أفكَار

هل أنقذ طوفان الأقصى الحركات الإسلامية وأظهر لها الطريق للخروج من أزمتها؟

"طوفان الأقصى" وتداعياته لم ينهض بعد ليشكل تحولا إقليميا حافزا على إنهاء أزمة الإسلاميين، ولم يصل دور الإسلاميين التعبوي الداعم للقضية الفلسطينية لدرجة خلق إزعاج للسلطة..
ليس ثمة أدنى شك أن الحركات الإسلامية في العالم العربي قد دخلت وبشكل متفاوت دورة انكماش كبيرة، بدأت بشكل مبكر مع التجربة المصرية (جماعة الإخوان المسلمون بعد إسقاط حكم الرئيس السابق محمد مرسي)، ثم تونس بعد دخول العلاقة بين الرئيس التونسي قيس السعيد وحركة النهضة مرحلة الصدام (اعتقال الشيخ راشد الغنوشي وإغلاق للنسق السياسي)، فالمغرب الذي أخذ مسار  تفكيك الإسلاميين، محطات نسبيا طويلة، بدءا بإعفاء رئيس الحكومة المعين عبد الإله بنكيران (2017)، ومرورا بتعيين حكومة سعد الدين العثماني وتقليص نفوذ الحزب داخلها وانتهاء بهزيمة انتخابية كبيرة  عام 2021، واحتلال الحزب للمرتبة الثامنة، وإبعاده بشكل كلي عن التوليفة الحكومية، بل وإضعاف قوته حتى داخل المعارضة.

نركز على هذه التجارب الثلاث، لأن واقع الإسلاميين في اليمن وسوريا ربما لا يحتاج إلى مؤشرات لإثبات انخراط هاتين الحالتين ضمن دورة الجمود، ولأن حالة الإخوان في كل من الأردن والكويت، لم تصل إلى اللحظة سقف التأثير التقليدي في النسق السياسي.

عدد من الباحثين المختصين في دراسة الإسلاميين، سجلوا في استنتاجاتهم أن هذا الفاعل الذي تصدر المشهد السياسي في كل من مصر وتونس والمغرب، وشكل أكبر قوة سياسية في الأنساق السياسية العربية لأكثر من عقد من الزمن، واستفاد بشكل براغماتي من رياح التغيير الإقليمي العربي، ووصل إلى قيادة الدولة أو الحكومة أو شارك في السلطة، يعيش اليوم أزمة عامة، وذلك على الأقل لسببين، أولهما أن قضية الديمقراطية لم تعد قضية جوهرية لا في السياسات الدولية ولا الإقليمية، وأن الأنظمة تخففت من الضغط الغربي بهذا الخصوص. والسبب الثاني، أن الأنظمة العربية لم تعد تر في الإسلاميين، خاصة بعد مشاركتهم في السلطة، فاعلا أساسيا يتوقف عليه الاستقرار السياسي، فوجود الإسلاميين أو عدم وجودهم لم يعد يثير تحديا سياسيا أو اجتماعيا، ولذلك لم يصر الطلب على الإسلاميين، ملحا لا من الناحية الداخلية ولا من الناحية الإقليمية والدولية، ومن ثمة، لم يعد هناك من ضغط يوجب -خارج إدماجهم السياسي-أن يكون لهم موقع فوق عادي، يتم استثماره سياسيا من أجل التخفف من الضغط الدولي، أو من أجل تحقيق توازنات داخلية.

هذه الوضعية (حالة الأزمة) التي طالت نسبيا في بعض الحالات (مصر) وتأخر واقعها في بعض الحالات (تونس والمغرب)، باتت تطرح أسئلة عميقة تتعلق بتمظهرات هذه الأزمة وسماتها المختلفة، وتتعلق ثانيا، بقدرتها على استئناف دورها، وهل الأمر يتوقف على دينامية داخلية أو على توفير شروط ذاتية، أم يتعلق بعامل خارجي، يرتبط بتغير الشروط الدولية والإقليمية.

في هذا المقال، سنحاول أن نقارب هذه الأسئلة، من زاوية بحث السمات العامة للأزمة (المشتركة)، والخيارات الذاتية التي تم إنتاجها للخروج من الأزمة، وقياس أثر العامل الخارجي (الحرب على غزة) في تحريك فعالية الإسلاميين، وإعادة دورهم إلى المشهد السياسي، لكن هذه المرة، ليس من بوابة الفعل داخل النسق السياسي، ولكن من بوابة زخم الشارع.

