قضايا وآراء

المجلس الانتقالي وإدارة الفوضى في جنوب اليمن!

1300x600
تصعيد جديد يطفو على سطح المشهد السياسي في اليمن، تحديداً في العاصمة المؤقتة عدن، بعد إجراءات تقييد تحركات رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي من قبل مجلس القيادة اليمني، وضغط سعودي على هيكلة الحماية الأمنية والعسكرية لحراسة قصر القيادة والإدارة الحكومية في عدن دون تدخل أي تشكيلات تتبع الانتقالي، ناهيك عن خلافات حادة انتهت بمغادرة القوات الإماراتية، وقضايا إدارية ومالية واستخباراتية تتعلق بقيادة المجلس الرئاسي.

والانتقالي الذي يحاول أن يتملص من التزاماته الأمنية والعسكرية المتضمنة في اتفاق الرياض، ولكونه يريد التحايل ويرفض تطبيع الأوضاع في عدن والمناطق المجاورة، فهو يسعى لخلق حوادث أمنية والقيام بعمليات هنا وهناك، لتأخير الترتيبات الأمنية المطلوبة، ويريد أن يحتفظ بوجوده الأمني والعسكري داخل المدينة، مع ترك الرئاسة والحكومة تمارسان أعمالهما الإدارية تحت وصايته.

وفي حالة كهذه هو لا يكون وصيا على الحكومة فحسب؛ بل يسهم في تفريغ مفهوم السلطة من معناه. فما الذي يتبقى من دلالة لمفردات "الحكومة" و"الوطن" و"الدولة" ما دامت مجردة من القوة، حيث أهم شرط وأول ركيزة لفكرة الدولة هو "احتكار القوة"؟ فبدون هذا نحن أمام لعبة مختلة من أساسها. وأما بالنسبة للأجهزة الأمنية التابعة للانتقالي فهي ليس فاشلة في تحقيق استقرار أمني جيد فحسب، بل هي بذاتها منفلتة ومساهمة في صناعة الفوضى والتطفل على المواطنين، كونها أجهزة أمنية تم سلقها بطريقة سريعة ولم تحظ بالقدر الكاف من التدريب والتوجيه المعنوي المرتب لسلوكها ومهامها، إلى جانب عدم شعورها بالمسؤولية وعدم ارتباطها بالجهاز القانوني للدولة ما يجعلها تشعر بأنها في مأمن من العقوبة..
الانتقالي الذي يحاول أن يتملص من التزاماته الأمنية والعسكرية المتضمنة في اتفاق الرياض، ولكونه يريد التحايل ويرفض تطبيع الأوضاع في عدن والمناطق المجاورة، فهو يسعى لخلق حوادث أمنية والقيام بعمليات هنا وهناك، لتأخير الترتيبات الأمنية المطلوبة، ويريد أن يحتفظ بوجوده الأمني والعسكري داخل المدينة

في ما يأتي استعراض بعض من سلوكياته الكاشفة لطبيعة تعامله الأمني في عدن والمناطق الواقعة تحت سيطرته:

• استمرار عمليات اقتحام المنازل وترويع السكان واختطاف المواطنين وإخفاؤهم والتحقيق معهم بدون مسوغات قانونية، في سجون سرية يتعرضون فيها للتعذيب والتنكيل الذي أدى إلى وفاة عدد منهم. وهذه القضايا وثّقتها المنظمات الحقوقية المحلية والخارجية، كما تناولتها وسائل إعلام عربية وعالمية.

• تعرض ممتلكات الناس للنهب والسطو من قبل القيادات الأمنية والعسكرية المدعومة إماراتياً، في ظل توقف المحاكم والنيابات العامة، ما أدى إلى ضياع الحقوق وانتهاكها، ونشر الخوف بين المواطنين، خاصة لما عرفت به عدن وأهلها من سمات التمدن ونبذ العنف، والابتعاد عن السلاح وأعمال البلطجة والاستقواء على الآخرين بقوة السلاح.

• تعدد وتنوع التشكيلات المسلحة في المدينة، وعدم وجود قيادة أمنية واحدة يمكن التعاطي معها في الجانب الأمني، ما يؤدي إلى إهدار حقوق المواطنين في الأمن والاستقرار، حيث لا يستطيع الضحايا معرفة الجهة التي قامت بالاعتداء عليهم وسط هذه الفوضى وكثرة المجموعات المسلحة والجهات التي تمارس الانتهاكات بشكل يومي.

• اقتحام الوزارات والمؤسسات الحكومية والمنشئات العامة والخاصة وإرهاب الموظفين ومنعهم من مزاولة أعمالهم، تحت مبررات غير واقعية، كما حدث أثناء اقتحام مبنى وزارة التعليم في شباط/ فبراير الماضي للمطالبة برواتب مسلحي الانتقالي، والمؤسسة العامة للكهرباء للضغط عليها لدفع مبالغ مالية وتوظيف عدد من المسلحين المشاركين في أعمال الاقتحام، وكذلك ما يتعرض له مبنى المجمع القضائي في خور مكسر من اقتحامات مسلحة لمنع الموظفين من دخول المبنى وممارسة أعمالهم وإنجاز معاملات الناس العالقة منذ شهور طويلة وبعضها منذ سنوات، ومبنى نقابة الصحفيين اليمنيين ووكالة الانباء اليمنية والمدارس الاهلية وكثير من المؤسسات الحكومية.

