كتاب عربي 21

في الجمهورية الجديدة عملية مستنكرة وبلطجة مستأجرة.. مفاهيم ملتبسة (53)

أكدت عملية الحدود على "عقيدة الشعب"- جيتي
لم تعد أفعال عناصر الجمهورية الجديدة ومنظومتها تلك تمثل مفاجأة لنا في ظل التردي والسقوط الحاصل يوميا في ممارساتها وسلوكياتها وسياساتها التي يبدو أنه لا قاع لها، وقد تزامن ذلك مؤخرا في وقوع مشهدين يكشفان عن مستوى جديد من التردي الفاضح لضحالة منظومة وقادة هذه الجمهورية سياسيا وإنسانيا؛ أولهما مشهد نقابة المهندسين، وثانيهما مشهد استشهاد الجندي المصري الذي بات لقبه "فخر العرب الحقيقي".

وقد يكون من المهم أن نشير في التحليل؛ أن أحد المشهدين يعبر عن السياسة الداخلية، والآخر يختص بالسياسة الخارجية والإقليمية، هذه المنظومة تُسرف في إحكام قبضة محاصرة الداخل، وتفرّط وتنسحب وبشكل شبه كامل من ملفات الخارج سواء تعلق الأمر بموارد أو حقوق أو حدود.

أحد المشهدين يعبر عن السياسة الداخلية، والآخر يختص بالسياسة الخارجية والإقليمية، هذه المنظومة تُسرف في إحكام قبضة محاصرة الداخل، وتفرّط وتنسحب وبشكل شبه كامل من ملفات الخارج سواء تعلق الأمر بموارد أو حقوق أو حدود
في الجمهورية الجديدة التي اكتملت رؤيتها لمسارها ولسياساتها الداخلية والخارجية لم يعد يخفى على أحد التعرف على سماتها وخصائصها، فهي مفرّطة في الخارج، خانقة في الداخل، تعمل على صياغة أسلوبها تلك من أن المصري هو العدو وهو الخطر، وأن ما من أحد غيره يفعل ما يشاء، وقتما شاء.. هكذا الجهورية الجديدة في مشاهدها اليومية؛ ومن هذه المشاهد نتوقف عند المشهدين المؤشرين على تلك الحال.

المشهد الأول كان محاولة فرض السيطرة على مجلس نقابة منتخب من خلال الدعوة لسحب الثقة من نقيبها، ولما تبين لهم فشلهم سارعوا للعودة إلى ما يحترفونه؛ ألا وهو البطش والضرب والاعتداء البدني من خلال هؤلاء البلطجية المستأجرين، الذين يعملون بالأجر وبالطلب لتنفيذ سياسة منظومة الثالث من يوليو في الاستحواذ على مؤسسات الدولة الرسمية والمدنية واختطافها بأي وسيلة كانت.

ورغم أن المشهد كان فاضحا وكاشفا إلا أن ذلك لم يثنيهم عن إتمام مهمتهم أمام الكاميرات لقناعتهم بأن نهج وأسلوب الجمهورية الجديدة ينص مرسّخا ذلك على طريقة أمنية باطشة لا تُسأل عما تفعل: "يضربك بغاز أو قنابل وخرطوش، حد يموت أو حد يحصل له حاجة في عينه، يتحاسب الضابط أحمد، لا ده مش هيحصل خلاص"، وهو ما شجع حزب الأغلبية على أن يحشد نوابه وأعضاءه للمرة الثانية في اليوم نفسه للاعتداء على أعضاء نقابة المهندسين بعد فشل الحشد الأول الذي أرادوا له أن يسقط النقيب، فلما تبين لهم حجمهم الحقيقي ووزنهم الفعلي الذي لا يسمح لهم بالنجاح في وحدة محلية، وليس في نقابة مهنية معتبرة بتاريخها وبأعضائها الذين يعدون بعشرات الآلاف؛ سارعوا إلى ديدنهم في البلطجة والاعتداء والتزوير.

