كتاب عربي 21

حروب الحِيَل بين الشعوب والطغاة

تستخدم الشعوب السخرية في مواجهة الاستبداد
تُحكم الأمم بالسيف، وتُحكم بالعدل، وتُحكم بالسيف والندى معاً، فالعدل يحتاج إلى السيف، والسيف يحتاج إلى العدل، لكن ثمة من الحكّام من يجمع إليهما الحيلة، والحيلة وسيلة الضعفاء غالبا، لكن الأذكياء يستغنون بها عن الدماء. الحرب خدعة، والحكم لا يخلو من الخدعة، لكنه أمسى معظم الخدعة.

لن يجد المظلوم ضالته في كتاب جيمس سيتورات "المقاومة بالحيلة"، وقد بلغ الجهد منا مبلغه في عدة دول عربية، ففي مصر يأكلون أرجل الدجاج وجبةً للشبعة، أما في سوريا فأرجل الدجاج لا تُطال، ورأينا طوابير في تونس -دولة أخطب الخطباء قيس سعيد- أرتالا من الناس على السكر والزيت، الذي احتال علينا ببضع كلمات ونبرة صوت وذكر فلسطين فخلب ألبابنا.

قاومت الشعوب العربية في حقبة ما بعد الاستقلال، بكل أنواع المقاومة السلمية، ولم يكن استقلالاً قط، لقد كان انتقالاً من حكم المستعمر الأجنبي إلى حكم المستعمر المستعرب، لقد وجد المستعمر خدعة ماكرة، وهي الحكم بالأقليات الناطقة بالعربية

وقد قاومت الشعوب العربية في حقبة ما بعد الاستقلال، بكل أنواع المقاومة السلمية، ولم يكن استقلالاً قط، لقد كان انتقالاً من حكم المستعمر الأجنبي إلى حكم المستعمر المستعرب، لقد وجد المستعمر خدعة ماكرة، وهي الحكم بالأقليات الناطقة بالعربية.

وصف جمال حمدان معارضة الشعب المصري بأنها حزب المعارضة بالنكتة، والنكتة لا تضر المستبد كثيراً، بل لعله ينتفع بها، فهي تزيل همّ المظلوم وتُبقي سلطان الظالم وقد تضحكه أيضا.

وقاومنا بكنايات القول وبالرموز والاستعارات والشعر والأدب عموما وبالدعاء أيضاً، والدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب عند المؤمنين، كما يقول ابن القيّم، ولكن قد يختلف عنه أثره إما لضعفه في نفسه، بأن يكون دعاءً لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لحصول المانع من الإجابة، من أكل الحرام، والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والشهوة واللهو وغلبتها عليه: "ادعوا الله، وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاءً من قلب لاهٍ. يكفي من الدعاء مع البرّ ما يكفي الطعام من الملح". وقد أصيب ابن الرئيس الأسد بأحد هذه السهام على بعض التقديرات، وأصيب حفيد مبارك بأحد هذه السهام بتقديرات أخرى. يقول العلماء: إن الله يقتصّ من الظالم في الدنيا قبل الآخرة. ما سعد ظالم أبداً، فالمُلك عقيم.

تحوّل المجتمع السوري إلى مجتمع أشباح بعد مجازر حماة، ويسير المجتمع المصري على الأثر، وقرأت عنواناً لكاتب مصري متفائل يقول عن المقاومة بالسخرية: "في السخرية حتف المستبد"، حتفه حتة واحدة! يا ألف نهار أبيض. وكتب آخرون عن كون الخطاب الساخر امتداداً لفكرة المقاومة السلمية غير العنيفة للقهر السياسي. وكتب كاتب ثالث: ساخرون وثوار، وقالوا إن السخرية مقاومة سياسية. وزعم كاتب روسي اسمه ميخائل باختين أن الضحك يدمّر الطغيان.

قرأت عنواناً لكاتب مصري متفائل يقول عن المقاومة بالسخرية: "في السخرية حتف المستبد"، حتفه حتة واحدة! يا ألف نهار أبيض. وكتب آخرون عن كون الخطاب الساخر امتداداً لفكرة المقاومة السلمية غير العنيفة للقهر السياسي. وكتب كاتب ثالث: ساخرون وثوار، وقالوا إن السخرية مقاومة سياسية. وزعم كاتب روسي اسمه ميخائل باختين أن الضحك يدمّر الطغيان

وإن صدقت أقوال هؤلاء الكتاب، فإن الرؤساء والطغاة يردّون الصاع عشرة أصواع، ويقاومون بالسخرية من أنفسهم أو بالترخيص لها حتى انعدم أثر السخرية والضحك وفني فعله.

يمكن للرئيس ادّعاء الفضيلة والتقوى بل والبكاء أحيانا على الوطن والشهيد، بل ويستعين بعض الرؤساء بالديمقراطية نفسها في توطيد أركان حكمهم، وبالمهرجين الذين يظنهم الشعب في صفه، بينما هم في صف السلطان، مثال ذلك دريد لحام، الذي كان يسخر من المخابرات وهو في الحقيقة يعظّمهم، وسعيد صالح وكان أحد ندماء السادات، وكذلك عادل إمام.. إن النظام السوري استعان بمسلسل مرايا وبقعة ضوء في الإيهام بمعارضة سياسية.

