اقتصاد عربي

هل تراجع السيسي عن قرار تعويم الجنيه ..أم يناور؟

أزمة اقتصادية كبيرة وشح في العملة الصعبة بمصر - جيتي
احتلت أزمة الدولار حيزا كبيرا في حديث رئيس النظام المصري، عبد الفتاح السيسي، وتداعيات نقص المعروض من جهة، وارتفاعه أمام الجنيه المصري من جهة أخرى على المواطنين الذين يعانون من الغلاء في جميع القطاعات والخدمات.

ووصف السيسي، خلال كلمته في مؤتمر الشباب الوطني في برج العرب، أن سعر صرف الدولار أمام الجنيه قضية "أمن قومي"، ولطالما حذرت بنوك مالية عالمية من تداعيات استمرار خفض الجنيه على الاستقرار المجتمعي في مصر.

ويقبع أكثر من 30 مليون مصري تحت خط الفقر، في آخر إحصاء قبل أزمة فيروس كورونا، وأزمة تحرير سعر الصرف وخفض قيمته بأكثر من 100% منذ آذار/ مارس 2022، ما يؤشر إلى زيادة تلك النسبة بشكل أكبر.

وكشف السيسي أن الحكومة تدخلت في سعر الصرف لتثبيت سعر الدولار، ولكنه أقر بأنه عجز عن حلها، وقال: "طب إحنا عملنا إيه السنوات اللي فاتت، كنا بننزل نشتري الدولار من الأسواق، إحنا حلينها لغاية مبقناش قادرين نحل".

وفيما يتعلق بتعويم الجنيه مجددا، أضاف: "نحن نتمتع بمرونة في سعر الصرف، لكن عندما يتعرض الأمر لأمن مصر القومي والشعب المصري يضيع فيها لأ، عندما يكون تأثير سعر الصرف على حياة المصريين وممكن يضيعهم إحنا منقعدش في مكاننا".

لكن حكومات السيسي قامت بتعويم الجنيه أكثر من مرة منذ نهاية عام 2016، ورغم تداعيات ذلك السلبية على المواطنين والإضرار بهم، إلا أنها أعادت الكرة مرة تلو المرة منذ آذار/ مارس 2022، وزادت الأسعار أكثر من 500% منذ بدء التعويم.

وذهبت كل وعود السيسي السابقة للمصريين سواء بعدم ارتفاع الأسعار مهما ارتفع سعر الدولار أمام الجنيه، أو بعدم ارتفاع سعر الدولار، أدراج الرياح.



وانتقد خبراء اقتصاد في تصريحات لـ"عربي21" تجاهل السيسي أصل الأزمة، وهي الديون الطائلة التي اقترضتها مصر في عهده، وبلغت نحو 5 أضعاف ما كانت عليه قبل توليه الحكم من أجل تمويل مشروعات عملاقة، مؤكدين أن تحجيم الاستيراد يضر بالصناعات والمصانع والأسواق، ويؤدي إلى سلسلة سلبيات من بينها الاحتكار، وزيادة الأسعار، وتراجع الإنتاج.

وتحتاج مصر ما يقرب من 90 مليار دولار سنويا أو أكثر بقليل لسداد فواتير الاستيراد، ورأى السيسي  أن الحل يكمن في تقليل فاتورة الاستيراد، وقال؛ إن مصر لن تتقدم خطوة إلا بالعمل على تقليل الفجوة الدولارية، وهو ما يجب العمل عليه خلال الفترة المقبلة.

وعود غير قابلة للتنفيذ


يقول استشاري تمويل وتطوير المشروعات والأوقاف الاستثمارية، الدكتور علاء السيد؛ إن "حديث السيسي أن وصول الدولار إلى 50 و60 و 100 جنيه أمر طبيعي، ولكنه سوف يضر بالمواطن، لكن الواقع يؤكد أن الإجراءات الاقتصادية كافة؛ كتحرير سعر صرف الجنيه وإلغاء الدعم ورفع أسعار الخدمات والسلع والمشتقات البترولية والكهرباء والمواصلات وغيرها، التي أشرف عليها مجموعة البنك الدولي طوال نحو 10 سنوات مضت، أضرت ضررا بالغا بالمواطنين".

وفيما يتعلق بتصريحات السيسي بشأن عدم تعويم الجنيه مجددا إذا كان سيضر بالمواطن، أكد في حديثه لـ"عربي21": أن "تصريحات السيسي غير قابلة للتنفيذ، في ظل سيطرة صندوق النقد الدولي والشركاء الدوليين والإقليميين على القرارات الاقتصادية والمالية والنقدية في مصر".