هذا المشهد كاشف لهذه المنظومة ودورها وحجمها في المجال العام المصري، ويأتي ذلك بعد أسابيع قليلة من سقوط زبانية الجمهورية الجديدة وأجهزتها في انتخابات نقابة الصحفيين، وهو ما يحمل رسائل دالّة عن هذه الجمهورية ومن تمثل ومن تخدم وعن من تعبر!

ليس ذلك عجيبا ولا مستغربا أنه نهج وديدن لعصابة الجمهورية الجديدة التي لم تستغن يوما عن خدمات "نخنوخ" زعيم البلطجية، الذي حينما حُكم عليه عاجلوه بالعفو الرئاسي بطريقة مفضوحة وفجة. هذه الجمهورية استخدمت جيشا من البلطجية استغلتهم في ثورة يناير وما بعدها، وقامت بمعركة مزعومة يطلق عليها "معركة الجمل" التي كنت أسمّيها "معركة البغل" لما قاموا به بطريقة غبية مستأجرة، حاول هؤلاء فيها أن يفضّوا تجمع الثوار من الميدان.

وهنا ورد التقرير المهم الذي أشار إلى أن عددهم ربما يصل إلى 300 ألف بلطجي يعملون في كنف الجمهورية الجديدة وأجهزتها الأمنية؛ لهم مهام محددة حينما تعجز الأجهزة الأمنية أو لا ترغب في المواجهة المباشرة مع جماهير الناس. ولعل هذا النهج يعبّر عن حال البلطجة في الجمهورية الجديدة ومكانتها، ولو أردنا أن نعدد مظاهر البلطجة المباشرة وغير المباشرة لكان ذلك موضع كتاب يحدد يوميات هذه الفئة التي تنعم في كنف عصابة الجمهورية الجديدة بالتأمين والمكانة.

المشهد الثاني هو مشهد الشهيد المصري ابن الشعب، الذي وُصف بأنه "فخر العرب الحقيقي"، ليثبت أن هذا الشعب حي ولن يموت، ولن تنطلي عليه سياسات هذه المنظومة ولا قيمها ولا خططها الجهنمية لتغيير عقيدته أو جره الى عمليات تطبيعية، ولكنها تُفاجأ بأن هناك من يعيدها إلى حجمها الحقيقي؛ سواء بإصراره على التعبير عن رأيه في انتخابات نقابية، أو قيامه بدوره في حماية حدوده وحفظ كرامته حتى لو كان الثمن حياته وروحه.

لا نعرف الكثير عن الجندي المصري "محمد صلاح"، المصري الذي استشهد بعد أن قتل ثلاثة جنود صهاينة وأًصاب آخرين، ولا توجد أي معلومات عن الدافع وراء ذلك، ولكن ما نعرفه حق المعرفة أن هذه المشهد/ الحدث يشكل علامة مهمة يجب أن نتوقف عندها، وهي تلك العلامة التي تؤكد على معنى مصيرية الصراع العربي الصهيوني، وكيف أن العقيدة لدى الشعب؛ أنه الكيان الصهيوني هو العدو الأساس.

هذا الجندي -ضمن مسلسل حوادث متكررة مثل سليمان خاطر، وغيره- يذكرنا بمسائل مهمة في إدراكنا للصراع العربي الصهيوني، والمسألة التي تتعلق بجهود التطبيع التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تفرض على الشعوب، فإذا كانت للأنظمة ضروراتها؛ ضرورية كانت أو وهمية، حقيقية كانت أم زائفة، فإن للشعوب خياراتها.. خيارات الشعوب في هذه المسألة تحدد العدو، مهما حاول الآخرون أن يقوموا بصناعة عدو موهوم. للأسف الشديد الكيان الصهيوني يتحدث عنه كإرهابي، وعسكر الجمهورية الجديدة يتعامل معه ربما كذلك وبذات المعايير لتمرير الموقف وعظمة هذا العمل. الشعب في كل مواقفه يتعامل معه كشهيد وبطل استطاع أن يجيب عن سؤال: من هو العدو الحقيقي والجوهري؟

