قضايا وآراء

خيارات الثورة السورية في مرحلة معقّدة

لن يجلب التقارب التركي مع الأسد حلولا للسوريين- جيتي
لم تمت الثورة السورية، رغم انخفاض فعاليتها إلى حد بعيد، فما زالت الثورة موجودة في أكثر من نصف مساحة سوريا، من الشمال الغربي إلى الشرق والجنوب، وما زالت تنبض في قلوب أكثر من نصف سكان سوريا، دون أن يعني ذلك أن النصف الآخر مع سلطة الأمر الواقع، بقدر ما هو يبحث عن شكل من أشكال التمرد يتناسب والظروف التي يعيشها هؤلاء.

لم يبق ربما سوى أقل من عشرة في المائة من السوريين يتمسكون بنظام الأسد، وهؤلاء لا ينتمون لمكون معين أو طيف سياسي محدد، بقدر ما تدفعهم مصالحهم المباشرة، المتشكلة من الفساد والمحسوبيات والاشتراك في عالم الجريمة الذي بات أهم مصادر دخل منظومة الأسد. أما الباقي، وبعيدا عن انتماءاتهم الدينية والعرقية، فقد بات المشهد واضحا بالنسبة لهم.. ثمة عصابة تأخذ البلاد والعباد إلى هوّة سحيقة من الدمار والضياع؛ إن لم يغرقوا فيها اليوم، فلا بد أنهم غارقون بها غدا. أما مستقبل أبنائهم فقد اكتملت صورته وتوضحت بشكل انعدمت معه أي إمكانيات أخرى، وبات محكوما بأحد احتمالين: إما الموت في مغامرات العصابة أو في سجونها، وإما الموت جوعا أو بسبب جرعة زائدة من المخدرات.

ينطبق على الشارع السوري بعموميته وصف الجهة الباحثة عن مخارج فعلية للخروج من أزمة وصلت إلى ذروتها، فلا الساكنون في الخيام والمخيمات باتوا قادرين على الاستمرار بهذا الوضع غير الآدمي، ولا المقيمون تحت سلطة الأسد، الذين يعيشون حياة بدائية بكل ما للكلمة من معنى، بقي لديهم جزء من طاقة تعينهم على المسير لليوم التالي، لكن أين المخرج وكيف يمكن الوصول إليه؟

في هذا السياق، ينطبق على الشارع السوري بعموميته وصف الجهة الباحثة عن مخارج فعلية للخروج من أزمة وصلت إلى ذروتها، فلا الساكنون في الخيام والمخيمات باتوا قادرين على الاستمرار بهذا الوضع غير الآدمي، ولا المقيمون تحت سلطة الأسد، الذين يعيشون حياة بدائية بكل ما للكلمة من معنى، بقي لديهم جزء من طاقة تعينهم على المسير لليوم التالي، لكن أين المخرج وكيف يمكن الوصول إليه؟ وكيف يمكن عبور الطريق بأقل قدر من الخسائر، بعد أن راكم السوريون خبرات كبيرة عن طرق وأساليب تعاطي العصابة الحاكمة مع ثورتهم ضده؟

هذا السؤال بات يشكل ديناميكية مهمة لحراك سوري ينتشر في جهات سوريا الأربع، إذ تشهد مختلف المناطق، بما فيها التي تسيطر عليها العصابة وخاصة في درعا والسويداء، حراكا سياسيا يقوده في الغالب أشخاص هضموا من خلال تجربتهم المديدة تجربة السنوات العشر الماضية، وثمة مساع لبناء نمط جديد من الحراك على ضوء تلك الخبرات والواقع الراهن، يختلف عن الحراك في بداياته، والذي لعب الحماس والعواطف دورا كبيرا في تشكيله، فضلا عن معطيات من نوع الدعم الخارجي وإمكانية تحرك المجتمع الدولي، وهي معطيات لم تعد متوفرة وليس هنالك أمل باستعادتها، على الأقل قبل أن يثبت السوريون جدارتهم وجديتهم في إسقاط النظام.

لا بد من الإشارة هنا إلى تأثير التحول التركي على مسار الحراك السوري، إذ أن الكثير من الفعاليات، وخاصة في شمال سوريا، برزت كتحوط مستقبلي من احتمال إعادة العلاقات بين أنقرة ونظام الأسد، وتسارعت وتيرة تلك الحراكات مع تسارع وتائر عودة العلاقة بين الطرفين.

