مدونات

الكتاتيب والمدارس في العالم القروي

المدارس والكتاتيب في قرى العالم العربي تشهد اكتظاظا بالطلاب - (أرشيفية)
لا يزال التعليم في الاوساط القروية في العالم يشكل تحد حقيقي للحكومات والمنظمات العالمية، فطبيعة هذا الوسط وما يحيله من معطيات طبيعية وثقافية واقتصادية تجعل منه فضاءا متميزا بمشاكله الخاصة وما يتطلبه من إيجاد حلول خاصة .

توجد العديد من التقسيمات والتصنيفات للظاهرة التعليمية التعلُّمية مثلا التقسيم العمودي وهو الذي نعني به التدريج والسلالم التي يصعد فيها المتعلم انطلاقا من الروض و الحضانة ووصولا إلى الدراسات العليا .. وهناك التقسيم الافقي والذي نقصد به هو توزيع المتعلمين على الاوساط التي ينتمون اليها مثل وسط : فقير/غني، عمومي/خاص، حضري/قروي ..

قبل 100 سنة كان أغلب ساكني العالم يعيشون في الاوساط القروية ويزاولون الانشطة الفلاحية اليوم تغيرت خارطة العالم وأصبح أكثر من نصف السكان يعيشون في المدن أو حولها، أما الانظمة والحكومات فلازالت تولي المناطق الحضرية بالاهتمام و القسط الاكبر من مشاريع التنمية وتظل الاوساط القروية ناقصة الاهتمام حتى من الباحثين والدارسين الذين عادة ما يرتكبون خطأ التعميم ويضعون أغلب خطط التنمية المصممة على مقاس الاوساط الحضرية لينزلوها على الوسط القروي دون الأخد بعين الاعتبار خصوصياته المجالية والثقافية..

يختلف الوسط القروي عن الوسط الحضري في العديد من المجالات فالوسط الحضري متنوع ثقافيا : 
أناس متعددي المستويات الثقافية والمهنية: أطباء مهندسون قضاة عمال تجار.. متعدد المستويات المعيشية: فقراء متوسطون أغنياء..

أما الوسط القروي فيتكون غالبا من أناس يشتغلون بالأنشطة الفلاحية من مستوى ثقافي متقارب: أميون أو قادرون على الكتابة والقراءة في أحسن الأحوال .

سكان القرية غالبا ما ينتمون إلى نفس الاصل العرقي واللغوي وغالبيتهم من نفس أبناء العمومة وتجمع بينهم علاقات المصاهرة وهم أكثر ارتباطا بقيم احترام الفرد الكبير في الاسرة وقيم التعاون والتضامن ..

بخلاف ساكنة الوسط الحضري حيث يغلب طابع الاسر الصغيرة : الاب والام والاولاد .. فالوسط القروي يسوده نموذج الاسرة الممتدة : الاب الام و ابناؤه الذكور المتزوجون مع أبنائهم و بنات غير متزوجات حيث يعمل يشغل الاب ثم الام مركز القيادة الاسرية والتحكم في توزيع العمل في الارض والفلاحة ..

إحداث المدارس وتعميم التمدرس على الساكنة القروية بشقيها القريب : السهول الخصبة حيث توجد الطرق و بعض التجهيزات الضرورية كشبكة المياه والكهرباء والاتصالات .. أو الوسط القروي العميق حيث وعورة التضاريس جبال أو صحاري لم يكن أول عهد لهم بالتعليم فكل المناطق القروية كانت تدبر مسألة تعليم أبنائها عبر مؤسسة المسجد القروي حيث يلعب هذا الاخير العديد من الادوار منها إقامة الشعائر الدينية الصلوات الخمس والاعياد ..وإقامة اجتماعات بين أفراد القرية لمناقشة قضاياهم المشتركة ..وأيضا المسجد هو المكان الذي يتولى فيه إمام المسجد مهمة تعليم أطفال القرية أوليات الكتابة: الحروف والتنقيط والتخطيط وحفظ  قصار سور القرآن الكريم مع كتابتها بخط المصحف التقليدي .. وغالبا ما يتم تلقي هذه المعارف والمهارات في حجرة مجاورة للمسجد تسمى الكُـتــَّـاب أو المحضرة أو المعمرة..

إدخال المدرسة العمومية العصرية إلى القرى النائية شكل لأول مرة صدمة حضارية حيث قُوبلت بالشك والحذر والريبة إن لم نقل قُوبلت بالرفض من هذه الساكنة التي اعتادت ولأجيال كثيرة على التعليم في الكتاتيب وكان وراء هذا الرفض أفكار مسبقة خاطئة مثل : المدرسة صنيعة الاستعمار .. المدرسة تحارب الدين  .. المدرسة منافس للمسجد.. المدرسة تعلم الانحلال والاخلاق الفاسدة ..  المدرسة مركز وشاية وإدارة للسلطات المحلية... المدرسة تحرض على عدم عمل الاطفال وعلى عدم مساعدتهم لآبائهم .. 

