أفكَار

نقاش فكري حول الإسلاميين والدّولة المدنية والموقف من الحكم الاستبدادي

عبد الهادي مهادي: هناك من الإسلاميين من يعتقد أنّه نفض يديه من المشكلة حينما يدعو إلى "دولة مدنية بمرجعية إسلامية"، ولكنّه لا يدري بأنّه يزيد الأمر غموضا.
 (1)

على الإسلاميين ـ أصحاب المشاريع التغييرية الجذرية ـ أن يضعوا تمييزا، على مستوى الفكر، بين ما هو استراتيجي، قد يتحقّق كلّه، أو جزؤه، أو قد يُطوى جميعه فيغدوا فقط ضمن الأرشيف الذي يؤرّخ لتطور الفكر السياسي والاجتماعي الإسلامي، وبين تدبير المراحل المختلفة أثناء ممارساتهم السياسية والمجتمعية.

(2)

يتعامل بعض الإسلاميين مع اجتهاداتهم الفكرية والسياسية بمنطق غارق في الوُثوقِـيّة قريبة من التقديس، من أجل ذلك تكون صدمتهم كبيرة وعميقة حين يكتشفون محدودية بعضها، أو تجاوز الواقع لبعضها الآخر، أما إذا حصل وقام أحد منهم بنقدها أو مراجعتها فإنّ اتهامه بالنكوص و"التحريفيّة" أمر مشهور وشائع.

في المقابل تجدهم في عداوة مطلقة مع غالب مقولات الفكر السياسي الغربي دون أي جهد في العمل على تبييئتها بما يتناسب ومجالنا التّداولي.

(3)

يُطالع الإسلاميون السيرة النبوية، ويُكثرون من التأليف فيها، وينتظمون في الحديث عنها وعن الدّروس المستقاة منها في برامجهم التعليمية والتربوية، ولكنّ الكثير منهم لا يُحسنون "قراءتها"، وآخرون يُقصونها جانبا حينما يجدون أنفسهم في مواقع ومقامات سياسية، لهم فيها سوابق، ولكنّها لا تُواتي ما "يشتهونه".

وأوّل ما يفقأ العين في السيرة النّبوية قانون التدرج وسنّته، والإعداد والاستعداد للحظة لا تسنح سوى مرّات نادرة، ووحده المتربّص بها من يقطف ثمارها.

الإسلاميون الذين يتبنّون شعار "الدولة المدنية"، وإن لم يفصّلوا فيه بعد، يبحثون عن "مشترك ما" مع أطراف وطنية، ويقطعون نحوهم مسافة، وهم يمدون اليد بصدق وودّ. والهدف إضعاف الاستبداد ـ المشكلة التاريخية للأمة ـ في أفق القضاء عليه، والعمل على بناء الوطن بنَفَسٍ توافقي.
يخاف أحد قُرّائي ـ تعقيبا على ما نشرت ـ من "أن يقضم الهدف المرحلي من الاستراتيجي شيئا فشيئا حتى يصبح الهدف الاستراتيجي على الهامش أو يتحول مع الوقت إلى شيء مستحيل التحقق". ويرتعد آخر هلعا من أن يبرز إلينا "من يقول إن دعم الاستبداد عمل تدبيري ضمن المتاح وإن السياسة فنّ الممكن".

وإنّها لَمخاوف مشروعة، ويقظة أبناء المشروع واجبة حتى لا تحصل تلك المساوئ، ولكنّ الطّريق النّبوي إلى التغيير ـ كما نطالعه في سيرته صلّى الله عليه وسلم ـ تؤكّد أنه لا بدّ من مواجهة الواقع بشجاعة، ولكن بكثير من المرونة والمصانعة الحكيمتين، دون أن تطرف العين لحظة عن البُعد الذي يُتحرّكُ نحوه.

من يجعل من التّخوفات قاطرة لمساره، وهو مسعى ليس سيّئا دائما ـ يُضيّق على نفسه واسعا، ويجد نفسه دائما يشتغل ضمن أفق "سدّ الذرائع".

