كتاب عربي 21

ابن خلدون والربيع والأنبـيــاء الكـذبـة!

1300x600
«وإذا تبدلت الأحوال جملةً فكأنما تبدّلَ الخلقُ من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلقٌ جديد ونشأةٌ مستأنفةٌ وعالَمٌ مُحدَث»
عبد الرحمن بن خلدون/ المقدمة ص 36
لا أعرف التشاؤم ولا التفاؤل، أعرف العمل والإنجاز، بعد طول تأمل في مشهد الربيع العربي، وما أصابه من انتكاسة عميقة بفعل الهجمات المرتدة التي تكالبت عليه من كل حدب وصوب، أصبحت في مزاج جيد، مستبشرا بمستقبل هذه الأمة، فالثورات ليست «قلي بيض» بل هي  عملية مستمرة ومعمقة ومكلفة، لم أزل مؤمنا بثورات الربيع العربي، فهي أنبل ما حدث لنا خلال المائة سنة الماضية، رغم كل حملات التخريب، وعلى سيرة البيض، إذا استطعت أن تفصل البيض عن مكونات قرص «العجة» مثلا تستطيع عندها أن تعيد الأمة إلى ما قبل الربيع، هو تشبيه قد يبدو غريبا، لكن دلالته عميقة، فالوقائع التي خلفها الربيع لا يمكن ان تمحوها انتكاسته، وحتى هذه الانتكاسة دليل على صحة مساره، فلو استقبله مناهضوه بالترحاب والاحتفال لغدونا في شك عميق من صحته، أما حينما نرى ذلك الاستنفار الكوني والتضامن العالمي لإفشاله وإظهاره بصورة شيطانية، فهذا يعني صوابيته وخطورته على البنى القائمة، بالإضافة إلى أن هناك مسألة في غاية الأهمية، وهي أن اتفاق وتلاقي الأضداد والمتنافرين ومختلفي التابعية والانتماء على محاربته تعني أنه بداية خلق جديد، وفي هذا يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: «وإذا تبدلت الأحوال جملةً فكأنما تبدّلَ الخلقُ من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلقٌ جديد ونشأةٌ مستأنفةٌ وعالَمٌ مُحدَث» ونحسب أن الأحوال فعلا تبدلت في مجملها إبان ذروة الربيع العربي، وافرز ظاهرتين تتغذيان من بعضهما البعض، ولا يمكن التغاضي عنهما:

 أما الأولى فالظاهرة الشعبية، حيث أصبح للجماهير كلمة، ولوقفتها معنى، وقد كانت مجرد آحاد لها قيمة عددية بلا وزن نوعي، أما اليوم فشأنها مختلف، حيث غابت العبارات الانهزامية الشهيرة، مثل: وأنا مالي،  أو: ماذا أستطيع أن أعمل، أو حط راسك بين الروس وقل يا قطاع الروس، وسوى ذلك من مفاهيم انهزامية استوطنت العقل الجمعي أفشلت قدرة الجماعة على العمل.

 أما الظاهرة الثانية التي أفرزها الربيع العربي فهي الظاهرة الإسلامية، فهي وإن كانت قبله موجودة كقيمة ثقافية وحضارية، إلا أنها دخلت مع الربيع معترك الحكم الفعلي، وعلى الرغم من أنها لم تأخذ فرصتها في التجريب والنضج، إلا أنها حفرت لها اسما في المشهد السياسي رغم الأخطاء التي ارتكبتها، وهذا أمر طبيعي، فتلك كانت تجربتها الأولى في الحكم، حتى أن الأمر اختلط على قادتها فاعتقدوا أن الاختبار الذي وُضعوا فيه كان «تمكينا» في الأرض، لا امتحانا لهم ولخبراتهم، فحصل ما حصل!

في المحصلة، الرئيس المنتخب محمد مرسي غاب فيزيائيا، لكنه حضر كأسطورة وأيقونة ورمز للثورة المصرية، بل للربيع العربي، بالنسة للثوار هو ملهم، ولأعداء الثورة شبح يزورهم في كوابيسهم، وتلك مسلمة يماري فيها كثيرون، ويعتقدون ان تجربته انتهت وطواها التاريخ، بل يذهب قائلهم أن تجربة الإخوان تحللت وتداعت وزالت، وهؤلاء يعيشون في وهم كبير، فحتى لو أبيد الإخوان المسلمون، وتم دفن تنظيمهم تحت سابع أرض، فالكود الإسلامي جزء من جينات هذه الأمة، فهو غير قابل للزوال أو الإفناء، وهو يمتلك دفاعاته الذاتية القادرة على إفراز مضاداته الحيوية القاتلة لأي جسم غريب يخترقه، ومن هذه الأجسام السامة، بعض من يدعي «السلفية»، بعض هؤلاء استُعملوا بشكل ذكي لتقويض الثورات العربية، بمال أسود، لا يعني عدم وجود مخلصين وأنقياء في هذا التيار، ولكن الأمر يحتاج إلى كياسة وفطنة من هؤلاء كي لا يكونوا أدوات في أيدي بعض المشايخ المرتشين، ممن سماهم حسن التل رحمه الله: الأنبياء الكذبة!