سمات أزمة الإسلاميين

تشترك حالات الإسلاميين في سمة مركزية، وهي العودة إلى الحلقة الأولى: حلقة المحنة (الإخوان في مصر) وحلقة الاستئصال السياسي (النهضة في تونس) وحلقة مقدمات الإدماج السياسي (العدالة والتنمية في المغرب).

إسلاميو مصر، تحملوا الأزمة في تاريخهم الطويل ثلاث مرات، بتناسب مع كل عهد. في عهد الملك فاروق بعد قرار حل الإخوان، وعهد جمال عبد الناصر في أكثر من موجة (1954، 1965، 1966) ثم مع حسني مبارك التي أخذت فيه المحنة طابع الحصار السياسي والقانوني، ليجدوا أنفسهم في محنة أكبر في عهد الرئيس عبد الفتاح السياسي.

إن الإسلاميين ـ بسبب مسار من المشاركة السياسية، وبسبب الإغراءات التي أحدثتها مشاركتهم في السلطة ـ حدثت فجوات كبيرة داخل نخبهم، وساهمت في تغذية الانقسام الداخلي، بحيث أدى خروجها من السلطة إلى إضافة عامل جديد إلى الأزمة غير صراع النخب، وهي أزمة الخط السياسي
وإسلاميو تونس، تحملوا محنة الاستئصال مع بورقيبة، ثم مع بن علي، ليجدوا أنفسهم اليوم يعودون إلى الحلقة ذاتها في عهد الرئيس قيس سعيّد، بعد أن كان نظر النهضة الاستراتيجي عند مسار ترتيب الانتقال الديمقراطي بعد ثورة الياسمين، يتجه إلى الإمساك بمراكز السلطة حتى لا يتكرر معها «قدر» الاستئصال.

أما إسلاميو المغرب، الذين ساروا على نسق تصاعدي ابتداء من سنة 1997، منذ أول مشاركة سياسية لهم، إلى غاية وصولهم إلى رئاسة الحكومة سنة 2012، شطبوا تقريبا من المؤسسات التمثيلية، فصار وضعهم الحالي (13 مقعدا نيابيا فقط) أشبه بالوضع الذي كانوا عليه بداية مشاركتهم الأولى، عندما حرموا من تكوين فريق نيابي وانتظروا سنة، لكي يحققوا هذا الهدف.

تنضاف إلى هذه السمة، سمة أخرى، تشترك فيها الحالات الثلاث، وهي أنها جميعها تعاني من أزمة انقسام داخلي، إما على خلفية الصراع لإزاحة الكاريزما القيادية التاريخية (حالة النهضة) بحجة أن راشد الغنوشي أضحى ـ في نظر بعض القيادات ـ يمثل حالة استبداد تنظيمي داخلي يمنع التنظيم من تأمين تماسكه الداخلي، وتجسير شروط الارتقاء السياسي والتنظيمي، وضمان أعلى شروط الجاهزية والسياسية، وإما على خلفية خلاف على الخط السياسي وتقييم المرحلة الحكومية السابقة (حالة المغرب) وإما على خلفية صراع الأجيال، بحكم إمساك القيادات التاريخية بمراكز القوة في التنظيم، وجعل منظومة الولاء سابقة على قيم المبادرة والإبداع (حالة مصر).

نسجل ملاحظة على التجربة التونسية، وهي أن جوهر هذا الخلاف قد خف، ولم يزل بشكل كامل، بسبب المحنة التي تعرض لها الشيخ راشد الغنوشي، والتي شكلت عاملا موضوعيا لتأجيل مطلب القطع مع القيادة التاريخية، والتمركز أكثر على فكرة مناهضة استبداد السلطة.

أما السمة الثالثة، فتشترك الحالات الثلاث في وجود حالة من القطيعة الصريحة أو الضمنية بين النظم السياسية وبين الكاريزمات الحركية، بالشكل الذي جعل جزءا من أجيال الحركة الإسلامية تعتقد بعدم وجود أفق للانبعاث من جديد من دون أن تحل عقدة المنشار، وتتراجع القيادات التاريخية إلى الوراء.