(4)

إذا حصل ودُفع الإسلاميون اليوم ـ طوعا أو كرها ـ لأن يختاروا شعارا واحدا ـ من بين شعارات كثيرة ـ يلخصون به أفقهم السياسي ومطالبهم السياسية لأخطأوا خطأ فظيعا إن هم آثروا غير شعار "سيادة الشعب / الأمة"؛ فلا "الإسلام هو الحل" ولا "أسبقية الشريعة"، ولا "الخلافة على منهاج النّبوة"، يخدم مشروعهم الاستراتيجي كما يفعل إلحاحهم على وضع "السّيادة" ـ حَقيقيّةً ـ بين يدي شعوبهم وأمّتهم.

فما "السّيادة"؟ ولماذا نمنحها كلّ هذه الأولوية؟

(5)

حديثنا عن "السيادة السياسية" وليس عن "السيادة القانونية"، ليكن هذا واضحا؛ فالثانية يمتلكها شخص/أشخاص أو مؤسسة/مؤسسات تمكّنهم من إصدار القوانين والأوامر والسّهر على تنفيذها. وهذه الجهة "منتخبة" من أصحاب السّيادة الأولى، الذين يمتلكون وحدهم الحق في الانتخاب والتّصويت؛ التصويت الذي يمنح وحده المشروعية للاختيارات الكبرى.

"السّيادة" التي نقصدها، هي تلك السلطة العليا غير المقيّدة، ولا يحدّ منها القانون، ومطلقة، ولا تعلوها سلطة أخرى في الدّولة، وتعبّر عن الإرادة العامة.

"السّيادة" بهذا المعنى المختصر ـ الذي أرجو أن لا يكون مُخلّا ـ ليست في يد أحد غير "الشّعب/الأمّة".
والإسلاميون يجب أن "يؤمنوا" بسلطة هذه السّيادة، و"يعتقدوا" فيها، ويستبسلوا في الدّفاع عنها مهما كانت النتائج التي يمكن أن تفضي إليها.

ولا حرج عليهم أبدا ومطلقا إن حصل وأن اختار الشّعب، بعد حوار وطني حرّ وانتخابات نزيهة، "نظاما" لا يروقهم، وتوجّهات اجتماعية واقتصادية غير منسجمة مع اجتهاداتهم. بل ـ وأكثر من ذلك ـ ليس عليهم شيء إن اختار النّاس العلمانية، بل وحتى الإلحاد.

الشّرط واحد ووحيد: أن يكون الاختيار ـ كما قلنا ـ بعد حوار واسع وحرّ، وبعد انتخابات نزيهة.

ليس لهم من الأمر شيء؛ فلا إكراه، ولا ضغط، ولا تحجير على عقول النّاس واختياراتهم، ليس لهم سوى تربية الناس وتعليمهم، لعلّهم في الانتخابات يقنعونهم بالذي يريدون.

نريد "إنسانا فاعلا في التّاريخ"، ونريد "أمّة صانعة له"، ولن يحصل هذا وذاك إلا بعد أن نضمن بأنّ "السّيادة" الحقيقية بين يد أصحابها غير مُهرّبة ولا معتقلة.

(6)

نجيب الآن عن سؤال: ما الدّولة المدنية؟

في كلمة أو اثنتين نُلخّص المقصود بها كما نبتت وسادت في أوربا، ثمّ ننظر ـ فيما بعد ـ في إمكانية استنباتها في أرضنا، وهل من أمل في مواءمة أجوائنا لها.

