تقارير

كيف تتعامل مراكز الأبحاث الأجنبية مع الحكام العرب؟ إسرائيل والسيسي نموذجا (1 من2)

السيسي هو قصة معادة للعسكر في صناعة الانقلابات وتدمير الحكم المدني ومنع أي إمكانية للتحول الديمقراطي. (الأناضول)
تهتم مراكز الأبحاث والصحافة الدولية عموما والإسرائيلية على وجه الخصوص بدراسة الشخصيات صانعة الأحداث أو المؤثرة فيها، أو التي قد تتصدر أحد المواقع القيادية في الشرق الأوسط وغيره من المناطق العالمية ذات الاهتمام. وتشمل هذه الدراسات تغطية شاملة لكافة جوانب الشخصية: النفسية والاجتماعية والفكرية، الجذور والنشأة، التدرج الوظيفي، نقاط القوة والضعف، ما تحظى به من قبول أو رفض على مختلف الأصعدة، مدى تأثيرها الإيجابي أو السلبي محليا وإقليميا ودوليا، كيف يمكن الاستفادة منها أو تحجيم خطرها، والمصير المتوقع لهذه الشخصية، وكذلك مستقبل الدولة التي تحكمها على كافة الأصعدة.

هذه المعاني أكدها جان بيير فيليو أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في معهد باريس للعلوم، فيقول: "أليس الرجال الأقوياء غالبًا ما يكونون في الواقع رجالًا ضعفاء غير قادرين حقا على الحكم؟! ألا يزعمون أنهم يجسدون عظمة بلدهم؛ بينما هم في الواقع يمثلون مصائب شعوبهم؟!".

بمثل هؤلاء الرجال الأقوياء ظاهرا، الضعفاء باطنا، حُكمت الكثير من شعوب المنطقة، ونتج عن حكمهم كوارث مازلنا نتجرع غصصها حتى اليوم.

لكل هذه الأسباب والدوافع، فقد حظيت شخصية السيسي باهتمام كبير من مركز الأبحاث ووسائل الإعلام الإسرائيلية التي قدمت عرضا شاملا لها. وهو عرض يفسر لماذا فشلت كل القوى السياسية مدنية أو إسلامية في التعامل مع المجلس العسكري وتوقي المصير الذي آلت إليه ثورة يناير، بل وإيصال العسكر مرة أخرى إلى سدة الحكم. ويفسر أيضا الواقع الذي تعيشه مصر والمنطقة اليوم، وما يُنتظر في قادم الأيام.

وسنتناول في هذه الدراسة شخصية السيسي بكافة مضامينها وأبعادها وتصرفاتها من خلال ما نشرته مراكز الأبحاث والصحافة الإسرائيلية وذلك عبر المحاور التالية:

1 أهمية دراسة الشخصيات.
2 السيسي ابن المؤسسة العسكرية.
3 السمات الشخصية للسيسي.
4 الأساطير اليونانية وإدارة السيسي لمصر
5 هل السيسي شخصية يمكن الاعتماد عليها

المحور الأول.. أهمية دراسة الشخصيات

علم نفس الشخصية، هو فرع من فروع علم النفس ، وهو يدرس مفهوم الشخصية وتنوعها بين الأفراد. لذلك، فدراسة الشخصيات له أهميته البالغة في المجال السياسي والأمني والاستراتيجي، وفي التعامل مع كافة الخيارات الحالية والمستقبلية:

1 فهم الشخصيات الفاعلة في الشرق الأوسط

يقول ديلون ميليت: "لفهم الشرق الأوسط بشكل أفضل، فعلينا إلقاء نظرة على مختلف القادة والمجموعات في جميع أنحاء المنطقة. إذ نأمل من خلال معرفة وتحليل أفعالهم السابقة أن نتمكن من فهم كيف أصبح العديد من الأشخاص على ما هم عليه الآن، والتنبؤ بسلوكهم المستقبلي. فمعظم الناس يسعون وراء الشيء الذي لا يمتلكونه، كما تستعبدهم نفس الأشياء التي يريدون الحصول عليها. وهذا الشيء الذي يسعى وراءه السيسي، هو السلطة" .

