قضايا وآراء

رسالة إلى الرئيس أردوغان (2-3)

- الأناضول
الأزمة العميقة لتركيا ولحزب العدالة والتنمية

أتفهم وأحترم ما قرره علم النفس التربوي والاجتماعي السياسي بأن لكل شعب وقومية خصائص صلبة موروثة لها التأثر العميق جدا الكامن في جهازها المعرفي والذي يؤثر بلا شك على أفرادها ونخبها بل وقادتها بل ومؤسساتها، ولكننا جميعا يجب أن نتفهم ونحترم ونعبد الله تعالى حقا بالتزام سننه وقوانينه التغيرية والإصلاحية في بناء المجتمعات والدول والأمم. وقد شدد الله تعالى على ذلك في وحيه الكريم العظيم الجليل الرحمة المهداة إلى مخلوقاته جميعا، وخاصة عباده المؤمنين به وبقوانينه ومنهاجه.

فكرة السنن الإلهية وحاكميتها وثباتها وطلاقتها

- "قد خلت من قبلكم سنن" (آل عمران: 137).

- "سنّة الله التي قد خلت في عباده" (غافر: 85).

- "سنّة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا" (الفتح: 23).

- "فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا" (فاطر: 43).

ولذلك فمن غياب الوعي الاستراتيجي والخسار مصادمة نواميس الكون وإغفال قوانين الله الثابتة المستقرة، التي لا تتغير ولا تتبدل ولا تتحول. وهي أيضا دائمة مستمرة، لا يؤثر عليها مرور الأزمان وتعاقب السنون والقرون. وهي كذلك غلّابة قاهرة، لا تحابي أحدا ولا يخرج عن حكمها أحد ولا يعطلها أحد. وهي مع ذلك عامة شاملة، شاملة في المكان والأقوام كما هي شاملة في الأزمان والأوقات. فالواجب أن نغالبها، ونستخدمها، ونحول تيارها، ونستعين ببعضها على بعض، ولن يكون ذلك إلا بفقهها والعلم والالتزام بها.

غياب الإجابة العلمية النظرية الصحيحة للهوية التركية الأصلية ومكوناتها العميقة، وتطبيقاتها العملية الميدانية تربويا وتعليميا وثقافيا وإعلاميا وقانونيا للدولة التركية بقيادة العدالة والتنمية على سؤال من نحن؟ وما هي هوية الدولة التركية؟

وكما أننا نحترم ونلتزم قانون الجاذبية، والتمدد الحراري الفيزيائي، وقانون التضخم الاقتصادي، يجب أن نحترم قانون تخطيط وبناء وتعزيز وتمكين هوية المجتمع وإعلانها. وإني وبحكم تخصصي وعملي أعتبر أن تجاوز قانون الهوية تماما كما الغرب الذي يريد أن يتجاوز قانون الزوجية، ويحارب الله تعالى ويهدم نفسه بقانون الفردية.

ولذلك وبمنطق القرآن الكريم يجب على القيادة التركية:

1- الاستماع ثم الاستماع ثم الاستماع.

2- الاستماع والانقياد لتوجيهات القرآن ليس كرأي آخر، ولكن كعقيدة ومصدر أم وأساس ومرجع ومقصد ومعيار لصوابية نمط التفكير، والتوجهات الاستراتيجية والسياسات الحاكمة لعمل الحزب والدولة.

3- مراجعة نفسها على سنن وقوانين الله والتقويم والتصويب السريع قبل فوات الأوان.

ثانيا: الأزمات

استقر في ذهني خمس أزمات كبرى عميقة لحزب العدالة والتنمية وسأتناولها تباعا في ثلاث رسائل مباشرة إلى الرئيس رجب طيب أردوغان، وذلك لكونه يحمل المشروع الإسلامي، ومن العثمانيين الذين يثق فيهم المسلمون، وتمكن من إنجاز قدر كبير من النجاح والإحياء الإسلامي.