• الاعتداءات المتكررة على أفراد الحراسة في عدد من المنشآت والمرافق من قبل مرافقي القيادات الأمنية والعسكرية الانتقالية، وآخرها ما تعرض له ضابط في أمن مطار عدن من ضرب مبرح على يد قائد ألوية الدعم والإسناد الوالي ومرافقيه، في نيسان/ أبريل الماضي.

• تعيين الأقارب والموالين في مراكز ومناصب أمنية رفيعة دون أن يكون لهم مؤهلات ولا خبرات؛ سوى الاعتبارات المناطقية والقروية والروابط الأسرية والتبعية لدولة الإمارات ومشاريعها التدميرية.

• تشهد عدن اختلالات أمنية متعددة، بدءا بالاغتيالات والاختطافات، مرورا بعمليات الاعتداء والنهب لممتلكات خاصة وأخرى عامة، وصولاً إلى صدامات مسلحة بين مجموعات تابعة للمجلس الانتقالي، ضمن صراعها على مصادر الإيرادات في المدينة وغيرها من المصالح.

• استهداف منازل ومزارع وممتلكات أبناء مناطق الصبيحة وأبين وشبوة بصفة خاصة واعتبارهم أعداء للانتقالي، كما حدث خلال محاصرة منزل وزير الداخلية اللواء إبراهيم حيدان في آذار/ مارس الماضي، وأثناء اقتحام منزل نائب وزير التعليم المهني عبد ربه المحولي (الصبيحي) العام الماضي، ومزرعة الشيخ صالح بن فريد العولقي في نيسان/ أبريل الماضي، حيث قامت قوة في الحزام الأمني باقتحام المزرعة الواقعة في مديرية دار سعد واعتقال الحارس، مع أن الشيخ العولقي يعتبر من مؤسسي المجلس الانتقالي وهو عضو في هيئة رئاسته، لكن اختلافه معهم بسبب الحرب التي شنوها على محافظته شبوة جعله محل استهداف الانتقالي ومسلحيه.
هذه السلوكيات والأساليب خلقت نتائج عامة لتدهور الأوضاع في عدن أهمها تدمير الحركة وتعطيل الحياة في عدن والقضاء على مقومات العيش في المدينة، وإجبار السكان على مغادرتها للبحث عن مناطق أخرى توفر حياة آمنة ومعيشة أفضل، وتدمير التنوع السكاني في عدن وتمزيق نسيجه الاجتماعي، وحصول تغيير ديموغرافي

وبسبب استمرار الاعتداءات على ممتلكات أبناء شبوة وحضرموت وأبناء المحافظات الشمالية الموجودين في عدن، فقد نفذوا عدة فعاليات احتجاجية في الشهور الماضية للتنديد بتلك الاعتداءات، والمطالبة بحماية ممتلكاتهم ووضع حد للمضايقات التي يتعرضون لها، مع أن محافظ عدن ينتمي لمحافظة شبوة، ويعتبر أحد قيادات الانتقالي لكنه لم يستطع أن يفعل لهم شيئاً أمام هذه الأعمال التي تستهدف أبناء محافظته.

• استمرار خطف المواطنين وإخفائهم بعيدا عن أقاربهم أدى إلى قيام 40 معتقلا في سجن بئر أحمد بالإضراب المفتوح عن الطعام أكثر من مرة، لكي يتم النظر في قضيتهم بعد سنوات من الاعتقال والحرمان من الحقوق وعدم الكشف عن مصيرهم. ومن ذلك جريمة اختطاف الصحفي أحمد ماهر وشقيقه، وتلفيق تهمة الإرهاب والاغتيالات.

كل هذه السلوكيات والأساليب خلقت نتائج عامة لتدهور الأوضاع في عدن أهمها تدمير الحركة وتعطيل الحياة في عدن والقضاء على مقومات العيش في المدينة، وإجبار السكان على مغادرتها للبحث عن مناطق أخرى توفر حياة آمنة ومعيشة أفضل، وتدمير التنوع السكاني في عدن وتمزيق نسيجه الاجتماعي، وحصول تغيير ديموغرافي يؤدي إلى تناقص أبناء عدن وازدياد الوافدين من العناصر المسلحة القادمة من أرياف يافع والضالع وردفان المعروفة باسم منطقة "المثلث"، وهم يشكلون أغلب عناصر التشكيلات والوحدات المسلحة والمدعومة إماراتياً.

• تشجيع المظاهر السلبية والمسيئة لعدن وخصائصها، مثل حمل السلاح والفوضى والعنف والنهب، وما يترتب عليه من ضياع الحقوق والممتلكات وانتشار الظلم والانتهاكات.