كل مدرسة تتحدد بنيتها المادية على أقل تقدير بأقسام دراسية وإدارة ومراحيض وساحة وسور يفصل المدرسة عن الفضاء العام.. لكن غالب المدارس القروية تُختزل بنيتها المادية في جزء من الضروريات وهو قسم أو قسمين دراسيين بدون أسوار حيث تنفتح على الفضاء العام للقرية أو الطبيعة المحيطة .. ودون مراحيض حيث يقضي التلاميذ حاجاتهم الطبيعية مختبئين خلف الاشجار او الصخور ..
هذه الوضعية الكارثية للبنية المادية للمدرسة القروية تعد عاملا مهما أمام فشلها أو عجزها عن القيام بدورها الاساسي في التعليم فنسبة انقطاع المتعلمين عن التعليم في الوسط القروي تضاعف نسبته في الوسط الحضري ..

أما الوضعية التربوية للمدرسة القروية فهي الاخرى لا تقل كارثية عن مثيلتها المادية البنيوية : فالمقررات و المناهج و الوسائل البيداغوجية إما منعدمة أو تم تفصيلها على مقاس المدرسة الحضرية وإنزالها اضطراريا على المدرسة القروية دون مراعاة للخصوصيات التربوية كالاقسام المشتركة أو الخصوصيات الاجتماعية والثقافية لساكنة المنطقة مثل اختلاف اللهجات  ..

في الوقت الذي عجزت فيه المدرسة في العالم القروي عن الاندماج في محيطها , نجحت الكتاتيب القرآنية التقليدية في الصمود والحفاظ على أعداد من المتعلمين الذين تفضل أسرهم إرسال أبنائهم إلى الكتاتيب بدل ارسالهم الى المدرسة، والسبب وراء ذلك هو تلاؤم الكُـتّـاب واندماجه في محيطه وتواجد محفزات أخرى غائبة عن المدرسة :

- الفقيه المدرس في الكُـتّـاب غالبا ما يكون من ساكنة القرية أو قرية مجاورة يتكلم نفس لهجتهم وله نفس عادات وتقاليد المنطقة و يتم التعاقد معه مباشرة بخلاف الأستاذ و المعلم في المدرسة الذي غالبا ما ينحدر من أوساط حضرية بعيدة وله عادات وتقاليد مختلفة و ليس له نفس اللهجة أو اللغة ..

- التعلم في الكتاب لا يستلزم مصاريف كبيرة حيث تقتصر المستلزمات على لوح خشبي مصقول يتم الكتابة عليه بأقلام خشب أو قصب بمداد أو صمغ مصنوع محليا وتمحى الكتابة بالماء و مادة الصلصال.. عكس المدرسة حيث تتعدد المقررات و الكتب المدرسية والادوات التي تشكل عبء مادي على الأسر التي غالبا لا تستطيع آداء التكلفة المادية العالية أمام دخلها المنخفض ومسايرة تعليم أبنائها ..

- مسايرة الكُـتّـاب للعادات و التقاليد حيث تتوقف الدراسة أيام الاسواق الاسبوعية و صبيحة الجمعة و خلال المواسم المحلية و حتى الاعراس مما يتيح مجالا للاندماج داخل المحيط الثقافي للمنطقة .. عكس المدارس التي تتبع جداول زمنية أسبوعية صارمة وعطل سنوية معدة سلفا في أروقة الوزارة و النيابات التعليمية دون الأخد بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية المتعددة ..

يمكن للإدارة التربوية و الباحثين في مناهج التعليم أن يستفيدو من الخبرات الموجودة في التعليم العتيق بكتاتيبه و محضراته التي راكمت الكثير من الخبرات طوال قرون من الاشتغال وساهمت في الحفاظ على المعرفة  و ايصالها للجيال المتعاقبة في تناغم تام مع الوسط الموجودة فيه . 

حتى نتمكن من النهوض بالتعليم القروي  يجب الاحاطة العميقة بالمشاكل التي يعاني منها هذا الوسط وأيضا يجب فهم و دراسة العادات والثقافات السائدة هناك  والتي على أساسها يتم وضع خطط و مناهج تتلاءم وتتفاعل ايجابيا مع هذه الاوساط حتى لا تصبح المدرسة ومناهجها بؤرة محاطة بالعداء وغير قادرة على القيام بدورها الايجابي .