الأزمة الأولى ونتائجها: عدم وضوح هوية الدولة التركية


غياب الإجابة العلمية النظرية الصحيحة للهوية التركية الأصلية ومكوناتها العميقة، وتطبيقاتها العملية الميدانية تربويا وتعليميا وثقافيا وإعلاميا وقانونيا للدولة التركية بقيادة العدالة والتنمية على سؤال من نحن؟ وما هي هوية الدولة التركية؟ خاصة في ظل أزمة عميقة جدا للهوية المجتمعية التركية.


تتناول هذه الصورة بإيجاز ما فعله الحلف الغربي الصهيوني في تفكيك قواعد وأصول ومنابع الهوية التركية، وإحلالها بالهوية الطورانية التركية القومية العلمانية المختزلة فكريا وتاريخيا ونفسيا وجغرافيا.

واقتصاديا وسياسيا عن طريق: الجهود العلمية المزيفة، وتوثيق سرديات مغلوطة، وإنتاج أجيال من الأساتذة والعلماء المهجنين المؤدلجين المزيفين لتربية أجيال لا تعرف ذاتها، وتقبل التحول المهين تابعة للغرب بعد أن قادت العالم لستة قرون متتالية.

نتائج أزمه غياب مشروع الهوية الوطنية التركية:

1- استناد حكم العدالة والتنمية على الشرعية المؤقتة لا الشرعية الدائمة ترك المجتمع يعيش حالة نموذجية لازدواجية الهوية التركية في هويتين متضادتين في الاعتقاد والقيم والمفاهيم والتصورات، بمعنى أن المشروع السياسي للعدالة والتنمية لا يزال فاقدا للشرعية الدائمة للحكم وهي شرعية الهوية الوطنية التركية الأساس في فكر وعقل ووجدان وحياة الدولة، وأصبح لا يستند إلا على الشرعية المؤقتة لصندوق الانتخاب، ومن ثم أصبح من الطبيعي غياب الوحدة والاحتشاد الوطني على المشروع السياسي الجديد للدولة التركية منذ صعود العدالة والتنمية للحكم. وحقيقة الأمر علميا وتاريخيا وعمليا هو أنه يمكن تصور دولة بدون دستور، ولكن لا يمكن تصور دولة بدون هوية وطنية واحدة محددة تحدد سبب وجودها وكيفية توحيد وحشد شعبها.

2- انقسام المجتمع إلى فريقين متنافسين على هوية الدولة وليس المشاريع السياسية لكل حزب.

3- انحراف وتحول العلاقة بين الأحزاب والشعب إلى علاقة ميكانيكية، تلك التي أقرتها الفلسفة والنظم الغربية في ديمقراطياتها اللادينية التي تستند على المصالح؛ ومفادها أعطني خدمات ومنافع أكثر أعطيك صوتي. وهنا يصبح الشعب عبئا على الحزب والدولة، وليست ديمقراطية ذات عمق ديني كالتي أقرها الإسلام في فلسفته للشورى وإعلاء المصلحة العامة للدولة؛ من خلال علاقة ديناميكية تقوم على التفاهم والتأثر المتبادل من خلال منظومة القيم والمفاهيم المشتركة التي تقررها الهوية الوطنية للدولة، والتي يتحول فيها الشعب إلى شريك وداعم للحكومة في مواجهة تحدياتها والنهوض بالدولة.

4- تحول الدولة من التركيز على الشعب واستعادة روحه وأوله وهويته الإسلامية الأساسية وأصوله ومقوماته الحضارية إلى محاولة كسب رضاه؛ بتحسين مستوى معيشته وجني أصواته للمحافظة على البقاء في السلطة.

