مقالات مختارة

تداعيات ضم إسرائيل للضفة الغربية وتقويض السلطة الفلسطينية

جيتي
في أول قرارات لها بعد توليها مقاليد الحكم في إسرائيل، قررت حكومة نتنياهو سحب بطاقات الـ “في آي بي” من عدد من مسؤولي السلطة الفلسطينية، لاحتفائهم بإطلاق سراح المعتقل المحرر كريم يونس. وردا على التحرك الفلسطيني لمطالبة محكمة العدل الدولية، لإبداء الرأي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، كما قررت أيضا اقتطاع مبلغ نحو 40 مليون دولار من عوائد الضرائب، التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية، لتذهب لصالح من تزعم أنهم متضررون من العمليات الفلسطينية.

عائدات الضرائب

إن الاقتطاع من عائدات الضرائب ليس جديدا، إذ يأتي ضمن سلسلة من القوانين والقرارات، التي أقرها الكنيست والحكومات الإسرائيلية السابقة، من بينها الاستمرار في اقتطاع مبلغ يعادل ما تدفعه السلطة الفلسطينية رواتب للأسرى وأسر الشهداء، لكن الجديد فيه، أنه يأتي من حكومة اليمين المتطرفة، التي تضم بعضويتها كلا من رئيس حزب “القوة اليهودية” إيتمار بن غفير، ورئيس حزب “الصهيونية الدينية” بتسلئيل سموتريتش، اللذين يتوعدان بالعمل على تفكيك السلطة الفلسطينية، وإعلان السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

والسؤال هنا: هل ستعمل الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة على تفكيك السلطة الفلسطينية وضم الضفة الغربية؟ وما هي التداعيات المترتبة على ذلك فيما لو تم فعلا؟

إن حكومة نتنياهو الحالية ليست كحكوماته السابقة، التي اعتمدت استراتيجية “إدارة الصراع” مع الفلسطينيين، إذ عملت تلك الحكومات على امتداد أكثر من عقد من الزمن، على تقويض حل الدولتين، وحددت وظائف السلطة الفلسطينية من خلال التعامل بانتقائية مع بنود اتفاق أوسلو، بتفعيل ما يصب في مصلحتها، وتعطيل ما هو في صالح السلطة الفلسطينية، للإبقاء عليها ضعيفة ومحاصرة ماليا، ومعتمدة على الدول المانحة، ذات الأجندات التي تخدم إسرائيل، والأهم من ذلك، أن تعمل السلطة لديها كوكيل في خدمة مصالحها الأمنية.

تقليص الصراع

سياسة نتنياهو “لإدارة الصراع “، أو سياسة “تقليص الصراع” التي تبناها نفتالي بينيت لاحقا، هما علامتان تجاريتان للمنتج نفسه، تهدفان للحفاظ على الحكم الذاتي (السلطة الفلسطينية)، دون تهديد للأمن الإسرائيلي، وتمزيق الوحدة الجغرافية والسياسية للضفة الغربية، بخلق “كنتونات” فيها، وعدم التوصل إلى معاهدة سلام قد تفضي لقيام كيان سياسي فلسطيني، أيا كان شكله.

إلا أن لدى سموتريتش خطة أخرى، هي “حسم الصراع ” مع الفلسطينيين، مستلهما فيها شخصية “يهوشع بن نون” الدينية الدموية، الذي تخبرنا أساطير التوراة أنه دمر مدنا كنعانية، وأباد سكانها وحرث أرضها بالملح.

إن سموتريتش وشريكه بن غفير، يعملان على إعلان السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية كاملة، على أساس أنها لليهود دون غيرهم، بعد تفكيك السلطة الفلسطينية، وعدم منح الفلسطينيين في الأراضي المحتلة أي حقوق مدنية أو سياسية، وتخييرهم بين الهجرة أو البقاء كحطابين وسقائين لليهود حسب الرواية التوراتية.

إن لسموتريتش ولبن غفير اليد العليا في حكومة نتنياهو، الذي يسعى للبقاء في السلطة بأي ثمن، لتجنب دخول السجن بسبب تهم الفساد التي تلاحقه، ما سيجعله يرضخ لتوجهاتهما بشأن حسم الصراع مع الفلسطينيين، وكما وردت في الاتفاقيات الائتلافية بين حزب “الليكود” وحزب سموتريتش ”الصهيونية الدينية” وحزب بن غفير ”القوة اليهودية”، حيث نصت هذه الاتفاقيات على أن “لليهود دون غيرهم الحق غير القابل للتصرف في أراضي فلسطين كافة؛ من البحر إلى النهر، وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، دون تحديد جدول زمني.”.

خطة سموتريتش

وإذا ما تم اعتماد خطة سموتريتش لحسم الصراع، وانهارت السلطة لفلسطينية، فإن إسرائيل ستعيد احتلالها العسكري المباشر لمناطق (أ) التي تخضع “اسميا” للسلطة، وهي بذلك ستكون مجبرة للتكفل بالمتطلبات الاقتصادية والصحية والاجتماعية والتعليمية، لأكثر من أربعة ملايين فلسطيني، حسب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ما سيكلفها نحو 6 مليارات دولار سنويا، بحسب ما أفاد به الصحفي الإسرائيلي داني روبنشتاين في مقال في صحيفة “غلوبس” الاقتصادية، ويضيف ” أن إسرائيل ستدفع ثمناً اقتصادياً باهظاً؛ نتاج تدهور الأوضاع الأمنية المتوقع في أعقاب تفكيك السلطة الفلسطينية.”.
وإذا اختار نتنياهو ضم الضفة الغربية كاملة لإسرائيل، أو ضم أكثر من ثلث مساحتها، وفقا لبرنامج حكومته السياسي، الذي جاء فيه حرفيا ” أن توقيت الضم يترك لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، مع اختيار الوقت المناسب، ومع الأخذ بعين الاعتبار الحسابات القومية والديبلوماسية الدولية لإسرائيل”، فإن ذلك سيضع علاقات إسرائيل بالفلسطينيين على مسار أكثر عنفا من أي وقت مضى.

الحكومة الأكثر دموية

لا شك أن حكومة نتنياهو- سموتريتش – بن غفير، تعد الأكثر دموية وتطرفا تجاه الفلسطينيين، كما تشير اتفاقاتها الائتلافية، مما يزيد من التوقعات أن الفترة المقبلة ستشهد اتساع دائرة المواجهة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتعاظم المقاومة فيها، ما سيعيد الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي للمربع الأول، على الرغم من تطمين جهات أمنية وسياسية ومراكز أبحاث إسرائيلية، من أن نتنياهو سيمنع سموتريتش وبن غفير، من الإقدام على خطوات من شأنها "هدم المعبد على رؤوس أصحابه"، كما فعل سابقا مع وزير الجيش أفيغدور ليبرمان في حكومته في عام 2016 ، وأنه سيحافظ على علاقات أمنية واقتصادية مع السلطة الفلسطينية.

القدس العربي