صحافة دولية

مجلة أمريكية: القصف "فشل" والعقاب الجماعي لن يهزم "حماس"

بيّن التقرير أن "تل أبيب" فشلت في تأجيج السكان على "حماس"- جيتي

اجتاح الاحتلال الإسرائيلي شمالي غزة، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بما يقرب من أربعين ألف عنصر من القوات المقاتلة، التي سحقت المنطقة من خلال واحدة من أعنف حملات القصف في التاريخ.

ما يقرب من مليوني شخص هُجّروا من ديارهم، فيما استشهد ما يزيد عن 17 ألف مدني (بما في ذلك أكثر من ستة آلاف طفل وخمسة آلاف امرأة)، وذلك طبقاً لإحصائيات وزارة الصحة في غزة، والتي تديرها حركة "حماس". بل قالت وزارة الخارجية الأمريكية، إن "العدد الإجمالي للقتلى قد يكون أعلى من ذلك بكثير". 

قصف الاحتلال المستشفيات وسيارات الإسعاف، ودمّر ما يقرب من نصف مباني شمالي غزة. وقطع المياه بشكل كامل تقريباً، ومنع الغذاء والكهرباء عن سكان غزة، الذين يبلغ تعدادهم 2.2 مليون نسمة. كيفما نظرت إلى الأمر، فإن هذه الحملة تعتبر إجراء عقابيا جماعيا ضخماً يمارس ضد المدنيين، بحسب تقرير لمجلة "فورين أفيرز". 

وقال التقرير: "حتى الآن، وبينما تندفع قوات الاحتلال الإسرائيلية عميقاً داخل جنوبي غزة، ما زالت الغاية الحقيقية من الفعل الإسرائيلي غير واضحة على الإطلاق. على الرغم من أن القادة الإسرائيليين يزعمون أنهم يستهدفون “حماس” لوحدها، إلا أن انعدام التمييز، كما هو ثابت بالأدلة الدامغة، يثير أسئلة حقيقية حول ما الذي تسعى لتحقيقه الحكومة في واقع الأمر".


وأردف: "هل شغف الاحتلال الإسرائيلي بتحطيم غزة ناجم عن نفس حالة انعدام الكفاءة التي أفضت إلى الإخفاق الهائل من قبل جيش الاحتلال في التصدي لهجوم “حماس” يوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، والذي كانت خطته قد وقعت بأيدي مسؤولين إسرائيليين في الجيش وأجهزة المخابرات قبل أكثر من عام من وقوع الهجوم؟، هل تحطيم شمالي غزة، والآن جنوبي غزة، مقدمة للدفع بكافة سكان المنطقة للخروج نحو مصر، كما هو مقترح في "ورقة مفاهيم" أصدرتها وزارة الاستخبارات الإسرائيلية؟ ".

وتابعت الصحيفة بأنه "أياً كانت الغاية النهائية منه، يثير هذا التدمير الجماعي من قبل إسرائيل لغزة إشكالات أخلاقية عميقة. ولكن، حتى لو حكمنا على الأمر فقط من ناحية استراتيجية، فإن من المحتم أن تنتهي مقاربة تل أبيب إلى الفشل– وهي بالفعل تفشل حالياً. فلم يُقنع العقاب الجماعي الذي ينزله الاحتلال بحق المدنيين سكان غزة بالتوقف عن تأييد حماس. بل على العكس من ذلك، كل ما فعله هو أنه رفع من مستوى الامتعاض والسخط بين الفلسطينيين". 

واسترسل التقرير نفسه: "كما لم تنجح الحملة في تفكيك المجموعة التي من المفروض أنها المستهدفة. ولقد أثبت ما يزيد عن ستين يوماً من الحرب أنه بينما بإمكان الاحتلال هدم غزة، إلا أنه لا يستطيع تدمير حماس. والحقيقة هي أن “حماس” لربما غدت أقوى الآن مما كانت عليه من قبل".


وأوضحت: "ليست "إسرائيل" أول بلد يخطئ إذ يضع ثقة زائدة في السلاح الجوي، ويتوهم أن له مفعولاً سحرياً قاهراً. تثبت التجارب التاريخية أن قصف المناطق المدنية على نطاق واسع حتماً يخفق في تحقيق أهدافه. كان يجدر بتل أبيب أن تتعلم من هذه الدروس وترد على هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر بهجمات جراحية موجهة ضد زعماء “حماس” ومقاتليها، بدلاً من حملة القصف العشوائية التي لجأت إليها.