والأصح في رؤيتي للمشهد التركي، هو توزيع الاهتمام بالجمع بين الهدفين استعادة الهوية الإسلامية للشعب، وتحسين مستوى معيشته وأمنه، بهدف بناء الأمة التركية الإسلامية تحت قيادة أي حزب، ما دام مشروع الهوية الوطنية الإسلامية قائما وراسخا على فلسفة ومبدأ أن الهداية والرقي بنفوس الشعب غاية وليس وسيلة، وأن الشعب بقيادة الحزب حامل لمشروع الأمة التركية وليس عبئا عليها وعائقا لها.

5- تحول المجتمع من اندماج وتكامل الهويات الجزئية في هوية وطنية واحدة إلى تصارع الهويات الجزئية، الكامنة في الصدور والبينة في الاستقطاب وصناديق الانتخابات، ووضع البلاد على لغم اجتماعي قابل للانفجار في أي لحظة.

6- غياب مشروع الهوية الوطنية الواحدة للمجتمع رفع الحصانة الذاتية عن المجتمع وهبوط مستوى الهوية الوطنية من الصلبة إلى المرنة ثم الهوية الرخوة بالغة الخطورة، وفتح الأبواب واسعة للاختراقات الخارجية والتدخل والتأثير في الواقع الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

غياب مشروع الهوية الوطنية للدولة أفقد المجتمع وبقية الأحزاب بوصلة واحدة للدولة، ومن ثم أصبح لكل حزب بوصلته الخاصة في حلم الوصول للحكم والمحافظة عليه بالإرضاء المؤقت للشعب وربما خداعه للحصول على أصواته. والصحيح عندي هو أن للدولة مشروعا واحدا للهوية الوطنية تنطلق وتتفرع منه بقية أحزاب الدولة

7- غياب مشروع الهوية الوطنية يوزع ويضعف الانتماء الوطني، ويقلل من قدرات وممكنات الفعل والإنجاز الحضاري لعموم المواطنين.

8- ارتباك السلّم القيمي للمجتمع بين سلمين متقاطعين تماما، وهذا بيّن وواضح وضوح الشمس عند تناول أي حدث أو ظاهرة ما في المجتمع، فهناك آراء حادة شديدة التعارض وصلبة عميقة الفلسفة.

9- غياب مشروع الهوية الوطنية للدولة أفقد المجتمع وبقية الأحزاب بوصلة واحدة للدولة، ومن ثم أصبح لكل حزب بوصلته الخاصة في حلم الوصول للحكم والمحافظة عليه بالإرضاء المؤقت للشعب وربما خداعه للحصول على أصواته. والصحيح عندي هو أن للدولة مشروعا واحدا للهوية الوطنية تنطلق وتتفرع منه بقية أحزاب الدولة، على الأقل الحزب الأم الأساس المعني باستعادة وعي الأمة وهويتها الأساس لقيامها وقوتها ووجودها، مع أحقية الأحزاب في اعتناق ما تشاء مع المحافظة على الحد الأدنى الذي تقرره الهوية الوطنية للدولة.

10- مشروع الهوية الوطنية للدولة في ذاته هو المصدر والمقصد والمرجع والمعيار والمؤشر الأساس للدستور والقوانين والفكر والأداء السياسي، وعليها يقاس فكر ومشروع وأداء الأحزاب والقوى السياسية، ويتكشف المستقيم من المنحرف سياسيا، والقوي والضعيف وطنيا، والأمين والخائن وطنيا، وبغياب مشروع الهوية الوطنية يغيب مرجع ومعيار القياس وتفتح أبواب التلاعب السياسي والتيه الشعبي، ومعهما تضيع المصلحة العليا للوطن.

11- غياب مشروع الهوية الوطنية الواحدة للدولة غيب النظام السياسي الوطني المعياري الأساس لكل الأحزاب، والذي يحدد عليه الحد الأدنى المشترك للقيم، وثقافة وتوجهات ونظم ومعايير عمل الحزب مع الاحتفاظ بمساحات خصوصية وتميز لكل حزب، بما يضبط ويرشد وينظم الأداء السياسي العام لكل الأحزاب نحو بوصلة المصالح العليا للدولة.

وللحديث بقية..