قضايا وآراء

قراءة في مزرعة الحيوان

- CC0
قوانين المعاناة

عندما تكون الحالة النفسية سليمة عندي فلا أتوقع أن أوقف بقرة لتعلمني قواعد الإدارة، أو أنبهر بنهيق الحمار وأبحث عن مقاصد عميقة في نهيقه، لكن هذا ما يحصل فعلا عند انبعاث الصراصير، فإنك ستسمع أسئلة عن الكيمياء من صريرها وكيفية تحويل الأجواء المليئة بالأوكسجين إلى جو مشبع بالميثان.. إنها الهزيمة التي تجعل بغلا يتفاخر بنسب أبيه ويتحدث عن الأصالة مثلا.

ونحن نضرب مثلا بمخلوقات الله التي لم تخلق لتتماشى مع خيالنا، فهي مخلوقات لها مهام وفق التوازن البيئي، وأن ما نريده منها هو خارق للطبيعة؛ إن فعلته تذهب الطبيعة إلى الدمار ويصبح الإنسان مشروع تلاشٍ.

ولعلنا والحال هذه نستذكر رواية مزرعة الحيوانات التي بدأت بحلم رآه خنزير عجوز (ميجر) ثم لحقته ثلاثة خنازير طموحة؛ عندما أخذت الحيوانات دورا غير دور خلقها.. قراءة أخرى لتلك الرواية العميقة، التي لم تُخرج صاحبها ليصنف ككاتب روائي بل بقي صحفيا عند من يقيم هذه الدرجات، مع عمق تلك الروايات التي كتبها، ولكن من يبحث عن وضع الناس في صناديق لن يمكنه تقييم عباقرة كجورج أورويل كما سمى نفسه.

الحيوانات التي ثارت بعد ألم وجوع وإهمال من السيد (الإنسان) وعماله الكسالى، وسيطرت على المزرعة كما في الرواية، سنّت قوانينها الطموحة والتي تعبر عن معاناتها من السيد (الإنسان)، لكن الخنزير سنوبل الذي وضع القوانين وكان متضامنا معه الخنزير نابليون الطموح من غير كفاءة وسكويلر البوق الإعلامي العتيد، لم يكونوا قد مارسوا الحكم، فما لبثت القوانين أن تمطت لتعطي معاني استرخاء عن الفكرة الثورية إلى السيطرة الفردية، عندما يطرد نابليون التافه سنوبل بواسطة كلاب مدربة من سلالة كلاب السيد الإنسان، متهما إياه بالعمالة للسيد الإنسان منذ البداية دون تفسير لأن يكون هو قائد الثورة وعميلا في آن؛ فيصبح قتل الحيوان للحيوان ممكنا أحيانا، وارتداء الملابس ممكنا، والنوم على السرير ضرورة.

تقاعد التكنوقراط

انتهت حياة الحصان بوكسر التكنوقراطي المتفاني في عمله، والذي لم يكن يكف عن ترديد جملة "الزعيم نابليون دائما على حق"، على يد زعيمهم نابليون، حيث قام ببيعه، لكبر سنه وتدهور صحته، لجزار الحيوانات بائع اللحوم دون أن يرف له جفن. امتعضت الحيوانات لما حل بالحصان، فحدثت فوضى واختل القانون لبعض الوقت في المزرعة، لكن استعادة نابليون وسكويلر لسيطرتهما على الحيوانات المغيبة أمر سهل.

إن المخلصين والتكنوقراط الذين يعملون ولا يهمهم من يحكم يكونون دوما ضحايا الشذوذ والفوضى والفساد؛ رغم أنهم أناس يعملون ولا يسألون عن جهدهم، لكنهم يُهملون عند أول فرصة يتمكن الفساد فيها من إبعادهم، وهذه سنّة ثبتها القرآن في حالة فجة من الشذوذ والفساد: "فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ"، بينما الفاسد منهم يبقى متمكنا كذراع للفساد مقابل الفتات وذاك ثمن بخس.

الإحساس بالظلم لا ينشئ فكرا وإنما يكون دافعا لتهيئة الجيوش لطغاة ما زالوا يستثمرون الألم لركوب زفرات الحزن نحو قلاع وزنزانات وجلادين، وإن غياب الخطة القريبة والبعيدة يجعل الحراك فاشلا؛ ليس بالضرورة أن يسقط وإنما أن يرتد إلى ما أنكره الثائرون على من ثاروا عليه، فكان سببا لثورتهم عندما نفترض أن النوايا سليمة. وهكذا يحاول نابليون أن يقلد السيد الإنسان فيسير على قدمين ليكون شعار السير على أربع "حسنا"، متحولا إلى أن من يسير على قدمين "أحسن". وأسوأ الناس من ينسى ألمه عند رخاء، لأن ألمه لم يكُ لإحساس بأهله وبيئته؛ بل كان ألم الحسد للظالم وتمني مكانته، وذاك تمام العبودية للحاجات والغرائز بلا حدود.

معادلة خماسية

لم يتحقق للحيوانات إزالة الظلم بل عاد بشكل الطغيان، ولم يك السبب هو الإنسان وإنما غرائز حب السيادة والتملك ذاتها، ولم يك نابليون ولا بوكسر ممثلان لأقصى اليمين واليسار ليستمرا بنجاح، ذلك أن المعادلة تحتاج حضور العوامل الخمسة والنجاح حاصل ضربها ببعضها، وأي منها تنخفض قيمته يؤثر على الجميع أو يعطي الصفر علامة الفشل الحتمي ما لم تعدل المعاملات.

احتمالية النجاح = الحس بالحاجة للتغيير والتطوير للذات (وتشمل ثقة الجمهور) × الخطة المرحلية وقريبة المدى والتي تحدث بتكتيك التنفيذ× الرؤية بعيدة المدى كاستراتيجية إصلاح وتغيير يتعامل مع الزمكان× المـال × أناس يفهمون الفكرة وآليات تطويرها وإلا تموت مع معدّها أو تجمّد زمكانيا عنده=1.

القيم ليست رقمية وإنما وجود (1) والغياب (صفر)، وإذا أردنا أن نحصل على أرقام لنسبة نجاح متوقعة فلا بد من إعطاء وزن لكل عامل من 100 ثم جمعها، وهنا يكون للقيادة والإدارة دور هام.

التقليدية

الجهاز المعرفي في حل المشكلات له أهمية كبرى، حيث يلجأ معظم الناس إلى التقليدية وتحقيق الغايات رغم خطورة المغامرة في عصر التقدم التقني ولا يتبنى الحديث الذي هو أدق وأفضل وأنجع. وهذا سيكون مشكلة عندما يفكر بهذه الطريقة عناصر مهمة كالطبيب والمهندس، وذلك عندما لا يجلب التقنية الأحدث وأصحاب الفكر في استدعاء الماضي، كرد على الإخفاق في الحاضر وإبعاد حقيقة أن الفكر الأم يلد الجديد مع العصور.