وأوضح أن "سعر الدولار في السوق الموازي البالغ 40 جنبها ليس حقيقيا، بل هو أقل من السعر العادل، والقيمة الشرائية الحقيقية للجنيه المصري أقل من ذلك، لكن الركود يمنع تفاقم زيادة سعر الدولار؛ فالقوة الشرائية للجنيه مرتبطة بحجم الدخل القومي وحجم التدفقات بالعملة الأجنبية ورصيد الذهب واحتياطي النقد الأجنبي في البنك المركزي المصري، ولا أتوقع أن يتم التعويم وفق آليات العرض والطلب".

ورأى السيد أن "الحكومة إذا أصرت على تعويق التعويم، فإن السعر في السوق الموازية ربما يصعد نحو 43 و 44، وعندها ربما ستضطر الحكومة والمركزي لتحريك السعر الرسمي نحو 33 و 34 و 35 تدريجيا على مراحل، ومن ثم وعلى التوازي أتوقع أن يرتفع السعر في السوق الموازي نحو 45 جنيها للدولار أو أكثر".

تصريحات السيسي المتناقضة عن الدولار


تصريحات السيسي بشأن أزمة الدولار وضرورة تقليل الاستيراد تتناقض تماما مع تصريحاته السابقة في نيسان/ أبريل الماضي، عندما زعم أمام دفعة من الطلاب العسكريين، أن مصر لا تعاني من مشكلة الدولار، قائلا: "ما عندناش مشكلة في الدولار.. وأنهينا جزء كبير من مساءلة السلع بالموانئ".

 بل أكد أن أزمة الدولار وسعر الصرف في مصر ستصبح تاريخا.. قريبا، مضيفا: "هييجي يوم وهيبقى الموضوع ده تاريخ.. أنا بقولكم: الأزمة دي قريبا بفضل الله هتبقى تاريخ.. حتى الدولار هيبقى تاريخ".



 وفي كلمته الأخيرة، أقر بوجود أزمة كبيرة في الدولار عصية على الحل، ووجه حديثه إلى المصريين قائلا: "دلوقتي أنتم شايفين إن في مشكلة دولار في مصر، أنتم هتحلوها إزاي، مش أنا هحلها إزاي، ومش الحكومة هتحلها إزاي، إحنا كلنا هنحلها إزاي".

خفض قيمة الأصول بديلا عن خفض الجنيه

من جهته، قال أستاذ الاقتصاد، الدكتور أحمد ذكر الله؛ إن "تصريحات السيسي قد تغلق الباب مؤقتا أمام التعويم، ولكن حجم الفجوة التمويلية الكبيرة تحتم التعويم في نهاية المطاف. واضح أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها الاقتصاد المصري هي التي دفعت السلطة إلى تعويم الجنيه أكثر من مرة، ولكن هذه المرة، فإن الوضع اختلف، بعد أن توقفت الدول المانحة (الإمارات والسعودية والكويت) عن ضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد المصري، الذي تعود الحصول عليها طوال السنوات الماضية، أصبح سعر صرف الجنيه في مأزق حقيقي".



وفي حديثه لـ"عربي21"، أوضح أن "تحول دول الخليج من مانح إلى مشتر زادت الضغوط على الجنيه؛ لأن المشتري يريد أن يرى الجنيه عند أقل مستوى حتى يدخل لشراء الأصول المملوكة للدولة للبيع، وتم تسريب أن الحكومة تعرض تخفيضات على أسعار الأصول لجذب المشترين المحتملين بأقل من سعر السوق بديلا عن خفض الجنيه".

 ورأى ذكر الله أن "تخفيض الجنيه سيؤدي إلى حدوث أزمة داخلية؛ لأن مصر مستورد لكل السلع الأساسية وسوف ينتقل الغلاء إلى كل السلع، وهناك تقارير أمام السيسي تؤكد أن المواطن لم يعد باستطاعته التحمل أكثر من ذلك، وهو ما ذكره بالأمس بأنه تفاجأ بقدرة المصريين على التحمل، وهو متخوف من حدوث قلاقل اجتماعية".

 ولفت إلى أن "مصر عليها دفع 5 مليارات دولار قبل نهاية هذا الشهر، ورغم أنها نجحت في الحصول على عدة قروض من مصادر مختلفة (قطر، ليبيا) ربما تقترب من 3 مليارات دولار، وهي بحاجة إلى تدبير نحو ملياري دولار، ولذلك ربما نرى تحريكا للجنيه أو بيع المزيد من الأصول".