سياسة عربية

ماذا وراء إلغاء النظام السوري زيارة وفد لبناني لدمشق؟

العاصمة السورية دمشق- جيتي

ألغى النظام السوري زيارة وفد رسمي لبناني إلى دمشق، كانت مقررة الأربعاء، لبحث ترسيم الحدود البحرية اللبنانية-السورية.

وتحدثت مصادر لبنانية عن تسلم وزارة الخارجية اللبنانية، رسالة من سفارة النظام ببيروت، تطلب إلغاء الزيارة المقررة، على أن يتم تحديد موعد آخر لاحقا.

وأوضحت أن سبب طلب التأجيل هو حصول ارتباطات مسبقة لدى المسؤولين في النظام السوري، لكن مصادر لبنانية أكدت لـ"عربي21" أن إلغاء الزيارة يُعبر عن عدم استعداد النظام السوري للانخراط بمسألة ترسيم الحدود البحرية مع لبنان.

وقال الكاتب الصحفي اللبناني يوسف دياب، إن الاعتذار يؤكد غياب الجدية من جانب النظام السوري في مسألة ترسيم الحدود البحرية والبرية مع لبنان، لأن النظام تاريخياً يرى في لبنان الدولة جزءا من السيادة السورية، وهو لا يعترف بسيادة الدولة على أراضيها أو ثرواتها.

وما يؤكد ذلك، من وجهة نظر دياب، قيام النظام السوري في العام 2021 بالتنقيب عن النفط في البحر المتوسط بمناطق متداخلة مع البلوك اللبناني رقم 1 والبلوك رقم 2، دون التشاور مع لبنان، أو دون انتظار ترسيم الحدود.

وكان الرئيس اللبناني ميشال عون قد أعلن عن تكليف وفد رسمي لزيارة دمشق، وذلك بعد اتصال أجراه مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، لكن دياب يرى أن الأخير لم يكن على علم بأن لبنان سيرسل الوفد لأن النظام لا يضع مسألة ترسيم الحدود على أولوياته، وإنما أراد الأسد من خلال الموافقة منح عون ورقة معنوية في آخر أيام عهده بالرئاسة.

وأضاف الصحفي اللبناني أن النظام لن يترجم الوعود التي أعطاها لعون، ومن الطبيعي أن يرفض استقبال الوفد اللبناني، مستدركا بقوله: "حتى لو حدد النظام موعدا جديدا لزيارة الوفد اللبناني، فإنه يتهرب كعادته، لتضييع الوقت حتى تتبدل الظروف السياسية".

في المقابل، قال المتحدث باسم "المصالحة السورية" عمر رحمون، إن "القضية ليست اعتذارا، وإنما جدول أجندات دمشق لا يساعد حاليا في استقبال الوفد الرسمي اللبناني".

 

اقرأ أيضا: تحرك إسرائيلي لاتفاق مع مصر والسلطة بشأن "غاز غزة"


وأَضاف لـ"عربي21" أنه "لا مشكلة لدى دمشق في ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، وتم بحث ذلك بين الأسد وعون".

وبخصوص تحديد دمشق لموعد آخر، قال رحمون: "لم يتم إعلان موعد جديد لزيارة الوفد اللبناني، وفور تحديده سيتم الإعلان عن ذلك".

النظام يماطل

أما عضو "هيئة القانونيين السوريين الأحرار" عبد الناصر حوشان، فيقول إن ملف ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان تم تدويله من خلال قرار مجلس الأمن رقم 1680 لعام 2006، حيث يطالب نص القرار الحكومة السورية بالتجاوب مع طلب الحكومة اللبنانية في تعيين الحدود المشتركة بين البلدين، وإيداع نسخة عن هذا التعيين في الأمانة العامة للأمم المتحدة.

ويضيف لـ"عربي21" أن النظام كان يماطل وما زال في تنفيذ ذلك القرار، ولم يكتف بذلك فقد تعاقد مع شركة كابيتال الروسية للتنقيب في البحر المتوسط في مناطق متنازع عليها مع لبنان، ما يعني أن الاعتذار عن استقبال الوفد يعد استمرارا في المماطلة في تنفيذ القرار الأممي للمساومة.

أصابع روسية

وفي قراءة أخرى لأسباب اعتذار النظام السوري عن استقبال الوفد اللبناني، يشير الكاتب والمحلل السياسي الدكتور باسل المعراوي إلى أصابع روسية، مرجحاً في حديثه لـ"عربي21" أن تكون روسيا ضغطت على النظام السوري ردا منها على الدور الأمريكي في ملف اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان.

ويقول المعراوي، إن تسريع ملف ترسيم الحدود البحرية اللبنانية يأتي في إطار تأمين مصادر بديلة عن الغاز الروسي، وخاصة من جانب الاتحاد الأوروبي، وكل ذلك أغضب روسيا بالتأكيد، وهو ما دفعها إلى تعطيل اتفاق مماثل مع سوريا.

لبنانيا، عزت صحيفة "المدن" اللبنانية إلغاء الزيارة إلى مجموعة حسابات، أولها عدم الجهوزية السورية للبحث في هذا الملف، لا سياسيا ولا تقنيا، وإلى أن مسار تطبيع العلاقات بين لبنان ودمشق كان يجب أن يسلك طريقا مختلفة، لا أن تكون الزيارة على هذا المستوى مرتبطة بنقطة مصلحية.

وأضافت الصحيفة أن هناك من يعتبر أن روسيا كانت سابقا هي التي أبدت كل الاستعداد للمساعدة على إنجاز هذه المفاوضات وعرضت تقديم مبادرة، لكنّ روسيا اليوم تبدو منشغلة إلى حدود بعيدة في أوكرانيا، كما أن لبنان اتخذ موقفا إلى جانب أوكرانيا ضد روسيا في الأمم المتحدة بعد نجاح الوساطة الأمريكية بشأن ترسيم الحدود.

يذكر أن عون كان قد أجرى مؤخراً اتصالا بالأسد، وبحث معه العلاقات الثنائية، وترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وذكرت مصادر لبنانية أن "الرئيسين اتفقا على تشكيل وفود رسمية من الوزارات والإدارات في البلدين، لعقد اجتماعات في بيروت ودمشق للتوصل سريعا إلى اتفاق".