كتاب عربي 21

اليمين الإسرائيلي يريد استسلاماً!

1300x600
بات من الواضح مع قرب انتهاء المهلة المحدّدة من طرف الإدارة الأميركية لجولة المفاوضات الحالية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في نيسان/ أبريل المقبل، أن فرصة التوصل إلى اتفاق بين الجانبين متدنية جداً، كما يقول اللواء احتياط عاموس يادلين الذي كان يلقب بـ "رجل التقديرات الوطنية" في منصبه الأخير كرئيس لشعبة الاستخبارات العسكرية ["أمان"] ويرأس الآن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، وذلك في سياق مقابلة خاصة لصحيفة "يسرائيل هيوم".

وبحسب يادلين فإن فرصة الاتفاق مع الفلسطينيين متدنية، لأن على كل جانب القبول بثلاثة "تنازلات مؤلمة".
 
فمطلوب من إسرائيل قبول تقسيم البلد وإقامة دولة فلسطينية. كما على إسرائيل القبول بأن تقام هذه الدولة على حدود 1967 مع تبادل أراض.

 وفي النهاية، ستضطر إسرائيل إلى قبول وجود فلسطيني في القدس، وصولا لتجسيد عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية. وعلى الأقل بشأن التنازلين الأخيرين، لم يصل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إليهما بعد، وهو بالتأكيد لا يدفع الشعب نحوهما.

وبشأن الفلسطينيين- يواصل يادلين - فإن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مضطر إلى تقديم ثلاثة تنازلات إلزامية: 1. إعلان نهاية الصراع ونهاية المطالب والإقرار بالدولة اليهودية؛ 2. التنازل عن عودة اللاجئين؛ 3. قبول قيود على السيادة لصالح ترتيبات أمنية مع إسرائيل. 

ويحاول عباس التهرب من كل هذه الالتزامات، لأن القبول بها في نظر الفلسطينيين مثله مثل الاعتراف بالصهيونية.

وبشأن عودة اللاجئين أكد يادلين أن عباس سبق أن قال- عام 2012- إنه يتنازل شخصياً عن عودته إلى بيته في مدينة صفد، لكن بالنسبة إلى عموم اللاجئين مطلوب تنازل فردي لكل واحد عن بيته.

 وهذا بداهة غير مقبول لدى إسرائيل. وبرأيه، المطلوب اتفاق بين الشعبين في موضوع اللاجئين، وعدم إبقاء الأمر مفتوحاً، والمطلوب اتفاق من دون حق عودة فلسطينية إلى أرض أقام الشعب اليهودي عليها دولته. كذلك ينبغي للفلسطينيين استيعاب التنازلات والقيود على سيادتهم لمصلحة ترتيبات أمنية. و"كنا نعتقد أن الترتيبات الأمنية ستكون الأسهل بين قضايا الحل النهائي، لكن الفلسطينيين سارعوا إلى رفض الخطة الأميركية الأمنية".

وفي واقع الأمر، فإن التصريحات التي أدلى بها عباس عام 2012 إلى قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية، ولا سيما فيما يتعلق بحق العودة للاجئين، وبموقفه الشخصي إزاء حقه في زيارة مدينته صفد لا في العودة إليها، لم تحرّك شعرة واحدة في رأس اليمين الإسرائيلي، أو حتى في رأس رئيس الحكومة نتنياهو، الذي اتهمه الكاتب الإسرائيلي دافيد غروسمان بأنه يتصرّف حيالها كرجل سياسي، ولو أنه تصرّف كـ "زعيم وطني" لكان يتعيّن عليه أن يعترف بأن عباس هو الزعيم الفلسطيني الأخير الذي يمكن أن يعلن عدم سماحه بنشوب انتفاضة ثالثة، وأن كلامه هذا، على الرغم من التحفظات التي أبداها فيما بعد، ربما يشكل الفرصة الأخيرة للبدء بالمسار الذي سينقذ إسرائيل من الخطأ الذي تغرق فيه منذ أجيال.

لكن في الحقيقة فإن ردة فعل اليمين الإسرائيلي الحاكم هذه تعكس موقفه الجوهري من مسار العلاقة مع الفلسطينيين، سواء في الزمن الراهن أو في المستقبل، وهو موقف ليس أقله أنه لا يريد تسوية، أو حلا وسطاً.

وما يكتبه أقطاب هذا اليمين ويصرحون به في هذا الصدد، يشي بأن ما يريدونه من قيادة الشعب الفلسطيني هو الاستسلام من دون قيد أو شرط.