وتابع: "لكن لم يفت الأوان لتغيير المسار، ولتبني استراتيجية بديلة ومجدية من أجل تحقيق الأمن الدائم، وهي مقاربة بإمكانها أن تضرب إسفيناً بين “حماس” والفلسطينيين بدلاً من أن تجمع بينهم وتقرب بعضهم من بعض، والاستراتيجية البديلة هي اتخاذ خطوات ذات معنى، من جانب واحد، باتجاه حل الدولتين".

خسارة القلوب والعقول

منذ فجر السلاح الجوي، سعت البلدان إلى قصف الأعداء لإجبارهم على الاستسلام وتحطيم معنويات المدنيين. تقضي النظرية بأن السكان عندما يُضغط عليهم وصولاً إلى نقطة الانكسار، سوف ينتفضون ضد حكوماتهم ويتحولون إلى المعسكر المقابل. بلغت هذه الاستراتيجية من العقاب القهري ذروتها في الحرب العالمية الثانية. يذكر التاريخ القصف العشوائي للمدن في تلك الحرب ببساطة من خلال أسماء الأماكن التي استهدفت: هامبورغ (أربعين ألف قتيل)، دارمستادت (اثنا عشر ألف قتيل)، ودريزدن (خمسة وعشرون ألف قتيل). 

والآن يمكن إضافة غزة إلى هذه القائمة سيئة الصيت. بل لقد ربط رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، نفسه الحملة الحالية بما كان يخوضه الحلفاء في الحرب العالمية الثانية من قتال. وبينما ينكر أن تل أبيب تمارس اليوم عقوبة جماعية، تراه يشير إلى ضربات سلاح الجو الملكي (البريطاني) التي استهدفت مقر الغستابو، في كوبنهاغن، ونجم عنها مقتل العشرات من أطفال المدارس.


وأشار التقرير، إلى أن "ما أغفل ذكره نتنياهو هو أن جهدا واحدا مما بذله الحلفاء لإنزال العقاب الجماعي بالمدنيين لم يفلح. ففي ألمانيا، أتت حملة القصف التي شنها الحلفاء، والتي انطلقت في مطلع عام 1942، على الأخضر واليابس وحطمت حياة المدنيين، مدمرة الأحياء السكنية الواحد تلو الآخر، وتمخضت مع نهاية الحرب عن التدمير الشامل لثمان وخمسين مدينة وبلدة ألمانية. إلا أنها لم تنل من معنويات المدنيين ولم تدفعهم نحو الانتفاض على أدولف هتلر، على الرغم من التنبؤات المتفائلة للمسؤولين في معسكر الحلفاء. بل على العكس من ذلك، ما حصل هو أن الحملة حفزت الألمان على القتال بشراسة أكبر تجنباً لإخضاعهم لسلام جائر في فترة ما بعد الحرب".

لم يحصل بتاتاً أن دفع القصف المستهدف السكان نحو الثورة على حكومتهم


ما كان ينبغي أن يفاجأ المرء بمثل ذلك الفشل، وخاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار ما حدث عندما جرب النازيون استخدام نفس الأسلوب. فقد نجم عن البليتز، وهو الاسم الذي أطلق على حملة القصف التي شنها النازيون، على لندن، وعلى غيرها من المدن البريطانية في الفترة من 1940 إلى 1941، مقتل أكثر من أربعين ألف نسمة، ومع ذلك رفض رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل الاستسلام.

وبدلا من ذلك، استخدم أعداد الضحايا الذين سقطوا في تلك الغارات من أجل تعبئة المجتمع حتى يعتبر تلك التضحيات ضرورية من أجل تحقيق النصر. إذن، بدلاً من تحطيم المعنويات، حفز البليتز الجمهور البريطاني على تنظيم أنفسهم في جهد جماعي استمر لعام كامل، بالتعاون مع حلفائهم في الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. استعداداً لشن هجوم مضاد، وفي نهاية المطاف اجتياح البلد الذي قصفهم.


والحقيقة هي أنه لم يسبق في التاريخ أن أجبرت حملة القصف السكان على الانتفاض ضد حكوماتهم. فقد جربت الولايات المتحدة تلك الوسيلة عدداً كبيراً من المرات، ولكن بلا جدوى. ففي الحرب الكورية دمرت تسعين بالمائة من مرافق توليد الكهرباء في كوريا الشمالية. وفي الحرب الفيتنامية، دمرت ما لا تقل نسبته عن ذلك من مرافق توليد الطاقة في فيتنام الشمالية. وفي حرب الخليج، عطلت الهجمات الجوية الأمريكية ما يقرب من تسعين بالمائة من مرافق توليد الكهرباء في العراق. ولكن لم يحدث في أي من تلك الحالات أن انتفض الشعب على السلطة الحاكمة.