ملخص كتاب ستيورات "المقاومة بالحيلة" أن المجتمعات المظلومة سياسيا تجد طرقاً للمقاومة، قد يكون وصف الصبر أولى من المقاومة، لعل في الطرائف التي نقولها عن المستبد تعزية أو سلوى تزيد الجَلَد، لكن لم تسقط طرفة رئيسا يوما.

لا يمضي يوم إلا ويخرج علينا محللون سياسيون يحملون ألقاباً كبيرة، مبشرين بقرب زوال حكم الأسد، والقول بترنح نظام السيسي. وقد احتفل توانسة مخضرمون بأن نتيجة الانتخابات البرلمانية ستجعل قيس سعيد يراجع نفسه، والمنظمات الاقتصادية دولية ستستنكف عن إقراضه، وهو وهْم يزيد في عمر النظام، وهي تحليلات مسليّة لا أكثر، فالمنظمات الاقتصادية تريد مصر وتونس غنيمة باردة وليس فوائد قروضها. الفوائد مجرد فكة أو ذريعة احتلال.

الحقّ أن الرؤساء أيضاً يقاومون الشعوب بالاعتقال كما يقاومون بالحيلة والمكر، وباتباع ميراث كبير من مواريث أساليب الحكم واستراتيجياته، بالإلهاء واختلاق المصاعب، والتدرج والاستدراج، والتسويف، ومخاطبة الشعب كأنهم أطفال، وأسلوب الفيلم الهندي بمخاطبة العاطفة، والتجهيل، والقضاء والقدر، ولوم الشعب وردِّ سوء حال إليه، وإلى الحكام السابقين، وبمعرفة أسرار كل فرد من أفراد الشعب، فيصبح الرئيس مثل الكاهن الذي يتحكم بالمسحور.

لقد حوّل الأسد الشعب السوري إلى ما دون خط الفقر، من غير أي مظاهرة أو احتجاج. قد يخرج مشهور أدى دور أحد الأبطال التاريخين، ويئن في تغريدة، وقد يلوم الحكومة مبرّئاً الأسد، ولن يجرؤ على أكثر من ذلك.

السيسي، فمُصرّ على مشروعاته القومية التي ستخلد أثره، وأصدر قانون الأحوال الشخصية الجديد، غير مبال بالأزهر، ومعناه أنه سبى جميع نساء مصر، وجعل الرئيس من نفسه وليّ أمرهن، وأن المهر سيكون من حصته، أما حيلته، فهي أن الصندوق سيكون لأولاد المطلقات اللاتي يبشر الرئيس بطلاقهن

أما السيسي، فمُصرّ على مشروعاته القومية التي ستخلد أثره، وأصدر قانون الأحوال الشخصية الجديد، غير مبال بالأزهر، ومعناه أنه سبى جميع نساء مصر، وجعل الرئيس من نفسه وليّ أمرهن، وأن المهر سيكون من حصته، أما حيلته، فهي أن الصندوق سيكون لأولاد المطلقات اللاتي يبشر الرئيس بطلاقهن!

الرؤساء المذكورون حسنو التمثيل، ولهم بطانة من الفقهاء والمثقفين والشعراء والإعلاميين تمكر لهم وتحتال، فهم يترددون على الاحتفالات الدينية في المناسبات الدينية، وهي احتفالات يجري تحريفها، فيُحتفل بالرئيس بدلاً من الاحتفال بالنبيّ، ويحرصون جميعاً على صورة تذكارية على المائدة المعدّة من القصر الجمهوري مع أسرة فقيرة.

ومن مقاومة الرئيس الشعب بالحيلة بكاء الرئيس، وضحك الرئيس، بل قد يستطرف الرئيس فيروي طرفة للشعب فيضحك.

لدى الرئيس كل أدوات وعتاد الحكم: الخيل والليل، والسيف والرمح، والقرطاس والقلم، وهو يضيف إليها حيل التمثيل والخداع حتى ليظن المرء أن الرئيس سيتسول قريبا على باب الجامع.

نعرف نصاً أدبياً، أو طرفة أسقطت حاكماً، سقط رئيسان فجأة وهما الرئيس الروماني بصيحة في ملعب رياضي، وسقط حاكم عربي بانتحار بائع متجول، وقد آزرت الدول الأوروبية أختها وأنجدت الشعب، أما الرئيس التونسي الهارب، فقد حلّ محله من هو أبرع منه في الحيلة

لا نعرف نصاً أدبياً، أو طرفة أسقطت حاكماً، سقط رئيسان فجأة وهما الرئيس الروماني بصيحة في ملعب رياضي، وسقط حاكم عربي بانتحار بائع متجول، وقد آزرت الدول الأوروبية أختها وأنجدت الشعب، أما الرئيس التونسي الهارب، فقد حلّ محله من هو أبرع منه في الحيلة.

رؤساء الدول العظمى أيضا يتوسلون بالحِيَل والخدع النبيلة لغزو الشعوب، فقد غزت أمريكا أفغانستان من أجل نجدة امرأة أفغانية، وضربتها بستين ألف قنبلة، ومكثت فيها عشرين سنة وقتلت عشرت الألوف من النساء.

أما روسيا فغزت سوريا وجربت بشعبها كل أنواع الأسلحة؛ وقاية من الشيشان والأصوليين أو من أجل الاستحمام من قذارتها بالمياه الدافئة.

twitter.com/OmarImaromar