ولإثبات ذلك، سأكتفي بمثالين، الأول من الحاضر القريب، والآخر من الماضي غير البعيد:
المثال الأول- مقال جديد كتبه المنظّر اليميني مارتين شيرمان، أحد كبار المسؤولين السابقين في مؤسسة الاستخبارات الإسرائيلية، بعنوان "العوامل الحقيقية والأسباب الوهمية للنزاع الإسرائيلي- العربي"، وأكد فيه أن على إسرائيل أن تستبطن بداية حقيقة أن الضغينة العربية الراسخة تجاه اليهود والدولة اليهودية ليست نابعة من قضية الحدود، وإنما من وجود هذه الدولة في حد ذاته، وعليها من ثمّ أن تنقل هذه الحقيقة بحزم ومثابرة إلى شعوب العالم كافة، وإذا لم تفعل ذلك فإنها قد تصبح في خبر كان. كما يجب عليها ألا تتنازل عن مطلب الاعتراف بإسرائيل كدولة قومية لليهود. 

وقد شدّد على أن هذه الضغينة كانت منتشرة جدًا قبل عام 1967، وميزت الحماسة المعادية لليهود التي سادت في أنحاء العالم العربي قبل وقت طويل من ظهور أي أهمية نظرية أو عملية لمصطلحات مثل "احتلال" و"مستوطنات".

المثال الثاني- دراسة بعنوان "إسرائيل والفلسطينيون- العودة إلى الأصول" نشرها عام 2008 موشيه يعلون، وزير الدفاع في الحكومة الإسرائيلية الحالية، واتهم فيها الفلسطينيين بأنهم المسؤولون عن فشل اتفاقيات أوسلو كونهم نظروا إليها باعتبارها مجرّد منصة انطلاق إلى المرحلة التالية في الصراع ضد إسرائيل. وأشار ضمن أشياء أخرى إلى أن المنظر العسكري كارل فون كلاوزفيتش كان أكد أن "الحرب ما هي إلا استمرار للسياسة، لكن بوسائل أخرى"، غير أنه من وجهة نظر الفلسطينيين، كانت السياسة ولا تزال استمرارًا للحرب لكن بطرق أخرى.

وبرأيه حتى تتحوّل التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين في يوم ما من حلم إلى واقع يجب أن تكون مرتبطة أولا وقبل أي شيء بتنازلات مؤلمة من جانب الفلسطينيين، ولا بد أيضًا من توافر شرطين مسبقين: الأول، اعتراف فلسطيني لا يقبل التأويل بحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية؛ الثاني، إقامة حكم ذاتي فلسطيني على أسس اقتصادية وسياسية وأمنية صلبة.

وفي سياق ذلك أكد يعلون أن أي مفاوضات لن تتكلل بالنجاح طالما ظل الفلسطينيون، والعرب عموماً، يعتقدون أن في الإمكان هزيمة الدولة اليهودية بالقوة، زاعمًا أن الدافع إلى "التطرّف" لدى الفلسطينيين ليس "اليأس" من الوضع، وإنما "الإيمان بإمكان هزيمة إسرائيل".
 ولذا، إذا ما ترددت إسرائيل في استخدام قوة عسكرية كاسحة ضد هذا الإيمان المتنامي، فسوف يتولد لدى أعدائها انطباع فحواه أن قدرتها على الصمود أصيبت بالوهن، وأنه يمكن لـيّ ذراعها.
بطبيعة الحال يمكن أن نورد أمثلة أخرى لإثبات موقف اليمين المذكور، لكن القصد من وراء هذا المقال غير منحصر في هذا الهدف، بقدر ما إنه يهدف إلى تبيان أن هذا اليمين ما زال وفقاً لآخر الاستطلاعات يحظى بتأييد أغلبية الرأي العام الإسرائيلي. 

في الوقت نفسه فإن هذا الرأي العام لا يرى ولا يسمع بما يقوله أو يفعله الفلسطينيون، لأن درجة التهديد الفلسطيني لإسرائيل أصبحت صفراً، كما أشار أحد التقارير الإسرائيليّة الأخيرة.
 
بناء على ذلك فإن محاولات التأثير عليه لن يكتب لها أي نجاح، فضلاً عن أن أي تنازلات في ظل الانقسام والضعف وفقدان الرؤية والثقة والإرادة تؤدي إلى مزيد من التنازلات وفتح شهيّة الإسرائيليين على مزيد من التطرّف لا الاعتدال أو الجنوح إلى التسوية.