2 إمكانية الاختراق أو التوجيه

تهتم أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بدراسة الشخصيات لمحاولة اختراقها وتوظيفها وجذب اهتماماتها إلى توجهات وسياسات تفيد إسرائيل، وكذلك اختراق الدائرة المحيطة بها لتحقيق هذه الأهداف. ففي مؤتمر لحركة الكيبوتس الإسرائيلية حضره عاموس يادلين مدير معهد دراسات الأمن القومي آنذاك، والذي شغل من قبل منصب رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، كان من أهم ما في المؤتمر:

ـ "إن الحرب التي يشنها الجيش المصري في سيناء ليست موجهة ضد إسرائيل؛ بل ضد المصريين.

ـ ينظر الرئيس السيسي إلى حركة حماس على أنها عدو.

ـ حققت الاستخبارات الإسرائيلية العديد من الاختراقات، وأهمها التغلغل في مواقع حساسة في عدة دول عربية منها: مصر وتونس والمغرب والعراق والسودان واليمن ولبنان وليبيا وفلسطين وسوريا.

ـ نشرت الاستخبارات العسكرية شبكات لجمع المعلومات في تونس وليبيا والمغرب. وهي قادرة على التأثير إيجابا أو سلبا على جميع القطاعات، بما في ذلك السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ـ مصر هي أكبر ملعب للمخابرات الإسرائيلية. وقد تطور العمل فيها وفقا لما هو مخطط له منذ توقيع اتفاقية السلام مع مصر عام 1979" .

3  مراقبة الأحداث والتدخل فيها

يقول الجنرال عامير إيشل قائد سلاح الجو الإسرائيلي عام 2012 والرئيس الأسبق لمديرية التخطيط في الجيش الإسرائيلي: "يمر الشرق الأوسط بفترة من التغيير الجذري لم يشهد لها مثيلا منذ قرون. وبالنظر إلى عدسة الأمن القومي، فإن لدينا خيارين: الأول: هو رؤية ما سيحدث، ومحاولة إعداد أنفسنا من أجل التصدي لهذه التحديات الجديدة. والثاني: أن نكون استباقيين من أجل أن يكون لنا نوع من النفوذ. وعلى الرغم من أن قدرة إسرائيل على معالجة هذه التغيرات في الشرق الأوسط محدودة، فإن صندوق الأدوات ليس فارغا" .

المحور الثاني  السيسي ابن المؤسسة العسكرية

"السيسي هو نتاج الجيش المصري، حيث قضى فيه معظم حياته المهنية منذ أن كان طالبًا عسكريًا في سن الخامسة عشرة". وبالتالي، فإن "السيسي هو امتداد لقصة معادة تكررت بحذافيرها من قبل سواء في 1952 أو في 2011، يقول الخبير الأمريكي روبرت سبرينغبورغ: نظام السيسي هو نظام رأينا مثله من قبل، فهو يفعل كل ما في وسعه لتكرار الدولة الناصرية البوليسية الاستبدادية" .

"وهو تذكير بمدى استعداد الجيوش العربية وداعميها الخليجيين للدفاع عن مصالحهم الخاصة، ورغبتهم في معارضة السيادة الشعبية" . إذن، حتى نفهم شخصية السيسي، فلا بد من دراسة المؤسسة التي تربى فيها من نعومة أظفاره، وكان أحد قادتها في أحرج فترة مرت بها مصر، وهي الفترة التي تلت سقوط مبارك إلى أن عاد العسكر مرة أخرى إلى السلطة في انقلاب 3 يوليو 2013:

1 جيش له دولة

"في عام 1952، قامت مجموعة من الضباط بقيادة جمال عبد الناصر بانقلاب أطاح بملكية قائمة عمرها قرابة قرنين من الزمان، وتم استبدالها بنظام استبدادي يشبه الجمهورية لدرجة أنه يمكن القول: إن الجيش المصري يمتلك دولة؛ وليس العكس". لذا، بعد تولي مرسي الرئاسة مباشرة، "كان المراقبين السياسيون على ثقة من أن مرسي: لن يستمر في الحكم أكثر من عام، وأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يضمن ألا يكون مرسي أكثر من رئيس مؤقت، وأن مصر ستخضع للوصاية العسكرية إلى أجل غير مسمى". لذا، "تشترك أحداث يناير 2011 ويوليو 2013 في مصر في شيء واحد على الأقل: كلا الحدثين نظمهما الجيش، وكلاهما كانا ردًا على الاحتجاجات الجماهيرية الحاشدة التي جلبت الملايين إلى الشوارع. ولذلك، يظل الجيش هو الحاكم النهائي في مصر، وهو القادر على استبدال رئيسين أحدهما منتخب ديمقراطياً" .