توّجت الدولة المدنية مسارا أوربيا طويلا من الصراع السياسي والمجتمعي، دمويا في الكثير من مراحله، وكانت الكنيسة في قلب العاصفة وعينها، لأنّها كانت تحتكر كلّ شيء تقريبا، بما في ذلك الوساطة بين النّاس وخالقهم؛ فلا جنّة لأحد إلا بعد الاعتراف وتقديم الولاء وشراء الغفران. وكانت تتعامل مع الدّنيا باعتبارها "مُدنّسا"، فتقبّح كلّ الملذات الدّنيوية، خاصة تلك المتعلّقة بالجسد بشكل مباشر، وبذلك صادمة الفطرة الإنسانية. كما قادت معركة من نوع آخر، واجهت فيها "العقل"، ووقفت ضدّ كلّ فتوحات العلم، فحاصرت رجالاته وسجنت الكثير منهم وأعدمت آخرين.

انفجر الوضع ـ بالتدريج ـ على جبهات شتى، بما فيها البيت الدّاخلي للكنيسة، فظهرت البروتستانتية، ووجّهت نقدا شديدا للكنيسة، وهي مَن ستفتح الآفاق واسعة لتظهر فيما بعد اللبرالية والرأسمالية.

وكان رجال الفكر والأدب والفلسفة في قلب المعركة؛ فألّفوا ونشروا كتبا ضدّ الكنيسة، والفهم الكنسي للدّين، وانتصروا للعقل. وحينما انفتحت أمامهم المسالك انتقلوا إلى مستوى آخر؛ إذ عملوا على قلب المعادلة بين "المقدّس" و"المدنّس"، وأسسوا لذلك انطلاقا من مقولات عقلية صرفة.

في عام 1789م، ستبلغ المعركة مداها حين انفجر الوضع بشكل شامل في باريس؛ حيث "شُنق آخر قسيس بأمعاء آخر ملك". وهناك ستولد إحدى أشدّ "العلمانيات" شراسة وأكثرها كرها للدّين؛ إنّها "اللائيكية الفرنسية".

بعد ذلك تمّ التّنكّر لكلّ ما ليس مادّيا، ورُفع "السّحر" عن العالم، وتمّ التّمركز حول الإنسان، وأجبر "الدّين" ـ العليل  أصلا ـ على الانزواء في هامش الفرد والمجتمع، وحينما وصل نيتشه كانت بعض معالم الدّين ما تزال تظهر على سمات النّاس، فلم يرقه ذلك، فنزل عليه بضربته القاضية، ومحا بحقد آثار الإله؛ الإله الذي يعرفه.

استقلّت السياسة بنفسها، وأسّست دولة تقوم على تعاقد مجتمعي بعيد عن كلّ ما هو ديني، وجعلت من إرادة المجتمع أسمى سلطة، ورفعتها فوق كلّ الإرادات، وأثّلت لها أسسا ومستلزمات؛ فأما الأسس فهي: الديمقراطية والعلمانية وسيادة القانون، وأما المستلزمات فهي: المواطنة والمجتمع المدني وثقافة التّعدّدية.

والنتيجة أنّ الأوروبيين خرجوا من استبداد ثنائي بغيض: دينيّ وسياسيّ، وأنشأوا دولا قومية تُدار دواليبها بنفس توافقي، وعين الجميع على مصالح الوطن؛ وهي وحدها ـ أي المصالح ـ التي ستكون سببا في نشوب الكثير من الحروب طحنت العالم وما تزال.

(7)

 دعونا نعترف أولا بأن خيار الدولة المدنية، بسياقها الذي تحدثنا عنه مختصرا في التدوينة السابقة، وبخلفيتها الفكرية والفلسفية، وبالمآلات التي تقود إليه، تجعل كلّ إسلاميّ في ورطة حقيقية إن هو صرّح بـ"تـبَـنّـيه".

من المؤكّد أنّ الإسلاميين الذين يتحدّثون عن هذا الخيار ضمن اجتهاداتهم المستقبلية على علم بكلّ ذلك، فما الذي دفعهم لأنّ يحشروا أنفسهم في مثل هذا الضّيق؟ لا بدّ أنّهم يمتلكون أسبابا حقيقية.

إنّه عصر التأويل!

لا شكّ أنّ كلّ "تأويل" وكلّ "قراءة" ستُرفض من قبل "الحداثيين" إن هم أصرّوا على التّشبّث بمفهوم الدولة المدنية" باعتباره نسقا لا يتجزّأ.