ولعل الحرب في أوكرانيا أحدث حالة في هذا السياق. على مدى عامين، سعى الروس إلى قهر أوكرانيا من خلال موجات متعاقبة، الواحدة تلو الأخرى، من الهجمات الجوية المدمرة على المدن في كل أنحاء البلاد، مما نجم عنه مقتل عشرة آلاف من المدنيين وتدمير ما يزيد عن 1.5 مليون منزل، وتهجير ما يقرب من ثمانية ملايين أوكراني. من الواضح أن روسيا تعيث دماراً في أوكرانيا، ولكن بدلا من تحطيم الروح القتالية لدى الأوكرانيين، لم يزد هذا العقاب الجماعي للمدنيين عن أن أقنع الأوكرانيين بالمضي قدما في خوض الحرب ضد الروس بضراوة أشد من أي وقت مضى.

حملة نتائجها خلاف ما يراد منها



يتكرر هذا النمط التاريخي الآن في غزة. فعلى الرغم من شهرين اثنين من العمليات العسكرية المكثفة، بدون أي قيود تفرضها الولايات المتحدة أو أي من بلدان العالم الأخرى. لم تحقق تل أبيب حتى الآن سوى نتائج هامشية. ولم تفض الحملة، أيا كانت معايير قياس مفعولها، ولا حتى إلى هزيمة جزئية لحركة حماس.

لقد فتكت العمليات بما يصل إلى خمسة آلاف مقاتل من “حماس” (طبقا للمصادر الإسرائيلية الرسمية)، وذلك من بين ما يقدر عددهم بثلاثين ألف مقاتل. إلا أن هذه الخسائر لن تقلل بشكل كبير من الخطر الذي يتهدد المدنيين الإسرائيليين، وذلك أخذاً بالاعتبار، كما أثبتت عملية السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، أن "حماس" لا تحتاج سوى بضع مئات من المقاتلين لتحويل حياة المجتمعات الإسرائيلية المجاورة إلى جحيم.

والأسوأ من ذلك أن المسؤولين الإسرائيليين يعترفون بأن حملتهم تقتل من المدنيين ضعف ما تقتله من مقاتلي حماس. بمعنى آخر، من المؤكد تقريباً أن الاحتلال ينتج من الإرهابيين أكثر بكثير مما يقتل، نظراً لأن كل مدني يموت له أقارب وأصدقاء سوف يتطلعون بشغف إلى الانضمام لصفوف "حماس" من أجل الانتقام لذويهم.


ولم تزل البنية التحتية لـ”حماس” كما هي تقريباً لم تتعرض لتفكيك ذي معنى، وحتى بعد العمليات التي جرت ضد مستشفى الشفاء، وطالما تم التبجح بها، باعتبار ما زعمه جيش الاحتلال الإسرائيلي من استخدام "حماس" له كقاعدة لعملياتها. وكما تظهر مقاطع الفيديو التي نشرتها قوات الدفاع الإسرائيلية، فقد استولت تل أبيب ودمرت مداخل كثير من أنفاق "حماس"، ولكن هذه قابلة للإصلاح في نهاية المطاف، تماماً كما أنها بنيت ابتداءً.

والأهم من ذلك أن زعماء “حماس” ومقاتليها يبدو أنهم غادروا الأنفاق، قبل أن تدخلها قوات الاحتلال الإسرائيلية، بما يعني أن البنية الأهم للحركة، والمتمثلة بمقاتليها، قد نجت. ثمة ما تتفوق به “حماس” على قوات الاحتلال الإسرائيلية: وذلك أن بإمكانها التخلي عن القتال، والاختلاط بالسكان المدنيين، والبقاء على قيد الحياة حتى يخوضوا قتالا آخر في ظروف أفضل. ولهذا السبب من المحتم أن تفشل أي عملية برية تنفذها تل أبيب على نطاق واسع.

وبشكل أوسع، فإن الحملة العسكرية التي تشنها "إسرائيل" لم تضعف كثيراً سيطرة "حماس" على قطاع غزة. لم تنقذ إسرائيل سوى واحد من بين 240 رهينة أخذوا في هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، والأسرى الوحيدون الذين تحرروا كانوا أولئك الذين أطلقتهم حماس، بما يثبت أن الحركة ما تزال تحكم سيطرتها على مقاتليها.