2 الهيمنة الاقتصادية على مصر

السيسي في إدارته لاقتصاد مصر هو قصة معادة للعسكر الذين يهمهم في المقام الأول كيف يبسطون سيطرتهم على موارد البلاد، يقول بول ريفلين: "الشاغل الرئيسي للسيسي الحفاظ على الجيش وأصوله التي كان الحفاظ عليها وحمايتها أحد أسباب عزل مبارك. يسيطر الجيش على 40% من الاقتصاد المصري. ولديه العديد من المصانع ومرافق الإنتاج. وفي حين أن هذه الكيانات مملوكة للدولة، إلا أن حساباتها لا تخضع للرقابة المالية من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات التابع للحكومة. وينتج الجيش مجموعة كبيرة من السلع والخدمات المدنية. كما تشارك في مشاريع البنية التحتية الكبيرة. ومصدر آخر لثروة الجيش هو حيازته للأراضي، التي يتم تحويلها بشكل متزايد إلى مجتمعات ومنتجعات مسورة. ويتمتع الجيش بمزايا أخرى: فهو لا يدفع الضرائب، ولا يتعين عليه التعامل مع البيروقراطية التي تخنق القطاع الخاص".

3 الفشل في إدارة مصر

"كان المجلس الأعلى بعيدا عن السياسة والإدارة في عهد مبارك. ولم يكن لديه خبرة في شئون السياسة الداخلية، وارتكب الكثير من الأخطاء" . وتكرر هذا الفشل تكرر في عهد السيسي:

ـ مثل أسلافه، وجد السيسي نفسه يركض في مكانه بكل المحركات فقط لإبقاء رأس مصر فوق الماء ومنعها من الغرق. وكان أكبر فشل له هو في المجال المحلي.

السيسي قصة معادة للعسكر في سعيهم لإثبات فوقيتهم وتسلطهم على الدولة المصرية وشبعها، إذ "سعت قيادة القوات المسلحة المصرية إلى تكريس امتيازات واستثناءات عند كتابة دستور 2012 تضعها فوق أي سلطة مدنية.
ـ لم يسبق أن صدرت في تاريخ مصر الحديثة أحكام إعدام بهذا العدد الكبير من المحاكم المصرية ضد المعارضين.

ـ ترجم السيسي الإحباط الذي أصابه نتيجة فشله إلى قوانين عسكرية وقاسية ضد جميع الذين يجرؤون على انتقاد النظام. ووفقا لتقرير لجنة حماية الصحفيين ومقرها الولايات المتحد، فإنه في عام 2015 ، كان في مصر أكبر عدد من الصحفيين خلف القضبان.

ـ أما كعب أخيل النظام فهو محاولة تحسين الاقتصاد. فقد تضاعفت معدلات التضخم والديون الخارجية والداخلية إلى أرقام غير مسبوقة من قبل" .

4 الانقلاب على الديمقراطية والحكم المدني

السيسي هو قصة معادة للعسكر في صناعة الانقلابات وتدمير الحكم المدني ومنع أي إمكانية للتحول الديمقراطي. وقد بدأت انقلابات العسكر في يونيو 2012 واستمرت حتى إسقاط الرئيس:

ـ الانقلاب الناعم في يونيو 2012: "استغل المجلس العسكري حكم المحكمة الدستورية في 14 يونيو 2012 بحل البرلمان، فأصدر مرسوما بالحل، وأَخذَ السلطة التشريعية لنفسه، من بين إجراءات أخرى تهدف إلى تقييد الرئيس القادم بشكل حاد. أي أنه قام بانقلاب ناعم قبل تولي مرسي الرئاسة. لذا، لم يمتلك مرسي أي نوع من السلطات المطلقة التي كان يمارسها سابقوه. وتم تقليص سلطاته من قبل المؤسسة العسكرية، وصار بإمكانها هي فقط أن تقرر إلى أي مدى سيكون قادرًا على القيام بمهامه. وأصبحت الرئاسة إلى حد كبير منصبا صوريا" .