إن هذا الأمر يؤكد عليه ويصفه البعض من الخصوم والأعداء؛ فيبادر أهل النظام لوصفه بأنه حادث فردي ويبادر الآخرون إلى وصفه بالحدث الاستثنائي الذي لن ينال من مكانة العلاقة الاستراتيجية كما يؤكدون، ولكن الأمر أخطر من ذلك، فلا نبالغ إذا قلنا إنه يعبر عن روح المقاومة الدفين الذي يوجد بين جوانح هذه الشعوب وأشواقها للحرية والتغيير، ومن ثم فإن فعل المقاومة ذلك إنما يعبر عن حالة عامة كامنة في تلك الشعوب في مواجهتها للعدو الأساس مهما حاولت الأنظمة صناعة عدو وهمي، ولعل ذلك يؤكد في المرة تلو المرة أن العدو سيظل صهيونيا.

هكذا هي الجمهورية الجديدة لها محددات خاصة بها في سياستها الداخلية والخارجية، ولها نهجها الذي يعد المصري هو العدو، ويعتبر أن مقدرات البلاد من ماء وغاز وجُزر أمر يمكن التنازل عنه أو مبادلته بالاعتراف الدولي أو شرعنة انقلابه العسكري قطع الطريق على نظام ديمقراطي، ويعتبر إسرائيل وأمنها من الأمن القومي المصري.

هذه الجمهورية بسياساتها وعلاقاتها ومحدداتها في الداخل والخارج لا تعبر عن الشعب المصري الحقيقي الذي بات يلفظها في العلن بعدما كان في السنوات العشر السابقة يلفظها سرا، هذه الجمهورية ليس لها قاعدة شعبية تحميها خاصة بعد أن قادت هذه المنظومة البلاد الى أزمة اقتصادية طاحنة، فالقواعد الشعبية لا تُصنع ولا تُشترى في ظل سياسات تقوم على إهدار الحقوق والتفريط في الأمن القومي واعتقال وقتل المواطنين ومطاردتهم، وإهدار الموارد على مشروعات وهمية
تحاول أن تفرض ذلك وتعممه على جميع ربوع الوطن.. هذه الجمهورية بسياساتها وعلاقاتها ومحدداتها في الداخل والخارج لا تعبر عن الشعب المصري الحقيقي الذي بات يلفظها في العلن بعدما كان في السنوات العشر السابقة يلفظها سرا، هذه الجمهورية ليس لها قاعدة شعبية تحميها خاصة بعد أن قادت هذه المنظومة البلاد الى أزمة اقتصادية طاحنة، فالقواعد الشعبية لا تُصنع ولا تُشترى في ظل سياسات تقوم على إهدار الحقوق والتفريط في الأمن القومي واعتقال وقتل المواطنين ومطاردتهم، وإهدار الموارد على مشروعات وهمية، والتورط في ديون وقروض لا داعي لها ولا فائدة من ورائها، في ظل توجيهها لبناء أطول ناطحة سحاب، وأعلى برج، وأكبر مسجد، وأوسع كنيسة، وأثقل نجفة، وأعرض نهر صناعي، وأضخم مدينة ملاهي، وجميعها في العاصمة الجديدة التي لا يرى منها الشعب إلا الأسوار العالية والمونوريل الطائر.

مشاهد الجمهورية الجديدة لن تنقطع، وانحدارها لن يتوقف في ظل تلك الأهداف التدميرية لمصر الوطن والمواطن، والتي لا تهدف إلا لحماية عناصر المنظومة ورعاية مصالحهم الخاصة والأنانية؛ مفرّطين في المصالح العليا للبلاد والعباد، ومُضحّين في مقابل ذلك بقيم ومقدرات مصر وأمنها القومي والإنساني.

وعجبا نرى ضمن هذه المعاني التي أشرنا إليها أن تكون تلك البطولة مستنكرة من نظام يحمل رؤية للأمن القومي تخصه ولا تعبر عن جوهر ثبات هذا المفهوم عبر التاريخ والجغرافيا، وعجبا أن ترى تلك الجمهورية في المقابل تقر هؤلاء البلطجية لتنفيذ عمليات مستأجرة وغبية.

twitter.com/Saif_abdelfatah