على الرغم من انقطاع شبه تام للكهرباء والتدمير الواسع في كل أنحاء قطاع غزة. ما زالت "حماس" قادرة على نشر فيديوهات دعائية تظهر فيها الفظائع التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين، كما تظهر فيها المعارك الضارية التي يخوضها مقاتلو "حماس" مع القوات الإسرائيلية. تنشر المواد الدعائية التي تنتجها الحركة على نطاق واسع باستخدام تطبيق المراسلات تليغرام، حيث يتابع قناتها ما يصل إلى 620 ألف مشترك. طبقاً لإحصائيات مشروع جامعة شيكاغو حول الأمن والمخاطر.

تجدر الإشارة إلى أن كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة "حماس"، نشرت عبر قناتها على تليغرام ما يقرب من مائتي فيديو وملصقة، كل أسبوع ابتداء من الحادي عشر من تشرين الأول/ أكتوبر، وحتى الثاني والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر.
الأرض مقابل السلام


إن الطريقة الوحيدة لإلحاق هزيمة دائمة بحركة "حماس"، هي مهاجمة زعمائها ومقاتليها وعزلهم عن السكان المحيطين بهم. ولكن لعل الكلام عن ذلك أسهل من الفعل، وخاصة أن "حماس" تجند أعضاءها من بين السكان المحليين ولا تأتي بهم من الخارج.


بالفعل، يثبت بالدليل الميداني مدى ما تفضي إليه عمليات الاحتلال الإسرائيلية، في استطلاع للرأي يوم الرابع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر، بين الفلسطينيين في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، أجرته مؤسسة العالم العربي للأبحاث والتنمية، تبين أن 76 بالمائة من المستطلعة آراؤهم قالوا إن "نظرتهم إلى “حماس” إيجابية".

قارن ذلك بحقيقة أن ما نسبته 27 بالمائة من المستطلعة آراؤهم في المنطقتين قالوا في استطلاع للرأي أجري في شهر  أيلول/ سبتمبر، إن "حماس" هي "أولى من يستحق أن يكون ممثلاً للشعب الفلسطيني." مضامين ذلك مثيرة، وذلك أن الغالبية العظمى مما يزيد عن نصف مليون من الرجال الفلسطينيين الذين تتراوح أعمارهم ما بين الثامنة عشرة والرابعة والثلاثين هم جاهزون للتجنيد من قبل “حماس” ومن قبل المجموعات الفلسطينية الأخرى التي تسعى لاستهداف إسرائيل والمدنيين فيها. 


تعضد هذه النتائج الدروس المستلهمة من التاريخ. فعلى النقيض مما هو متعارف عليه، معظم المقاتلين لا يختارون مهنتهم بسبب الدين أو الأيديولوجيا، وإن كان بعضهم يفعلون ذلك بكل تأكيد. معظم الناس، بدلاً من ذلك، إنما يتحولون إلى مقاومين لأنه يتم انتزاع أرضهم منهم.


خلال الفترة من 1994 إلى 2005، نفذت "حماس" وغيرها من فصائل المقاومة الفلسطينية ما يزيد عن 150 عملية، وقتلوا ما يصل إلى ألف إسرائيلي. فقط عندما سحبت دولة الاحتلال الإسرائيلي القوات العسكرية من غزة تخلت عن تلك الوسيلة بشكل كامل. منذ ذلك الحين، نما عدد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية بنسبة 50 بالمئة، مما زاد من الصعوبات التي تواجهها "تل أبيب" في السيطرة على تلك المناطق على المدى البعيد. لا ريب في أن عودة "إسرائيل" إلى احتلال غزة عسكرياً، "لفترة غير محدودة،" كما قال نتنياهو، سوف تؤدي إلى موجة جديدة، وربما أكبر بكثير مما كان عليه الحال من قبل.

مشكلة الاستيطان


على الرغم من وجود العديد من الأبعاد للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، إلا أن حقيقة واحدة من شأنها أن توضح الصورة المعقدة. تقريباً في كل سنة منذ مطلع الثمانينيات، لم يزل تعداد السكان اليهود في المناطق الفلسطينية ينمو، بما في ذلك أثناء سنوات عملية أوسلو للسلام طوال التسعينيات. لا مفر من أن يعني نمو المستوطنات خسارة الفلسطينيين للمزيد من أراضيهم، وتزايد القلق من إقدام الاحتلال على مصادرة المزيد من الأراضي من أجل توطين المزيد من اليهود في المناطق الفلسطينية. ولا أدل على ذلك من أن يوسي داغان، أحد أبرز المستوطنين والعضو في حزب نتنياهو، طالب بإقامة المستوطنات داخل قطاع غزة، والتي أزيلت آخر المستوطنات منه في عام 2005.