(8)

يقينا، الإسلاميون الذين يتبنّون شعار "الدولة المدنية"، وإن لم يفصّلوا فيه بعد، يبحثون عن "مشترك ما" مع أطراف وطنية، ويقطعون نحوهم مسافة، وهم يمدون اليد بصدق وودّ. والهدف إضعاف الاستبداد ـ المشكلة التاريخية للأمة ـ في أفق القضاء عليه، والعمل على بناء الوطن بنَفَسٍ توافقي.

والأصوات الإسلامية، الذين يتخوّفون من هذا الخيار باعتباره تنكّرا لبعض مبادئ "الشريعة" وإعطاء "أقليّة سياسية" فوق ما تستحقه من الاحترام والوجود، ذاكرتهم سمكية أو مثقوبة؛ لأنّ التاريخ القريب جدا يحذّر الإسلاميين من خطورة محاولتهم الانفراد بمسؤولية إدارة الشأن العام، وإقصاء مقترحات غيرهم، أو التعامل معها بنوع من الاستعلاء، تحت دعوى "الأغلبية" و"كثرة العدد". يحذّرهم أنهم "لا أرضا سيقطعون، ولا ظهرا سيُبقون" كما وصف نبيّنا المُنْبتّ.

فكفى من الحديث عن باقي الأطراف بأنهم قد "ماتوا"!

"بيتنا معطوب"... معطوب جدا. ومن الغباء أن يعتقد "أحد" ـ مهما أوتي من العدد والقوة والاقتراح والاقتحام ـ أنّه بإمكانه وحده أن يعيد البناء والتشييد، يقينا سيفشل، وسيُحمّله الجميع مسؤولية الخراب، لأنّه خربَ بين يده.

(9)

هناك من الإسلاميين من يعتقد أنّه نفض يديه من المشكلة حينما يدعو إلى "دولة مدنية بمرجعية إسلامية"، ولكنّه لا يدري بأنّه يزيد الأمر غموضا.

لماذا يُصرّ الإسلاميون على التقرّب من اليساريين و"التّنازل" لهم، ويحرصون على إيجاد أرضية للتّوافق معهم، في الوقت الذي يقف أهل اليسار حذرين من "الشّريعة"، بل مستبعدين لها، في أي مدخل للإصلاح والتغيير، ونموذج ذلك حاصل هنا والآن، حين صرّح أحدهم بأنّ "الشريعة عقبة أمام مدوّنة عصرية".
فشعار "المرجعية الإسلامية" يختلف في تفسيره وتأويله الإسلاميون أنفسهم إلى حدّ التعارض المنشئ لخصومات في الكثير من الأحيان؛ ويكفي أن نلتفت للتّعارض الحاصل بين جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح في المغرب أثناء نظرهما لتأصيلات النّظام المغربي وخطابه وممارساته، لنستيقن بأنّ كلّ واحدة منهما تفهم تفاصيل في تلك "المرجعية" بطريقة مختلفة.

مثلا: في الوقت الذي كان فيه الأستاذ عبد السلام ياسين محاصرا في بيته بسلا، أواسط التسعينات من القرن الماضي ـ نتيجة لمواقفه الصّارمة من النظام المغربي، كان الأستاذ عبد الإله بنكيران ـ مثلا ـ يعلن في حوار له مع جريدة "الرّاية" أن الدّولة الإسلامية قائمة في المغرب، ولا معنى للمناداة بها.

نحتاج إلى مدخل آخر إذن.

(10)

عندما نطرح أسئلة حول "الإسلاميون والدولة المدنية" هذا لا يعني أنّنا نمتلك أجوبة عليها كلّها، أو أنّ إجاباتنا شافية في مجملها، بل يعني فقط أنّنا متهمّمون بالمسألة، ونبحث ـ كما غيرنا ـ عن مفاتيح تُسهّل علينا اقتحام بعض الأبواب المغلقة.

