن محاسبتها قانونيا، على أى نتائج سلبية، لن تكون مقبولة فى كل الأحوال، لأن الخسارة السياسية ( لا قدر الله ) الناجمة عنها مكلفة، وتضع على عاتق الرئيس القادم أعباء هو فى غنى عنها. فإعلان جهات التحقيق فى لندن براءة الإخوان وعدم علاقتها بما يمارس من إرهاب، معناه غسل يديها من جميع العمليات التى ارتكبتها طوال الفترة الماضية.

المشكلة أننا نتعامل منذ فترة مع بعض القضايا الحيوية، بطريقة الهواة، ونخسر النقاط، بسبب التهاون الملعون، فى حين تشحذ جماعة الإخوان وجميع حلفائها الهمم للهجوم على الدولة المصرية، ومؤسساتها وأجنحتها ورجالها، حتى تمكنت فى لحظة سابقة أن يكون لها صوت مسموع فى دوائر مختلفة، بينما تصر غالبية الأجهزة الرسمية على الاستمرار فى حالة الاسترخاء، وتفوت الفرصة تلو الأخرى، لأنها تفتقد التقدير الحقيقى فى كثير من الأمور.

ولعل التشويه الذى حصل لثورة 30 يونيو، واللغط الذى أثير حولها فى الخارج، يثبت لأى درجة أننا نتعامل بلا مبالاة فى قضايا مصيرية، وتدفع الدولة فاتورة باهظة لصراعات شخصية، كان من السهولة تجنبها، لو أن هناك رؤية واضحة، ورغبة قوية فى التنسيق والتعاون. وامتحان الوثائق الخاصة بعلاقة الإخوان بالإرهاب، قد يحدد البوصلة التى سوف يتعامل بها الرئيس المقبل مع الجهاز البيروقراطى فى الدولة، وهل سيحتاج لإصلاح أم تغيير شامل؟.


(الأهرام المصرية)