يعتبر النمو السكاني اليهودي في الأراضي الفلسطينية عاملا مركزيا في تأجيج الصراع. في السنوات التي تلت مباشرة الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1967، لم يكن عدد اليهود الذين يعيشون في الضفة الغربية يتجاوز بضعة آلاف، وكانت العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية تتسم بشكل عام بالانسجام.

إلا أن الأمور تغيرت بعد تشكيل الحكومة اليمينية بزعامة حزب الليكود، وتقلدها للسلطة في عام 1977، وهي التي وعدت بالقيام بتوسع كبير في المستوطنات. وبالفعل، زاد عدد المستوطنين من حوالي 4000 في عام 1977 إلى 24 ألفاً في عام 1983 ثم إلى 116 ألفاً في عام 1993. بحلول عام 2022 كان ما يقرب من نصف مليون مستوطن إسرائيلي يهودي يعيشون داخل المناطق الفلسطينية، باستثناء القدس الشرقية، حيث يقيم هناك 230 ألف يهودي إضافي.

ومع نمو المستوطنات، تتبدد حالة الانسجام النسبي بين الإسرائيليين والفلسطينيين. في البداية جاء ميلاد "حماس" في عام 1987، ثم الانتفاضة الأولى في الفترة من 1987 إلى 1993، ثم الانتفاضة الثانية من عام 2000 إلى عام 2005، وما يجري منذ ذلك الحين من جولات صراع لا تزال مستمرة حتى الآن.


إن النمو شبه المستمر للمستوطنات اليهودية هو السبب الأساسي من وراء ضياع مصداقية فكرة حل الدولتين منذ التسعينيات. لو أريد إيجاد سبيل حقيقي يقود إلى قيام دولة فلسطينية في المستقبل، فلا بد أن يتوقف هذا النمو. وإلا، فما الذي سيجبر الفلسطينيين على رفض "حماس" وتأييد عملية السلام المفترضة إذا ما كانوا سيفقدون طوال هذه العملية المزيد من أراضيهم؟

سلام دائم



فقط حل الدولتين من شأنه أن يفضي إلى أمن دائم للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء. هذه هي المقاربة الوحيدة التي تجدي نفعاً، والتي بإمكانها بالفعل أن تقوض "حماس"، ولذلك يتوجب على الاحتلال القيام، بشكل منفرد، بالمضي قدماً في خطة يتخذ من خلالها خطوات بنفسه قبل الدخول في أي مفاوضات مع الفلسطينيين. ينبغي أن يكون الهدف هو إحياء العملية التي ظلت خاملة منذ فشل آخر جولة من المفاوضات قبل 15 سنة في عام 2008.

وللتوضيح أكثر، ينبغي على "تل أبيب" مزاوجة هذه المقاربة السياسية مع أخرى عسكرية. إلا أنه يتوجب على البلد تبني العنصر السياسي من الاستراتيجية الآن، وليس فيما بعد. لا يمكن للاحتلال أن ينتظر إلى ما بعد زمن أسطوري ما، حينما تكون "حماس" قد هزمت بالقوة العسكرية فقط لا غير.

أولئك الذين يشككون في إمكانية التوصل إلى حل الدولتين محقون فيما يذهبون إليه من أن الاستئناف الفوري للمفاوضات مع الفلسطينيين لن يقلل من إرادة "حماس" للقتال، وذلك لأسباب أولها هو أن المجموعة تؤمن بحتمية "زوال إسرائيل" وتعمل على ذلك. وأما السبب الآخر فهو أنها سوف تكون أحد أكبر الخاسرين من حل الدولتين، نظراً لأن اتفاق السلام سوف يتضمن على وجه التأكيد حظر الجماعات الفلسطينية المسلحة فيما عدا المنافس الرئيس لحماس، ألا وهو السلطة الفلسطينية، والتي من المحتمل أن تنال التأييد وتحصل على شرعية متجددة فيما لو ضمنت إبرام صفقة تحظى بدعم معظم الفلسطينيين.


ولهذا لا ينبغي أن يكون الهدف الآن هو التقدم فوراً بخطة نهائية لحل الدولتين. فهو أمر بعيد عن عالم الممكن السياسي في هذه اللحظة. بدلاً من ذلك، ينبغي أن يكون الهدف الفوري هو إقامة ممر يمكن العبور من خلاله أخيراً إلى الدولة الفلسطينية. على الرغم من أن المشككين يزعمون بأن مثل هذا الممر مستحيل لأن "تل أبيب" لا تجد شركاء فلسطينيين مناسبين، إلا أن دولة الاحتلال بإمكانها في الواقع اتخاذ خطوات مهمة في هذا الصدد لوحدها؛ فيما يغدو إخفاق المقاربة الحالية للاحتلال أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم.