قضايا وآراء

مصر "الرجل المريض" بتوافق إقليمي دولي

أزمات اقتصادية متعددة الأوجه في مصر- عربي21
في العام 1853 أطلق نيكولاي الأول، قيصر روسيا، وصف رجل أوربا المريض على الدولة العثمانية بعد سلسلة الهزائم العسكرية التي منيت بها، وأذهبت مهابتها، ودعا القيصر بريطانيا لاقتسام أملاك ذلك الرجل المريض، لكن التقسيم لم يقتصر عليهما بل شاركتهما فيه دول استعمارية أخرى.. اليوم تعيش مصر حالة رجل العرب المريض بعد أن كانت هي القائدة والرائدة، والشقيقة الكبرى، وصاحبة الأمر والنهي في المنطقة لعقود حتى في لحظات هزيمتها العسكرية بعد 1967.

مصر هي الأكبر عربيا (سكانا)، وهي الأعرق تاريخا، وهي الأكثر تطورا تكنولوجيا، والأكثر قوة عسكرية، لكن مشكلتها في حكمها الذي أوردها المهالك، والذي فرط في أرضها، وأهدر ثرواتها، وكبّلها بديون لا قبل لها بها، ولا حاجة إليها، وهبط بمعيشة أهلها إلى الدرك الأسفل، وسام أهلها سوء العذاب؛ إلا من تعلّق به، وارتضى حياة الذل والمهانة.

لا يسعد أي مصري حين يرى بلاده تمد يدها لهذه الدولة أو تلك طلبا لمعوناتها؛ أن تتسول قيادة بلده باسمه بينما هي في الحقيقة تتسول لإنقاذ نفسها، لا يسعد أي مصري أن يعرف ما تضمه بلاده من خيرات وثروات تهدر أمام عينيه لتحقيق أوهام الحاكم المستبد، الذي يفتقد إلى الشرعية
لا يسعد أي مصري حين يرى بلاده تمد يدها لهذه الدولة أو تلك طلبا لمعوناتها؛ أن تتسول قيادة بلده باسمه بينما هي في الحقيقة تتسول لإنقاذ نفسها، لا يسعد أي مصري أن يعرف ما تضمه بلاده من خيرات وثروات تهدر أمام عينيه لتحقيق أوهام الحاكم المستبد، الذي يفتقد إلى الشرعية، فيستبدل بها مشروعات كبرى لا حاجة عاجلة إليها، ولا قدرات ذاتية تكفيها.

لم تكن مفاوضات الحكومة المصرية مع صندوق النقد مؤخرا كسابقاتها من الجولات، بل كانت الأكثر تشددا، وإملاء للمطالب والشروط حتى يوافق الصندوق على قرض بسيط بقيمة ثلاثة مليارات دولار، كان من الممكن جمع أضعافها من الشعب المصري نفسه في الداخل أو من المغتربين المصريين لو توفرت لديهم الثقة الكاملة في النظام الذي يحكمهم، ولو شعروا بامتلاكهم لوطنهم كما كان حالهم بعد ثورة 25 يناير.

ولم تكن رحلات رأس النظام الخارجية لتسويق سياسات مصرية لإعادة ترتيب المنطقة أو لعب دور على المستوى الإقليمي والدولي، ولكنها كانت جميعا رحلات تسوّل للدعم المالي والسياسي، وجميعها تترجم إلى ديون لامست 160 مليار دولار من الديون الخارجية، بخلاف الديون الداخلية، لا تكبل أعناق الجيل الحالي فقط بل أجيال مقبلة. جزء من هذه الديون الفاسدة لشراء دعم سياسي عبر توقيع صفقات تجارية وصفقات تسليح غير ضرورية، وجزء لتمويل مشروعات كبرى لم تقم على دراسات جدوى، ولا تمثل أولوية لمصر والمصريين في الوقت الحالي.

إلى جانب الأسباب الداخلية المرتبطة بسياسات النظام الحاكم، فمن الواضح أن هناك توافقا إقليميا دوليا على إيصال مصر إلى هذه الحالة، وإبقائها فيها، لقد انعقدت هذه الإرادة من قبل على دعم الانقلاب العسكري على أول تجربة ديمقراطية، وأول رئيس مدني، إما خوفا على الكيان الصهيوني أو خوفا من وصول الديمقراطية إلى ممالك ومشيخات الخليج
إلى جانب الأسباب الداخلية المرتبطة بسياسات النظام الحاكم، فمن الواضح أن هناك توافقا إقليميا دوليا على إيصال مصر إلى هذه الحالة، وإبقائها فيها، لقد انعقدت هذه الإرادة من قبل على دعم الانقلاب العسكري على أول تجربة ديمقراطية، وأول رئيس مدني، إما خوفا على الكيان الصهيوني أو خوفا من وصول الديمقراطية إلى ممالك ومشيخات الخليج. لقد ضخت الدول الخليجية عشرات المليارات من الدولارات دعما للنظام الانقلابي في سنواته الأولى، وكانت تتوقع أن يتمكن النظام من الاعتماد على نفسه بعد ذلك، لكنه استمرأ حالة التسول، ومن يمد يده لا يستطيع أن يمد رجليه كما يقول المثل، فظهر رأس النظام دوما مطأطأ رأسه أمام كفلائه في الوقت الذي يستأسد فيه على شعبه.