في التجربة المصرية، وبسبب واقع الاعتقالات، وعدم التناغم بين أطروحة الداخل وأطروحة الخارج، وبسبب الفجوة بين أجيال الإخوان، أخذت أزمة الكاريزما التاريخية بعدا آخر، فالإخوان لحد اليوم لا تتوفر لديهم كاريزما قيادية، بمواصفات الغنوشي في تونس أو بن كيران في المغرب، ولذلك تأخذ الأزمة داخل الإخوان طابعا مختلفا، فالصراع ليس على إزاحة القيادة التاريخية ذات الطابع الكاريزمي، ولكنه صراع على تنحية جيل عمر طويلا في القيادة، ولا زال يحتفظ بالبراديغم الإخواني التقليدي.

بعض قيادات الإخوان الشابة، تتصور وجود إمكانية لاستئناف الدور حتى في عهد السيسي الموسوم بانسداد النسق، وأن الصراع مع السلطة، تعمق وازداد حدة بفعل أحقاد شخصية وسوء فهم متعذر على الحل بين السلطة وبين القيادات التاريخية الماسكة بالتنظيم.

وبعض قيادات النهضة، يعتقدون أن ذهاب راشد الغنوشي من رئاسة النهضة، كان سيمكّن من تجاوز أجواء المحنة التي تمر منها الحركة، وتفتح أفقا جديدا لها، ولو في الحدود الدنيا.

أما قيادات المغرب، فعدد وازن منهم، يعتبر أن إصرار بن كيران على العودة إلى لعب دور سياسي من موقع القيادة، مع إعفائه من الملك من رئاسة الحكومة، يقرأ من جانب النخب الحاكمة على أساس أنه تحدي للسلطة، وأن الحزب بهذا الاختيار الذي أمضاه في مؤتمره الاستثنائي، قد سد الطريق أمام دور محوري يمكن أن يقوم به في المستقبل القريب، وأن ما يؤشر على ذلك أن الانتخابات التشريعية الجزئية التي حدثت في عهد عبد الإله بن كيران منذ تقلده الأمانة العامة لمرة ثانية، قد فشل بها الحزب.

تبدو السمات الذاتية المرتبطة بأزمة التنظيمات الداخلية، وهيمنة الكاريزمات القيادية، واشتداد أزمة الأجيال داخلها، معضلة كبيرة، يصعب حلها في المدى القصير، فجزء من قيادات الإسلاميين في الحالات الثلاث، تربط الخروج من الأزمة بأدوارها، وتعتبر أن مرحلة القيادة الشابة ليست آنية، وأن المرحلة تقتضي فترة انتقالية، تؤمن دورا جديدا للقيادات التاريخية، مع مشاركة شبابية تؤثث المشهد، وتضمن قدرا من التواصل والتماسك الداخلي، لكن، السمات الموضوعية تطرح إشكالا أكبر، مرتبطا بالمناخ الدولي والإقليمي، والحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الأقطار العربية التي يشتغل ضمنها الإسلاميون، فالفترات السابقة التي لعب فيها الإسلاميون أدوارا محورية في النسق السياسي سواء في المعارضة أو حتى في مربع السلطة، كانت محكومة بمناخ دولي، يدعم فكرة الديمقراطية والتحولات السياسية في الوطن العربي، أو يدعم فكرة أن يقوم الإسلاميون المعتدلون بدور مركزي في قيادة التحولات وذلك بسبب هامشية وعزلة وهشاشة التنظيمات العلمانية والليبرالية، كما عرفت المعادلة الداخلية أزمات اقتصادية كانت لها تداعيات اجتماعية حادة، سرعان ما أحدثت تحولات في الحركة الاجتماعية لجهة حراك سياسي ضاغط على الأنظمة ومهدد لأمنها واستقرارها، وهو ما ساعد الإسلاميين على تصدر المشهد السياسي مع الربيع الديمقراطي، بحكم أنهم كانوا يشكلون النخب الطاهرة التي لم تتلوث بالمشاركة في تدبير السلطة.

العوامل المؤثرة في صياغة مستقبل الإسلاميين

تبعا للتحليل السابق، ينبغي أن نتوقف عند ثلاث محددات مؤثرة في مستقبل الإسلاميين، الأول، مرتبط بتغير السياق الدولي والإقليمي، لجهة أن تكون الديمقراطية والتحولات السياسية جزءا حاكما لاتجاهات السياسات الدولية، وألا يتضخم مطلب الاستقرار على ما سواه فيصير تأمين المصالح الغربية، يشترط ضرورة إبعاد ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان عن أجندة الضغط.

وأما المحدد الثاني، فمرتبط بتجدد الأزمات الاقتصادية، وتأثيرها على السلم الاجتماعي، بما يبرر الطلب على النخب القادرة على لعب دور الوساطة، وإحياء معادلة الإصلاح في إطار من الاستقرار.