لا ندّعي بأنّنا نُدشّن أمرا جديدا؛ فالنّقاش مفتوح منذ مدّة، وقُطع فيه أشواط معتبرة، والمكتبة العربية في المجال بدأت تنمو وإن بطريقة بطيئة، ولكنّ الكثير من إسلاميي المغرب يبدو وكأنّ النقاش غافلهم، من أجل ذلك ما يزال بعض قُرّائي منهم يُشاغب عليّ، أو يقرأ كلامي بطريقة مغلوطة، أو يُقوّلني ما لم أقله، أو يكتفي بمرجعيّة فكرية واحدة، دون أن يلتفت لمن سبق وأن أدلى بدلوه في الموضوع، وقد تكون مقولاته متقدّمة.

يحتاج الموضوع إلى عقل حرّ وإرادة مقتحمة حتى يتمّ مواكبة مثل هذا النّقاش المستقبلي، أمّا مَن يلزم عتبة بيته ـ اكتفاءً أو كسلا ـ دون أن يأخذ بخناق نفسه ويجرّها لتسافر بين رياض الفكر والتجارب وتلالهما وجبالهما ـ من دون أن يتخلّى طبعا عن بوصلته الخاصة ـ فإنّ مُعجمَ خطابه لن يخرج عن مفردات الخوف والاحتراز والتّوجّس والحذر.  

(11)

تساءل أحدُ أصدقائي الإسلاميين قائلا: لماذا يُصرّ الإسلاميون على التقرّب من اليساريين و"التّنازل" لهم، ويحرصون على إيجاد أرضية للتّوافق معهم، في الوقت الذي يقف أهل اليسار حذرين من "الشّريعة"، بل مستبعدين لها، في أي مدخل للإصلاح والتغيير، ونموذج ذلك حاصل هنا والآن، حين صرّح أحدهم بأنّ "الشريعة عقبة أمام مدوّنة عصرية".

واستغرب صديقي عن المسلك الذي يتّخذه بعض الإسلاميين حين يبحثون عن توافقات سياسية على أرضية مقاومة الاستبداد، وفي المقابل لا يبحثون عن توافقات دعوية على أرضية تطبيق الشريعة؟ قبل أن يضيف: هل هؤلاء الإسلاميون يريدون إقامة الدين أم إقامة الدّولة؟ ألا يهدّد هذا المسعى "هويّتهم"؟ ألا يجعل خطابهم يسقط في ازدواجية بين خطاب دعوي موجّه للأتباع، وخطاب مُعلمن تخاطب به الفرقاء؟

لم أُسَمّ الصديق ولا الجهة التي ينتقدها، ليس تجاهلا، حاشا، ولكن لنجعل النقاش عامّا بعيدا عن الشّخصنة.

وإنّ أسئلته لَمُهمة ولها الحضّ الكامل من المعقولية.

أوّلا، نفرحُ حينما نسمع لمن يُخالفنا الرّأي، يصرّح بما يصدم الجمهور، بوجهات نظر معارضة لجعل "الشريعة" مرجعا لإصلاح وتغيير بعض ما نودّ إصلاحه وتغييره، وإنه لوضوح نطلبه وندعو إليه ونُطَمئنُ من يسلكه، لأنّ في ذلك تحريض على أن يصطفّ المرءُ واضحا مع تقديراته الفكرية ليعرف النّاس ويميّزوا بين التّوجّهات والألوان، فليس من مصلحة المستقبل أن يبقى أهل الإيديولوجيات مستترين خلف الغموض، فلا بدّ من الفرز الفكري، والذي لا يعني بالضّرورة فرزا سياسيا.

ثانيا، ونحن نتدافع سياسيا، نرفض، على العموم، زمن الاستبداد، أن نشكّل جبهتين متعارضتين؛ "جبهة الإسلاميين" و"جبهة العلمانيين"، بل ندفع في اتجاه جبهة موحّدة ضد الاستبداد، لأنّه المشكلة التاريخية للأمة، وهو منبع الشّرور والانحرافات والانتكاسات في المجتمع، فالمطلوب هو تحجيم قوّته، في أفق القضاء عليه. الأولوية إذن لتأليف الجهد نحو هذا البُعد.

وهذا لا يعني بأنّ الإسلاميين يمكن أن يسكتوا عن أمر مهم، مثل مسألة الضّوابط التي ستتحكم في "مدوّنة الأسرة" نزولا عند رغبة أولئك الفرقاء، بل سيتدافعون معهم حولها دون أن يفرّطوا في توافقاتهم معهم في الملفات الأخرى.

ثالثا: اليوم، بوجود الاستبداد، ليس زمن الاشتغال على توافقات دعوية على أرضية تطبيق الشريعة، ولا حتى زمن الاحتجاجات والانتفاضات، ولا حتى زمن الثّورات، لأنّ الغالبية العظمى من دعاة "تطبيق الشريعة" هم اليوم ـ بشكل أو بآخر ـ مصطفّين مع الحكّام، مدافعين عن حِماه. وغدا لا أشكّ أبدا بأنّهم سينبرون ويتبارون في الحفاظ عليه تحت دعاوى وشعارات تمتح من الشريعة نفسها.

رابع: ما الذي يريد الإسلاميون اليوم إقامتَه: الدّين أم الدّولة؟ وهو سؤال مرحلي خاطئ، مُشوّش، مغلوط؛ الإسلاميون اليوم يريدون إسقاط الاستبداد.

(12)

ـ  بعض الإسلاميين، من التلامذة، يعلقون على النّقاش المرتبط بموضوع " الإسلاميون والدولة المدنية" وكأنهم في جلستهم التعليمة؛ يتحدثون بمفاهيم ومقولات وأفكار لا يفهمها سوى من هم من نفس مدرستهم. ويتكلمون بوثوقية كمن بيدهم الحل والعقد، وكما الرسل؛ ليس هناك من حق خارج ما يفكرون به وفيه.

الدّولة المدنية إذن تعني الديمقراطية، وسيادة القانون، وقيم المواطنة، وثقافة التعدد، وتدبير الاختلاف، ونبذ العنف، وفاعلية المجتمع المدني، وحكم المؤسسات، وانتخاب المسؤولين، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ـ سبق أن دعوتُ الإسلاميين أن يتحلّوا ببعض التواضع وهم يناقشون القضايا السياسية، لأنهم مسبوقون، كما أن الآخرين من المؤكد أن الكثير منهم يمتلك أصالة وعمقا وصدقا ونية حسنة.

ـ حينما سيصل الإسلاميون للسلطة - وهم واصلون بحول الله تعالى ـ أقصد السلطة الحقيقية، سيجدون أمامهم ـ إن هم اتفقوا وصفّوا ما بينهم من اختلاف وخلاف ـ سيجدون اليساري والديمقراطي والأمازيغي والنسويات والحقوقيين بأسئلته واشتراطاته ومطالبه واقتراحاته، فما الذي أنت فاعل معهم أيها الإسلامي؟  هل سترفع في وجههم "سلطة الأغلبية"؟ أم ستحاصرهم بمقولاتك الدينية وتضيق عليهم، ومن ثم تزج بهم في السجون.

ـ نحتاج إلى فهمِ الأنبياء والرسل وإلى عباءتهم، فالمطلوب أن نسع الناس ونفوز بهم، فالإسلاميون - حتى لا ينسوا ذلك - هم رجال دعوة أولا. ولا أظن أن "غفلتهم" السياسية - التي يتحدث بها الركبان - ستستمر إلى الدرجة التي سيستغفلهم فيها الآخرون بالشكل الذي يتخوف منه أولئك التلامذة، سيأتي اليوم الذي سيصلون فيه من القوة والرشد ما يمنع ذلك.

