قضايا وآراء

ماذا يمكن للثائر المغدور فعله ؟

1300x600
هؤلاء الذين خرجوا في يناير غاضبين أو أخرجت يناير ما كان مكبوتاً في صدورهم من طموح لوطن يستحق الفخر به صدقاً لا  انتحالاً مبتذل لا يحركهم إلا رغبة خالصة في الحياة في بلد يستحق وصف الوطن تنضح من وجوههم قبل كلماتهم اليوم حيرة كبيرة وقد جرت الأمور بما لم يتوقعه منهم احد.

 وحديثي هنا ليس موجهة للمتحزبين الذين يقيسون كافة الأمور بمعيار مكاسب وخسائر جماعاتهم ولا لمن كانت مشكلتهم مع نظام مبارك "طفاستة " وعدم إتاحته الفرص أحد للأكل معه وإنما هؤلاء الذين يحدد موقفهم من السلطة معايير أخلاقية و المصلحة الوطنية أيا كانت توجهاتهم و تفضيلاتهم السياسية.

وهؤلاء اليوم يجدون دوافع كثيرة لليأس من حدوث تغير إيجابي في المناخ العام وأسباب عديدة للتشكك في قدرتهم على إحداث تغيير ما في حاضر وطنهم و مستقبلة.

ولا إشكال في اليأس من فاعلية" طريقة ما "ولا إشكال في مراجعة المرء مواقفة و آرائه و تغيرها لكن اليأس من القدرة على فعل أي شيء أو التصميم على تحقيق الهدف بطريقة بعينها دون سواها كلاهما غير منطقي.

 أن لا تفعل شيء هو اختيارك الحر و ليس قدرك و طريقتك هي اختيارك وليست الحقيقة الوحيدة  فان لم يكن اختيارك أن لا تفعل شيء أو أن تلتزم طريقة و أسلوب بعينة أيا ما كان بلا إتاحة فرصة لمناقشة خيار آخر فماذا تفعل؟ 

لاشك في أن الطريقة التقليدية في الضغط على السلطة بحشود تمارس حقوق التظاهر والاعتصام أصبحت اكثر خطراً و اضعف أثرا مادامت تلتزم السلمية والعنف ليس خياراً مطروحاً أصلا بغض النظر عن رفضي القاطع له فلا احد يمتلك القدرة علية فما العمل ؟

 ربما تكون إجابة السؤال في الغاية من العمل المطلوب فعلة أصلا ما الهدف من الحراك الثوري أصلا غير تغيير طبيعة العلاقات بين المجتمع و السلطة ؟

وهذا التغير المستهدف بان لا تكون علاقة السلطة بالمجتمع قائمة على القهر والاستغلال لا يكفى لتحقيقه تغيير الحكومات ( فقد جربنا هذا ) ولكن التغيير الجذري يكون بتغير المجتمع ذاته و تغير نخبته الثقافية و السياسية و الاجتماعية و الوصول إلى دولة عادلة ذات إدارة راشدة لا يكون إلا بزيادة المشاركة الاجتماعية الراشدة على أسس أخلاقية راسخة (فالتجارب الفاشية علت بها المشاركة المجتمعية ولكن لا أظن الهدف إنشاء مجتمع فاشي وقد ذقنا مرارة هذا على كل حال)و الوصول لهذه الدرجة الفاعلة من المشاركة الاجتماعية التي لا يكون الناس فيها حشداً لا قيمة له يتطلب استهداف لشرائح مجتمعية واسعة على أساس محورين متشابكين 
المبادئ و المصالح.

والمبادئ هنا لا علاقة لها بالنسق الإيدلوجي الذى تعتنق وإنما اعنى بها تلك المبادئ التي تجمع المنتمين إلى مجتمع واحد على كلمة سواء
المساواة في الحقوق و الواجبات (( ليس في مصر أرستقراطية تدعى فضلاً على الناس فإبناء ثورتي 19 و 52  توفاهم الله ))
تقديم الصالح العام (( الحقيقي الذى يقاس بقدر المنفعة وحجم المستفيدين منها و حاجتهم اليها في الحال والمأل و ليس ما يدعون زوراً انه كذلك )) .

المعاملة التفضيلية للأولى بالرعاية (( الأكثر فقراً أفرادا و مناطق , أصحاب الاحتياجات الخاصة , المبدعين و المفكرين , الفئات الأضعف مسنين وأطفال و نساء الخ)) .