لم يكن غريبا ذاك المظهر الذي ظهر به السيسي في لقاء القمة السداسي الذي استضافته أبو ظبي مؤخرا، وكان من بين أجندته إنقاذ نظامه الذي يمر بأسوأ أيامه، مع تراكم أقساط الديون المستحقة عليه، والتي وافقت الدول الخليجية على تأجيل سداد ما يخصها منها، لكنها لم تعد قادرة على ضخ المزيد من المعونات والقروض، وقد أعلنت ذلك بشكل واضح، بل بشكل جارح. فالبرلمان الكويتي اتخذ قرارا يُلزم حكومته بعدم تقديم أي قروض جديدة لمصر، ووزير المالية السعودية محمد الجدعان أكد أن المملكة غيّرت طريقة تقديم المساعدات لحلفائها (ويقصد مصر والأردن) لتكون عبر الاستثمار المنتقى، وقطر رفضت أن تودع وديعة دولارية بخمسة مليارات دولار في البنك المركزي؛ اكتفاء باستثمارات في أصول مصرية، وحتى الإمارات الداعم الأهم أصبحت تنافس على شراء الأصول المصرية وليس تقديم قروض ومعونات مباشرة.

لكن ذلك كله لا يعني أن الحلفاء الإقليميين بمن فيهم الكيان الصهيوني مع الحلفاء الدوليين الآخرين للنظام المصرين؛ سيتركونه يغرق، كلا إنهم يريدونه في حالة "الغرغرة" فقط، فلا هو يغرق ولا هو يطفو، وهذه هي الحالة المثالية لهم جميعا لانتزاع ما يريدون منه على حساب المصالح الوطنية المصرية والثروات الوطنية التي بنتها وراكمتها أجيال بعرق جبينها وبتضحياتها وشهدائها.

هذا التوافق الإقليمي الدولي على إبقاء مصر في حالة المرض، مع عدم السماح بغرقها، ليس حبا فيها ولا في شعبها، ولا حتى نظامها، ولكنه خوف من تداعيات الفشل وفي الوقت نفسه خوف من تداعيات استعادة قوتها، ففي حالة الفشل سيدفع الإقليم ثمنا لذلك بحالة اضطراب كبرى
هذا التوافق الإقليمي الدولي على إبقاء مصر في حالة المرض، مع عدم السماح بغرقها، ليس حبا فيها ولا في شعبها، ولا حتى نظامها، ولكنه خوف من تداعيات الفشل وفي الوقت نفسه خوف من تداعيات استعادة قوتها، ففي حالة الفشل سيدفع الإقليم ثمنا لذلك بحالة اضطراب كبرى قد تقتلع دولا وأنظمة أخرى تظن نفسها راسخة، وأنها قادرة بأموالها على إدارة العالم، كما سيدفع العالم وخاصة أوروبا الثمن من موجات الهجرة الواسعة إليه بحرا وبرا وجوا، ناهيك عن حالة الاضطراب الإقليمي التي سيدفع جزءا من كلفتها أيضا. وفي حال استعادة مصر لقوتها تخشى تلك الدول ذاتها من النفوذ المصري الذي دفعت الكثير لإضعافه، كما يخشى الكيان الصهيوني ومعه رعاته الغربيين عودة الدور المصري الرائد في قيادة الأمة العربية والإسلامية لمواجهة مشروعه الاستيطاني واحتلاله لفلسطين، أي أن كلتا الحالتين الغرق أو القوة مزعجتان لهذه القوى الإقليمية والدولية.

مصر كانت مرشحة لاستعادة دورها الريادي والقيادي الذي لعبته من قبل، وبطريقة أفضل كثيرا بعد ثورة 25 يناير التي نحيا ذكراها الثانية عشر الآن، وكان سيصبح لديها مشروع إضافي جديد وهو تصدير الديمقراطية لدول المنطقة، بخلاف دورها في قيادة الأمة العربية في مواجهة المشاريع المعادية، ودورها في ضبط إيقاع السياسات الإقليمية والعالمية، لكن الحلف ذاته الذي أوصلها لحالتها المرضية الحالية هو نفسه الذي واجه مبكرا الثورة المصرية ووأدها بعد عامين ونصف فقط من قيامها وقبل أن تؤتي أكلها.

twitter.com/kotbelaraby