وأمام المحدد الثالث، فيرتبط بجهد الحركات الإسلامية الذاتي في الجواب عن أزماتها الذاتية وحل مشكلة القيادة وتعايش الأجيال.

تحليل اللحظة الذهبية لصعود الإسلاميين، يبين تضافر العوامل الثلاث، سواء على مستوى اشتداد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في طل من مصر وتونس والمغرب، أو على مستوى اندراج التجربة في سياق سياسات دولية انطلقت عقب أحداث الحادي عشر من شتنبر 2001، والتي تمحورت حول فكرة شرطية التحولات السياسية في الوطن العربي في تأمين المصالح الغربية وبشكل خاص قضية الاستقرار السياسي بالمنطقة، ودور الإسلاميين المعتدلين في قيادة هذه التحولات، أو على مستوى الشروط السياسية المرتبطة بوجود الإسلاميين في موقع المعارضة السياسية،  وأن ذلك خلق الشرط الأساسي للتعبئة السياسية وتأمين الجبهة الداخلية وترصيص صفوفها، وغياب حوافر  وإغراءات السلطة التي في الغالب  ما تحدث دورا في تفكيك البنيات الداخلية أو إحداث فجوات بين النخب الداخلية.

أثر طوفان الأقصى أنه وفر الخطوة الأولى، أي تجسير جزء من الفجوة القائمة، لكن يتعين على الحركات الإسلامية، أن تدرك أن الخطوات التالية، المرتبطة بتجديد العرض والدور السياسيين، مرتبط بشكل كامل، بتجديد مشروعها وقيادتها، وحسن فهم السياق الدولي والإقليمي، واقتناص الفرص لقيادة الفاعلية الشعبية.
لحد الآن، المؤشرات الواعدة تظهر وبشكل غير متناسب داخل الأنساق السياسية العربية على مستوى المحدد الأول، أي الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية والسياسية، في حين يبقى المحددان الأول والثالث خادمين لتواري الإسلاميين عن المشهد السياسي، فلا الإسلاميون اشتغلوا على ذواتهم لتدبير الأزمة وإيجاد مخرج لها، وللتكيف مع المرحلة الجديدة، ولا الديمقراطية، صار لها وزن في إدارة اتجاهات السياسات الدولية.

تحليل أثر هذه العوامل في أرض الواقع اليوم، يقول إن الإسلاميين ـ بسبب مسار من المشاركة السياسية، وبسبب الإغراءات التي أحدثتها مشاركتهم في السلطة ـ حدثت فجوات كبيرة داخل نخبهم، وساهمت في تغذية الانقسام الداخلي، بحيث أدى خروجها من السلطة إلى إضافة عامل جديد إلى الأزمة غير صراع النخب، وهي أزمة الخط السياسي، وهل استنفذ البراديغم التقليدي دوره، وهل تحتاج الحركة الإسلامية لعرض سياسي جديد يجدد طلب المجتمع على دورها.

في المستوى الثاني، أي التحولات الدولية والإقليمية، توسع هامش الاستقلال لدى الدول العربية بعد تعمق صراع الإرادات الدولية (أمريكا وحلفاؤها في مقابل روسيا والصين)، وجعل موضوع الديمقراطية ودعم التحولات السياسية في الوطن العربي خيارا ثانويا، مما شجع الأنظمة العربية على التخفف من الضغط الدولي، والتخلي عن خيار دعم مسار إدماج الإسلاميين في النسق ومسايرة الطلب الخارجي على وجودهم في مربع السلطة.

أما في المستوى الثالث، فالمفارقة المسجلة، أن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية،  تعمقت أكثر في الحالة المصرية والتونسية، وبدأت فائض القيمة الذي أحدثه الإسلاميون بالمغرب طوال العقد الأخير من مشاركتهم في السلطة، يتبدد بسبب الفساد وسوء تدبير الحكومة القائمة، لكن، ذلك، لم ينهض لوحده ليشكل سببا مبررا لدورة جديدة للإسلاميين، لأن المجتمعات العربية في الحالات الثلاث، لم تعد ترى في هذا الفعل مخلصا اجتماعيا، فطوال فترة مشاركة هذه الحركات في الحكم، كانت المسألة الاجتماعية مجرد هامش أمام أولوية إحداث التوازنات الاقتصادية والمالية الكبرى للدولة، ومن ثمة، لم يعد المجتمع يؤمل في قدرة الإسلاميين على قيادة الحركات الاحتجاجية، فصارت -بدلا عن ذلك- تعول على حركات احتجاجية فئوية جديدة غير ذات علاقة بالأحزاب (تنسيقيات).