و واهم  أنت أن ظننت أن هذه المبادئ المنطقية و الأساسية لإقامة مجتمع طبيعي لا تحتاج لجهد متواصل لنشرها و عمل مستمر لتثبيتها حتى تكون أعرافا اجتماعية راسخة ولا تحتاج لربطها بمصالح فردية و فئوية لضمان التزامها .

ولهذا فدعم كل حراك يستهدف مصلحة عادلة لفئة بإزاء السلطة غالباً ما يكون واجب .

ولكن الهدف ليس فقط محاولة تحقيق المطالب العادلة لتلك الفئة فحسب وإنما تعزيز مبدأ التضامن الاجتماعي وإلى جانب الضغط على الدولة لتضطلع بواجباتها إزاء مواطنيها يستهدف دعم المطالب الفئوية تقوية المجتمع ككل فلا دولة قوية إلا بمجتمع قوى تكون حكومته انعكاساً لقوته فإن ضعف المجتمع تعاظم فيه الصغار 

وكذلك فإن دعم المطالب الفئوية يجب أن لا يقتصر على ما تطالب به من منفعة خاصة فحسب بل يتعدى لذلك لتحقيق مكاسب أوسع للفئات التي تتشارك معها المظلمة ويقع عليها ذات الغبن فلا يكفى دعم موظفي هيئة أو مؤسسة للحصول على زيادة راتب أو معاش أو علاوة فحسب بل تمتد المطالبة لكل من هم في ذات الظرف

و مطالبة الدولة بالضمان الاجتماعي للمعوزين و كفالة الحياة الكريمة لكافة مواطنيها يجب أن تتوازى مع الضغط لإتاحة فرصة اكبر للمساهمة الاجتماعية بتقديم الدولة الدعم المالي للمؤسسات الأهلية و تقديم حوافز و إعفاءات ضريبية وتسهيلات إجرائية لتيسير مشاركة القطاع الأهلي في التنمية و مساعدة الأكثر احتياجاً

ولا يمكن في المقابل إغفال تعارض المصالح و الخطأ ( كون هذا خطأ محل نظر بحسب رؤيتك و لكن افترض معي ) الذى يقع فيه الكثيرين هو الإسراع إلى جلب عداء المستفيدون من الأوضاع الخاطئة فيقفوا في مواجهات كثيراً ما تكون خاسرة و يسهموا في تقوية معسكر السلطة بلا داعى في كثير من الأحيان

الناس تدافع عن مصالحهم وان لم تكن مشروعة ولا عادلة و الفساد كلما انتشر كلما زاد المستفيدون منة وليس المطلوب إقرار فسادهم ولا غض الطرف عنة وإنما تحييد من يمكن تحييده منهم خاصة إن لم يكن مفسداً و إنما متوائم مع الوضع فاسداً كان أم لا بالتدرج و التأجيل و الإيضاح لهم أن الغرض تحقيق العدل و مصلحة الجميع وليس نزع ما في أيديهم من مناصب وأموال فيضعف حماسهم لعرقلة خططك 

ولا يمكن أن يتزن من هذا شيء و كل فصيل سياسي (( أحجام الفصائل السياسية في مصر مضحكة بالمناسبة )) يتلاسن مع الآخر بداعي وبدون داعى ولا يخفى شماتته إن جاء دورة و وقع تحت الرحى 

اهم فئات المجتمع في صراعة من اجل التغيير أو حتى البقاء هي نخبته الثقافية والسياسية و تلك بطبيعتها متنوعة لا يمكن أن تكون على قلب وعقل رجل واحد في مجتمع حر فلا تطمحوا لهذا بل الأولى دعم أولى الأيدي و الأبصار من المخلصين وان لم يكونوا من أهل  قبيلتكم ليكونوا نخبة لها سمعة طيبة فيكون لكلماتهم أثرا بدلاً من كسب عداوات و تغذية خصومات بلا داعى (( انظر من يسمون بالنخبة في بلادنا من هم وما فكرهم و من صنفهم كنخب أصلا لتستشعر الحاجة لإنتاج نخبة حقيقية ))

الصراع مع السلطة مستمر  فالحرب قانون الحياة و الصراع طبيعتها ولكن الصراع ليس على نسق واحد ولا المعركة في ميدان واحد فاحسنوا دفاعتكم و نوعوا أسلحتكم 

و ((( أبقوا في المعركة ))) فلا شيء ينصلح إن ترك لحالة ولا يغرنك المش و النبيذ.