قضايا وآراء

ماذا خسرت روسيا من حرب أوكرانيا؟

1300x600
الانتكاسة العسكرية الروسية التي حصلت أخيراً في خيرسون بعد أن كان الرئيس الروسي ضمها إلى بلاده قبل أسابيع، هي في حقيقتها انتكاسة عسكرية استراتيجية لبوتين شخصياً على الرغم من نأيه بنفسه عن قرار الانسحاب، الذي اتخذه وزير الدفاع سيرجي شويغو، لكن الجميع داخل روسيا وخارجها يدرك تماماً من الذي يقود المعارك في أوكرانيا، حيث تابع كثيرون كيف كان بوتين يصدر قراره العسكري لقادة جنوده في التحرك العملياتي على الأرض.

هذه الانتكاسة وصفها مستشار في الكرملين بأنها أعظم انتكاسة تتعرض لها روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، ولكن مع هذا ابتلع بوتين الإهانة، ولم يستخدم النووي بحسب ما تنص عليه العقيدة الروسية في استخدامه، حين تتعرض أراضي البلاد للغزو، ولكن يبدو أن العقيدة النووية هذه لا تزال تسري على أراضي روسيا القديمة وليس الجديدة، التي أعلن بوتين عن ضمها منذ عام 2014 ولعل القرم تدخل في نطاقها، ولذا فإن الانسحاب الروسي غير المنظم هذا من خيرسون أراح أعصاب الغرب الذي كان قلقاً من لجوء بوتين إلى السلاح النووي.

لكن في المقابل، الخسائر الروسية في حرب أوكرانيا ستكون بعيدة المدى، بغض النظر عن تداعي السمعة الروسية وسمعة بوتين التي بناها خلال السنوات الماضية، والتي كان أساسها قوة روسيا وجبروتها، ليتبين أنه جبروت فقط على المدنيين، كما حصل في دكّ المدن السورية، دمشق وحلب وإدلب وحمص، وغيرها، لكن حين واجه بعضاً من السلاح الغربي، كانت النتيجة مختلفة.
الخسائر الروسية في حرب أوكرانيا ستكون بعيدة المدى، بغض النظر عن تداعي السمعة الروسية وسمعة بوتين التي بناها خلال السنوات الماضية، والتي كان أساسها قوة روسيا وجبروتها، ليتبين أنه جبروت فقط على المدنيين، كما حصل في دكّ المدن السورية

الآن وفي ضوء الخسائر الروسية المنظورة، يمكن رصد خسائر عسكرية واقتصادية وسياسية، وعلى رأس الخسائر العسكرية ما فقده بوتين من قوات بلاده التي قدرتها مجلة الفورين أفيرز الرصينة بأكثر من 80 ألفا بين قتيل وجريح، والأخطر من ذلك مقتل كبار القادة العسكريين الروس في هذه الحرب، وهي القيادات التي اكتسبت خبرة عسكرية وشهرة عالمية ليس من السهل الحصول عليها وترسيخها، مما يعني أن الروس بحاجة لفترة طويلة للعودة إلى ما كانوا عليه على الأقل، بينما خصومهم وأعداؤهم سيكونون قد سبقوهم بأشواط بعيدة.

الكل تابع لجوء روسيا إلى حلفائها، إن كان في كوريا الشمالية بالحصول على قذائف المدفعية، أو إلى إيران بالحصول على المسيّرات الإيرانية مع مستشاريها، وكذلك طلبها قطع غيار من الصين وذلك بعد الأسبوع الأول لغزوها أوكرانيا، وأتى استنجاد الجيش الروسي بمليشيات فاغنر، وبروز قائدها متصدراً المشهد العسكري، ليؤكد ويبرهن على مدى الخسائر الضخمة التي لحقت بالجيش الروسي. وسيظل الجيش الروسي يعاني أكثر في المستقبل من العقوبات الغربية على تصدير المكونات الدقيقة التي تدخل في الصناعة العسكرية الروسية، وهو ما سينعكس سلباً وبكل تأكيد على صناعة الأسلحة الروسية مستقبلاً فضلاً عن العقيدة العسكرية الروسية ذاتها.

أما على صعيد العقوبات الاقتصادية، فإن الغاز والنفط الروسيين سيفقدان دورهما وتأثيرهما في الغرب على المدى البعيد، بعد أن لجأ الأخير إلى مصادر وبدائل جديدة، ولم يعد يثق ربما بالاتفاقيات المبرمة مع روسيا، وهو يرى تخليها عن هذه الاتفاقيات مع أول محنة، مما جعل الغرب يدفع ثمناً باهظاً على المستوى الشعبي، حين خرجت المظاهرات الشعبية تندد بالحرب في أوكرانيا، وتطالب الحكومات الغربية بعدم دعم أوكرانيا للحفاظ على تدفق الغاز الروسي.
الغاز والنفط الروسيين سيفقدان دورهما وتأثيرهما في الغرب على المدى البعيد، بعد أن لجأ الأخير إلى مصادر وبدائل جديدة، ولم يعد يثق ربما بالاتفاقيات المبرمة مع روسيا، وهو يرى تخليها عن هذه الاتفاقيات مع أول محنة

أما عملية لجوء روسيا إلى الالتفاف على العقوبات الغربية، فلن تجدي مستقبلاً، وتحديداً بلجوئها إلى استخدام الصين والهند كدول وسيطة بينها وبين زبائنها الدوليين، لا سيما في ظل عملية البحث عن البديل، بل وإيجاده في حالات كثيرة، يضاف إليه تضييق خناق الحظر الغربي على كل من يتعاون مع روسيا، كل هذا سيجعل العملية صعبة ومكلفة وغير مجدية في حالات كثيرة.

أما على الصعيد السياسي فقد بدت روسيا شبه منعزلة، وأقرب ما تكون إلى الدولة المارقة، فإن كان عضو في مجلس الأمن الدولي يقوم بغزو دولة كأوكرانيا، فكيف سيكون مثل هذا العضو أميناً على السلم والأمن العالميين؟ وانعكس هذا حتى بانتقاد صيني وهندي لبوتين وسياساته في أوكرانيا. وفي موازاة ذلك نلمس التراجع الروسي في أوروبا، بعد أن كان بوتين قد حقق الكثير من الاختراقات فيها قبل غزوه لأوكرانيا، على حساب المصالح الأمريكية. واليوم نرى هذا التراجع أيضا في دول وسط آسيا التي وجدت متنفساً لها في الانعتاق أكثر فأكثر من القبضة الأمنية الحديدية الروسية باتجاه آفاق جديدة أوروبية وصينية.