حرب غزة.. هل تكون منقذا للإسلاميين؟

يندرج حدث  الحرب الإسرائيلية على غزة ضمن مؤشرات  تحولات السياق الدولي والإقليمي،  لكن ما يجعل منه مؤشرا مؤثرا هو أن الحرب تستهدف قضية فلسطين، التي توحد هموم كل من الشعوب العربية والإسلامية والحركات الإسلامية، مما يبرر السهولة في الاستجابة لتعبئة الإسلاميين (تجديد العلاقة مع الشعب)، والثاني، أن مستقبل  الأمة مرتبط بشكل مفصلي بمستقبل القضية الفلسطينية، وهو ما يقرب  المسافة الفكرية بين الإسلاميين الشعوب، والثالث، لأن معركة فضح الاحتلال الصهيوني، باتت تفرض حيوية شعبية عارمة في الوطن العربي، وهو ما يجعل دعوات الإسلاميين للاحتجاج تمر بشكل انسيابي، وتلقى استجابة واسعة. وأما البعد الرابع، في الموضوع، كون حركة حماس، هي جزء من الحركات الإسلامية، وأن دورها البطولي وإن كان يدور في أرض المعركة، فإنه في حاصل الأمر، يجدد شرعية الحركات الإسلامية، باعتبارها طليعة مجتمعية تضطلع بالدفاع عن مصالح الأمة وقضاياها العادلة.

تحليل المؤشرات الواقعية، يفيد بأن زخم العملية التضامنية في الوطن العربي الإسلامي، بل وحتى في الدول الغربية لم يتوقف، وأن الحركات الإسلامية كانت لها اليد الطولي في استثمار الجاهزية الشعبية العربية والإسلامية والإنسانية لدعم الشعب الفلسطيني في غزة.

لا يتعلق الأمر فقط بالوقفات والمسيرات التضامنية، بل يتعدى ذلك إلى تحريك الفعالية الثقافية والتأطيرية والإعلامية والتواصلية والبحثية أيضا، بل إن الحدث فتح آفاقا أخرى تتعلق بتفعيل القدرات التحالفية مع الحركات الأخرى، خاصة وأن طوفان الأقصى أحدث زلزالا كبيرا داخل النخب الفكرية، وحول الكثير منها عن مواقعهم الفكرية السابقة، وقربها إلى أطروحة الإسلاميين حول قضية فلسطين وخيار المقاومة.

الجانب الآخر المهم في أثر العدوان على غزة، هو دوره في تقريب الشقة بين النخب المختلفة داخل الإسلاميين، وإذابة الجليد بين قياداتهم، وحفزهم نحو نسيان ولو مؤقت لخلافاتهم وانقساماتهم الداخلية، لجهة دمج كل الجهود لدعم القضية وإسناد خيار المقاومة.

التحليل لهذا التشخيص الواقعي، يقول بأن "طوفان الأقصى" وتداعياته، لم ينهض بعد ليشكل تحولا إقليميا حافزا على إنهاء أزمة الإسلاميين، ولم يصل دور الإسلاميين التعبوي الداعم للقضية الفلسطينية لدرجة خلق إزعاج للسلطة، بما في ذلك المغرب، الطي يعيش على إيقاع مطالب شعبية بإيقاف مسلسل التطبيع، لكن في الجوهر، يمكن القول، بأن طوفان الأقصى ساعد في توفير الشروط النفسية والثقافية داخل التنظيميات الإسلامية، لبحث إمكان استئناف الدور، وجدد علاقتها بالنخب،  وأقنعها بوجود إمكانية  للعودة إلى حاضنتها الشعبية، لكن، من بوابة قضايا الأمة، وليس من  بوابة الأوضاع الداخلية ودور الإسلاميين في التغيير السياسي.

وبالجملة، فأثر طوفان الأقصى أنه وفر الخطوة الأولى، أي تجسير جزء من الفجوة القائمة، لكن يتعين على الحركات الإسلامية، أن تدرك أن الخطوات التالية، المرتبطة بتجديد العرض والدور السياسيين، مرتبط بشكل كامل، بتجديد مشروعها وقيادتها، وحسن فهم السياق الدولي والإقليمي، واقتناص الفرص لقيادة الفاعلية الشعبية.