وإن كان لم يخرج حتى اللحظة عن الحراك السوري ما يبشر بحصول تغيرات مهمة على صعيد الحراك، إلا أنه من المؤكد أن تسريع وتيرة التقارب بين أنقرة والنظام ستدفع بالحراك السوري، تحت تأثير الخطر الوجودي الداهم ربما، إلى التعبير عن نفسه، عبر تنظيمه في أطر جديدة ورؤى مختلفة

واللافت، ورغم شح معلومات المعارضة الرسمية، في الائتلاف وهيئة التفاوض، عن شكل التقارب التركي مع نظام الأسد وحدوده، إلا أن الشارع المعارض ونشطاءه كانت لديهم، ومنذ اللحظة الأولى، رؤية واضحة عن المآلات التي ستصل لها هذه العملية التي تقودها روسيا، لأسباب جيوسياسية بعيدة المدى، وتنخرط فيها تركيا مدفوعة باعتبارات داخلية تقدرها جهات صنع القرار بكونها أولويات يستلزم التعاطي معها باهتمام، ويأتي على رأسها التخلص من عبء وجود اللاجئين السوريين وتمويل الفصائل المسلحة.

وإن كان لم يخرج حتى اللحظة عن الحراك السوري ما يبشر بحصول تغيرات مهمة على صعيد الحراك، إلا أنه من المؤكد أن تسريع وتيرة التقارب بين أنقرة والنظام ستدفع بالحراك السوري، تحت تأثير الخطر الوجودي الداهم ربما، إلى التعبير عن نفسه، عبر تنظيمه في أطر جديدة ورؤى مختلفة، لذا فإن هذا الحراك سينطلق بداية من الإعلان عن جملة ركائز تشكل أساساته وتعبر عن محتواه، وذلك من خلال:

أولا: إعلان موت المعارضة الرسمية القديمة وفرط هياكلها، بما فيها الائتلاف الوطني وهيئة التفاوض، وهياكل الفصائل المسلحة، وجميع الهيئات والكيانات التي شكلت رديفا داعما لتلك المعارضة، بعد فشل هذه المكونات في التعبير عن أحلام السوريين وحتى تمثيلهم.

يدرك السوريون أن تركيا بتصالحها مع الأسد لن تجلب لهم حلولا أكثر مما يطرحه الروس، من نوع التسويات والمصالحات المذلة، التي ستتركهم لمواجهة مصير الموت في السجون، أو العمل ضمن مليشياته، لكن الأهم من ذلك أن جميع السوريين باتوا يدركون أن نظام الأسد بات على حافة السقوط، ومن الخطأ القاتل بعث الحياة في شرايينه عبر المصالحة معه وإعادة تأهيله

ثانيا: عزل الكيانات المتطرفة، التي باتت تشكّل عبئا على الثورة، وذريعة يستخدمها أعداء الثورة لتبرير وحشيتهم واستمرار وجودهم باعتبارهم أفضل من المتطرفين الذين يهددون السلام والأمن الدوليين.

ثالثا: رفض أي دعم خارجي مشروط، بعد التجارب المريرة والفاشلة، والتي أوصلت الثورة إلى شكل من أشكال الارتزاق، فضلا عن انتشار الفساد بدرجة كبيرة داخل هياكل وأطر الثورة.

مقابل ذك، ما هي خيارات السوريين؟ وكيف سيتمكنون من إدارة مرحلة معقدة، قد يكون من السهل وضع تصورات نظرية لها، لكن تحويلها إلى برامج فعلية وخطط تنفيذية أمر دونه خرط القتاد؟ ثمَة خيارات يمكن الارتكان إليها، وسبق أن تم الاعتماد عليها من قبل حركات تحرر حديثة، مثل حركة التحرر الفلسطيني، من نوع تأسيس منظمة سياسية وعسكرية جامعة لإدارة الثورة، والاعتماد بدرجة كبيرة على التمويل الذاتي، بواسطة رأس المال الوطني، وخاصة في المغتربات.

يدرك السوريون أن تركيا بتصالحها مع الأسد لن تجلب لهم حلولا أكثر مما يطرحه الروس، من نوع التسويات والمصالحات المذلة، التي ستتركهم لمواجهة مصير الموت في السجون، أو العمل ضمن مليشياته، لكن الأهم من ذلك أن جميع السوريين باتوا يدركون أن نظام الأسد بات على حافة السقوط، ومن الخطأ القاتل بعث الحياة في شرايينه عبر المصالحة معه وإعادة تأهيله.

twitter.com/ghazidahman1