ـ إفشال الرئيس المنتخب: " كان مرسي بعد انتخابه يخوض معركة شاقة ضد الجيش الذي بدأ في تقويضه من خلال الحد من وصول الوقود إلى الجمهور ، مما تسبب في واحدة من أسوأ أزمات الطاقة التي شهدتها مصر على الإطلاق. وبحلول يونيو 2013، وبعد عام من الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي لمدة تصل إلى 12 ساعة في اليوم، وطوابير التزود بالوقود الطويلة في محطات الوقود، وانتهاكات الشرطة، تدفق المتظاهرون مرة أخرى إلى الشوارع مطالبين بالتغيير".

ـ انقلاب 3 يوليو: "البطل الإسرائيلي الجديد هو شخصية مصرية: اللواء عبد الفتاح السيسي. لا تحتاج إلى عين فطنة لرؤية التعاطف العميق من جانب النخبة الإسرائيلية وإعجابها الصريح بقائد القوات المسلحة لجارنا الجنوبي الكبير. الشخص الذي سجن للتو الرئيس المنتخب الذي عينه في منصبه" .

5 الوصاية العسكرية على مصر

السيسي قصة معادة للعسكر في سعيهم لإثبات فوقيتهم وتسلطهم على الدولة المصرية وشبعها، إذ "سعت قيادة القوات المسلحة المصرية إلى تكريس امتيازات واستثناءات عند كتابة دستور 2012 تضعها فوق أي سلطة مدنية. كما سعت إلى تحويل الحكم العسكري الشامل إلى وصاية عسكرية على الدولة المصرية. وحيث أن التحول الديمقراطي في مصر ليس مضمونًا بأي حال من الأحوال، لذا كان المجلس العسكري يضع في حساباته النموذج التركي، واضعا في اعتباره وضع الجيش التركي تحت حكم أردوغان، فخُمس جميع الجنرالات في تركيا هم الآن في السجن" .

وقد ترسخت هذه الفوقية والوصاية العسكرية على مصر في عهد السيسي، فقد "منح القوات المسلحة المصرية مكانة غير مسبوقة، موضحًا ما كان بالفعل حقيقة صارخة: مصر كانت وستبقى مجتمعًا عسكريًا. و في يوليو 2018، سن مجلس النواب المصري قانونا يوفر حصانة لضباط الجيش لحمايتهم من الإجراءات القضائية ضدهم داخليا أو دوليا، فالجيش المصري لا يحاسب" . 

6 الجيش والمشاكل المزمنة لمصر

السيسي قصة معادة للعسكر لأنهم السبب الرئيسي للأمراض المزمنة للمجتمعات العربية، فقد "بيّن تقرير التنمية البشرية عام 2002 أن أسباب الفشل وضعف التنمية العربية ترجع إلى غياب: الحرية، وتمكين المرأة، والمعرفة. ودعا التقرير 2002 إلى إضفاء الديمقراطية على العالم العربي، ليس فقط كغاية في حد ذاتها، ولكن أيضًا لتحسين الإدارة الاقتصادية" .

والجدول التالي يلخص حال الاقتصاد المصري في ثلاث فترات، فترتان للعسكر وأخرى مدنية طبقا لتقرير صدر عام 2017 لصندق النقد الدولي :



7ـ تضخيم الذات وعبادة الشخصية

لجأ العسكر منذ عبد الناصر إلى تضخيم ذواتهم: يقول د. موشى ألبو: "واجه النظام القديم الجديد كل مظاهر المعارضة، وغرس في أعماق الفكر الجمعي المصري: أن الاستقرار يسبق الحريات الفردية؛ وأن الفوضى هي البديل عن النظام الحاكم" . وكسابقيه من العسكر، فإن "السيسي ليس بطلا فاتحا. ولكن منذ الإطاحة بمحمد مرسي، فإنه تم في مصر تعزيز عبادة شخصية السيسي. فظهر وجهه بشكل متكرر على شاشات التلفزيون والصحف التي تديرها الدولة، وعلى اللوحات الإعلانية والملصقات، والشوكولاتة، والسراويل الداخلية، وسلاسل المفاتيح" . كما "سعى السيسي إلى فرض سيطرته على تشكيل الثقافة والسلوك الشخصي للمصريين. فتولت شركة إنتاج إعلامي مرتبطة بالجيش مسؤولية إنتاج أفلام ومسلسلات تثني على الجيش والشرطة وتشيطن الإخوان المسلمين" .