• تخريب المرافق العامة وإساءة استخدام ما تبقى منها بعدما تعرضت للسطو ونهب محتوياتها، واستهداف خبيث لمقومات المجتمع المدني وضرب المكونات المدنية والفعاليات السلمية، وتحويل عدن إلى قرية محرومة من أهم الخدمات ومجردة من جميع خصائصها وسماتها التي عرفت بها منذ عشرات السنين.

• كسر هيبة النظام والقانون وإجبار الناس على التعامل وفق منطق القوة وباستخدام العنف والسلاح، باعتبارها الوسائل المتبعة في الوقت الحالي وضرب مصداقية التحالف أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، وجعله يبدو عاجزاً عن معالجة الاختلالات أو أنه راض بها، وليس جاداً في دعم اليمن ومساندته وفقدان الأمل بتحقيق أي نجاح أو تحسين للوضع مستقبلا في ظل الفشل المستمر لكثير من التجارب منذ تحرير عدن.

ما تم تناوله مختصراً ليس قراءة سلبية، ولكنه واقع يخفي خلفه وقائع العبث الممنهج، رغم أن كثيرا من ساسة اليمن استبشروا خيرا أن يكون للانتقالي ممثل رئاسي عشية إعلان مجلس القيادة في إطار الدولة اليمنية، واندماج الانتقالي مع الحكومة سياسيا وعسكريا وأمنيا، وتخليه عن مطامحه لصالح الإقرار بدولة موحدة وضامنة لحقوق الشمال كونه الخيار الأنسب والأضمن لتجاوز العبث والتدهور الحاصل في عدن. لكنها آمال وطموح تحطمت جراء الفجوة الكبيرة بين الطرفين وانعدام الثقة، إلى جانب وجود دوافع ممنهجة لدى الانتقالي لمواصلة الصدام مع الحكومة، فهو لا يرى شراكته الشكلية معها سوى خطوة تكتيكية تمهد لواقع أخر ينتظر فرصة تحققه، وهو ما يجعل إمكانية تعمق المصالحة الحقيقية مع الحكومة ومجلس الرئاسة أمرا متعذرا. وهناك سبب آخر يعزز صعوبة التصالح الحقيقي، وهو وجود ممول للانتقالي له دوافع تتصادم مع المصالحة الشاملة وتدفع الانتقالي نحو خيارات أخرى.
وفق تطورات الأحداث السابقة والأخيرة يتضح أن تدمير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من باب المندب إلى أقصى خليج عدن؛ هو خطة إماراتية.. أن تبقى هذه المناطق بين الحياة والموت والفوضى واللا استقرار، كون ما يحدث ليس حوادث عابرة إنما ممنهجة بإدارة ومال إماراتيين

أمام هذه الحقائق والاستنتاجات على رئيس مجلس القيادة ورئيس الحكومة القيام بإجراء مراجعات شاملة للوضع في عدن والموقف منها، مع ضرورة إيجاد رؤية واضحة وتصورات مسبقة لما يجب عمله في الفترة القادمة، والاستفادة من تجارب السنوات الماضية، ومكاشفة الرأي العام بما يستجد من أحداث وتطورات بكل شفافية ومصداقية، وكشف الدور الإماراتي الواضح والواقف خلف كل تحركات المجلس الانتقالي، حتى يكون الشعب والمجتمع الدولي على معرفة بما يدور في البلاد وما تواجه الحكومة والرئاسة من تحديات ومخاطر.

الخلاصة: وفق تطورات الأحداث السابقة والأخيرة يتضح أن تدمير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من باب المندب إلى أقصى خليج عدن؛ هو خطة إماراتية.. أن تبقى هذه المناطق بين الحياة والموت والفوضى واللا استقرار، كون ما يحدث ليس حوادث عابرة إنما ممنهجة بإدارة ومال إماراتيين. ومهما كثرت مصائب اليمنيين، تبقى الإمارات هي أكبر مصيبة حلت بهذا الشعب الجريح، فكل انكسارات الشرعية وتعثر مشروع استعادة الدولة، تقف خلفها دسائس أبو ظبي.

أما المشاكل الفرعية هنا وهناك فهي أعراض تناسلت عن المصيبة الكبرى، وبحسب التوصيف القانوني الدولي، يمكن القول إن الجمهورية اليمنية في حالة حرب مفتوحة مع الإمارات، بسبب الاعتداء الفاضح على سيادتها وقصف جيشها، ودعم المليشيات على حساب كيان الدولة، وهو اعتداء يمنح الجمهورية اليمنية الحق بالرد والدفاع عن سيادتها، طال الزمان أو قصر. ويمكن لليمني أن يتصالح ويتسامح مع كل خصومه وأعدائه، في الداخل والخارج، فنهاية كل الصراعات صلح وتسوية؛ باستثناء الإمارات، أعتقد أن عدوانها ضد اليمنيين عداء وجودي وبتصميم ممنهج، ما يجعل إمكانية التسامح معها صعبة، وربما مستحيلة.

twitter.com/anesmansory