(13)

الدّولة المدنية إذن تعني الديمقراطية، وسيادة القانون، وقيم المواطنة، وثقافة التعدد، وتدبير الاختلاف، ونبذ العنف، وفاعلية المجتمع المدني، وحكم المؤسسات، وانتخاب المسؤولين، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

تعني، إذا شئنا "التّعريف بالسَّلب"، أنها ليست دولة ثيّوقراطية، تلك الدولة الدينية التي تستمدّ مشروعيتها من "تفويض إلهي". وهي ليست معصومة. كما أنها ليست دولة عسكر.

إنها حلّ اكتُشٍفَ للخروج من الاستبداد الدّيني والسياسي.

إنها إرادة الشعب؛ فهو من يختار حكامه، وهو من يعزلهم، وهو من يسنّ القوانين، وهو من يراقب تنفيذها؛ أي أنّ إرادته سامية فوق كل الإرادات، وسلطته مطلقة.

وهي كذلك دولة علمانية.

والعلمانية علمانيات، أشدّها ضراوة تلك التي تُعادي الدّين وتعمل على إلغائه بشكل تامّ، وأحنّها عليه تلك التي تتعامل معه باعتباره ينتمي لما هو فردي، شخصي، روحي، فلا دخل له في المجال العام.

والسؤال الآن: هل يمكننا إحداث تغيير قي "تعريف" الدّولة المدنية؟ هل يمكن تغيير أسسها ومستلزماتها دون أن نمسّ بهويّتها؟ هل الشّرط العلماني ضروري فيها؟ أي هل ارتباطهما ارتباط تكويني؟ هل يمكن إعادة النظر في تموقع الدّين ضمن أسسها؟

كلّ شيء قابل للقراءة وإعادة القراءة وإعمال أدوات التّأويل؛ فما دام الجميع ـ بدون استثناء ـ ينادي بضرورة التجديد الدّيني، والحداثيون يرغبون أن يفعلوا ذلك حتى فيما يعتبره جمهور المسلمين من ثوابت الدّين القطعية، فإنّ إعادة النظر في تعريف الدولة المدنية وأسسها ومستلزماتها وعلاقتها بالدّين هي من ضمن ما يجب أن يطاله "التّحديث والتجديد".

المطلوب أن يجتمع أهل الرأي والاختصاص من الأكاديميين والخبراء والعلماء، أن يجتمعوا في "هيئة منتخبة" تُمثّل جميع التّوجّهات، فتعمل على صياغة كلّ ذلك في وثيقة "فوق دستورية"، يصوّت عليها الشعب بحرّيّة، بعد حوار وطني واسع، ويتمّ تسْـيـيـجها بضمانات تُصعّبُ كثيرا من إمكانية تغييرها، ومع مرور السنوات ستغدو "أعرافا سياسية مجتمعية" تشكّل جزءا من هويّة الشعب.

و ها قد عدنا إلى ما قلنا سابقا ـ في الورقة الخامسة ـ بأنّه يشكّل الأسّ والرّكيزة والمركز، أقصد "سيادة الشّعب؛ وذلك حينما قلنا بأنّه "يجب" على الإسلاميين أن "يؤمنوا" بسلطة هذه السّيادة، و"يعتقدوا" فيها، ويستبسلوا في الدّفاع عنها مهما كانت النتائج التي يمكن أن تفضي إليها.

وماذا لو صوّت الشعب لفائدة نوع من ارتباط الدّين بالدّولة لا يروق لهم؟

"يجب" أن يقبلوا بذلك، وما عليهم سوى المزيد من التّغلغل وسط الشعب والعمل على المزيد من إقناع النّاس بتصوّراتهم، فإذا أحسّوا بأنّ المزاج العام للناس يطلب إحداث تغيير في تلك "القواعد" ـ المستعصية على التغيير أصلا ـ انبروا لفعل ذلك، عبر نقاش وطني أيضا وانتخابات حرة ونزيهة، وبذلك لن يكونوا هم من غيّروا في "الأعراف" بل السّلطة العليا والمطلقة في البلد؛ أقصد الشّعب.

*باحث من المغرب